2025/10/21

فنجان قهوة

 أرفع فنجان القهوة إلى شفتيّ،

أرتشف منه ببطء.
يخبطني الطعم…
مُرّ.
أألِفُ المرارة عادةً، فلماذا اليوم اكتشفت فجأة أنني لا أحبها؟
وأنا التي كنت أحسبني مدمنة طعمها!
لستُ متأقلمة معه فحسب، بل كنت أظنني عاشقة له.
هل تتغير حاسة التذوّق فجأة؟
أم أن الإشارات التي تُرسلها إلى أدمغتنا تختلف؟
هل العيب في صانع القهوة؟
أم أنه أتقنها أكثر من المعتاد فازدادت مرارتها؟
أم لعلّه لا وجود لـ “المعتاد” أصلًا،
وأن الفم الذي يتذوق اليوم، ربما لم ينتبه إلى الطعم من قبل؟
ربما كنت أحتسيها دومًا بسرعة،
بعادةٍ… بارتباكٍ… لهدفٍ ما.
وربما هذه المرة الأولى التي سمحتُ فيها لنفسي — أنا وفمي — أن نتذوق القهوة حقًا،
وأن نكتشف معها إن كنّا نحبها أم لا.
وضعتُ الفنجان على الطاولة،
أخذتُ أحدّق فيه طويلاً.
ماءٌ بلونٍ بُنّيٍّ مائل إلى السواد، ساكن لا يتحرك.
أنظر إليه أكثر، فينعكس وجهي على سطحه… بلا معالم.
فقط وجه.
أرفع الفنجان من جديد، أقرّبه من ملامحي حتى كادت تلمس سطحه،
كأنني أحاول أن أرى نفسي فيه.
أتعامَل معه كمرآةٍ يجب أن تريني مَن أكون.
لكن… هل أعرف فعلًا من أنا؟
أُشير إلى النادل وأسأله إن كان بإمكانه أن يُحضر لي قليلًا من الحليب.
تتحول تعابير وجهه إلى دهشةٍ صامتة،
وصوته غير المسموع يكاد يقول:
“ألم تطلب قهوتها سوداء؟”
يهزّ رأسه بالإيجاب وينصرف.
وأنا أظل أفكر…
منذ متى بدأت أضيف الحليب إلى القهوة؟
وأنا التي لم أُطق طعم الحليب يومًا!
ماذا أحاول أن أفعل؟
ربما هي تجربة… لأعرف نوع القهوة التي أحبها حقًا.
عاد النادل، وضع الحليب الساخن بلطفٍ على الطاولة،
وسألني إن كنت أريد شيئًا آخر قبل أن يمضي.
أضفت قليلًا من الحليب… وتذوقت.
لم يتغير الطعم كثيرًا.
أضفت المزيد… ثم تذوقت.
أضيف… وأتذوق.
أضيف… وأتذوق.
حتى لحظةٍ أنزلتُ فيها كوب الحليب لأتفاجأ بأنه فارغ.
لقد سكبتُه كله في القهوة!
إذًا… أنا أحبها بالحليب.
كم من العمر فعلتُ ما لا أحب، جهلًا،
فقط لأنني لم ارغب في ان اخذ برهة من الزمن لأكتشف إذا كنت احب الطعم فعلا أم لا

No comments:

Post a Comment