تجلس على الكرسي الصغير،
تضع قدمها على القطعة السوداء،
وتنطلق أصابعها فوق اللونين المتناقضين، الأسود والأبيض.
تتحرك كفّاها بتلقائيةٍ مدروسة،
تنقل أصابعها بخفّةٍ احترافية،
فقد أمضت عقودًا تتدرّب، تتقن، وتُبدع حتى صارت سيدة هذا الفن.
تتابع العزف...
ثم فجأة تتوقف.
كيف تواصل دون نتيجة؟
لا صوت، لا نغمة، لا موسيقى...
حركة فقط، بلا أثر.
تحاول من جديد،
لكن الصمت يصرّ على البقاء.
البيانو لا يصدر سوى الفراغ.
تتراجع ببطء،
تفرد قدميها، وتضغط بكفها اليسرى على أصابعها اليمنى،
وعيناها ما زالتا معلّقتين بالبيانو أمامها.
ماذا حدث؟
أتراها فقدت القدرة على السمع؟
أم أن الآلة توقفت عن العمل؟
أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
متى يغيب اللحن؟
وهل من الممكن أن نبذل دون نتيجة؟
وهل حين لا يتساوى ما ندخله مع ما يخرج لنا
لابد أن نتوقف؟
لكنها لا تقبل بكل هذه الافتراضيات
البيانو يجب أن يعمل.
وصوت الموسيقى لا بد أن يولد.
تجبر يديها على المحاولة،
شيء ما بداخلها يهمس: "غيّري المعزوفة."
تبدّل النوتة،
تحرّك أصابعها،
فتخرج أولى النغمات...
فتكمل،
تتسارع،
تنتشي،
تبتسم.
لقد عادت الموسيقى.
لكنها، بشيء من التحدي، تعود إلى معزوفة البداية.
تضع أصابعها حيث كانت،
وتحاول من جديد.
الصمت ذاته.
سكون.
لماذا؟
هل يعاندها البيانو؟
أم أن الشعور يأبى الخروج؟
تنظر إلى النوتة أمامها...
فراغ.
لا شيء مكتوب.
الآن فقط تفهم.
لقد كانت تحاول أن تعزف اللاشيء،
أن تسمع ما لا صوت له،
أن تخلق من الصمت لحنًا.
وكيف يولد اللحن من عدم؟
وكيف تخرج موسيقى من نوتة مفقودة؟
تلك اذا الحقيقة:
مهما حاولت فستكون النتيجة مضمونة..
الا شئ...
تبتسم بهدوء،
ترفع يديها عن البيانو،
وتقلب الصفحة...
على نوتة جديدة،
تصدر عنها -هذه المرة- الموسيقى
No comments:
Post a Comment