ركبتُ القطار الخطأ؟ أدركتُ ذلك؟
فنزلتُ.
دعني أخبرك
هذا هو الجزء السهل .
ولكن، ماذا بعد النزول؟
ماذا عن الوقوف في محطة لا تعرف أسماء وجهاتها؟
أن تُحدّق في لوحة المغادرة، وكل الأسماء تبدو غريبة، بلا معنى.
التيه ليس في ركوب القطار الخطأ... التيه هو في إدراك أنه لا يوجد قطار "صحيح" تعرفه.
ماذا عن الفراغ الذي خلّفه النزول؟
فراغٌ لا يشبه شيئًا، يبتلع كل محاولات الملء.
أخبرني، كيف يُملأ ما لا شكل له؟
كلما ظننتُ أنني أمسكتُ بخيط المعادلة،
وأنني عرفتُ وجهتي وركبتُ قطارها...
يُسحب من بين يديّ ذلك اليقين الهشّ.
أكتشف أن ما حسبته اكتمالًا كان مجرد وهم،
وأن هذا ليس قطاري أيضًا.
والفراغ؟ لم يمتلئ. بل يزداد اتساعًا، كأن كل ما ألقيه فيه ليس سوى وقودٍ ليتضخّم، ليُحدث بداخلي فجوةً أعمق.
ربما أدركتُ اليوم أنني لم أبدأ طريقي بعد.
ما زلتُ في المحطة.
ما يتعبني ليس "الكيف"، بل "الأين".
حين نعرف الغاية ، تتجلى لنا الخطوات.
ولكن كيف نرى الغاية وهي غائبة؟
كيف ندركها ؟
المشكلة ليست في اكتشاف أن الطريق خطأ،
بل فيما يلي هذا الاكتشاف.
أن تقف عاجزًا أمام الفراغ، لا تعرف ما هو "الصحيح" أصلًا.
الخوف الأكبر ليس أن نمضي العمر في البحث
الخوف الأكبر هو ألا نعرف عما نبحث.
أو الأسوأ:
أن يأخذنا قطار آخر، أي قطار، فقط لنهرب من ألم الوقوف...
فنعتاده، وننسحب بداخله، ونقنع أنفسنا بالراحة دون أن نقتنع بها...
وننطفئ ونحن نظن أننا نسير.
فكيف يُكشف الطريق؟
هل بالتفكير، أم بالتجربة، أم بالتسليم؟
هل هو سعيٌ نحو الامتلاك أم سعيٌ نحو الترك؟
هل هو طريق نحو الله أم طريق نحو الدنيا؟
أم هو هذا التوازن المستحيل، المشي على حبلٍ رفيع بينهما، في المنتصف، حيث لا سقوط ولا وصول؟
أتعرف...؟
كلما امتلأتُ بالدنيا وجذبني سطحها اللامع،
جاءني الموج من حيث لا أحتسب.
لا يسحبني برفق، بل يخبطني، يوقظني.
يجرّني إلى الأعماق ليقول لي:
"الاستقرار ليس على السطح. العمق هو المستقر".
أبتعد،
فيأتيني ما يقربني قسرًا.
لا يأتي بلطف، بل يأتي في هيئة وجع، أو فقد، أو انهيار.
كأنني أسمع صوتًا يخبرني:
"أما زلتِ لا تتعلمين الدرس؟
عودي. اقتربي".
وأظنني لا أتعلم الدروس بسهولة.
البُعد الذي أتحدث عنه ليس ماديًا، ظاهريا .
إنه روحيّ.
حين تنشغل روحي بضجيج العالم،
تبتعد قليلًا عن الله، ثم أكثر،
فأكثر...
حتى أغيب -داخليا- عنه، لا أعد أشعر بقشعريرة القرب، أو راحة الدعاء، أو احساس اتصالي بالله
فأغيب -بالتبعية- عن نفسي، وعن الحياة كلها.
حين يقلّ تواجده في قلبي، أفقد طعم الأشياء في كل جوانب حياتي
وأقف في التيه الذي بدأتُ منه وأنظر حولي
وأتأكد....
المعادلة لم تكن يومًا كما ظننت.
الامتلاء الحقيقي ليس بما نملك.
والطريق قد يكون أوضح مما يبدو.
هو طريق واحد، إليه.
ورغم أنني أكتب هذا بيقينٍ يهزّني،
وأشعر بصدقه في كل خلية...
إلا أنني، في اللحظة التالية، التي سأنهي معها هذه السطور
سأهرب.
أدير ظهري لهذا اليقين.
أنغمسُ عمدًا في الحياة،
أبحثُ على سطحها عن قطارٍ آخر، عن وهمٍ جديد، عن طريق غير هذا الطريق.
لا أدري السبب وربما أعرف...
ربما لشعوري بأنه أكبر مني
أو بأنه سيتطلب مني ترك واستغناء واقتراب وجهاد
لا أريد أن أبذل جهده
ولكن... كم سأظل هكذا... ؟ أقفُ في المحطة،
أنظر إلى الطريق الصحيح الوحيد... أراه أمامي
...ولكنني
أختار-عمدا، وجبنا- ألا أمضي فيه.
وأختار أن أظل في هذا التيه...
No comments:
Post a Comment