2025/10/12

هل اعتدنا الموت؟

صرنا نعدّ القتلى أرقامًا في نشرةٍ عابرة، بلا ملامح أو حكايات.
اعتدنا الفواجع، وتكرار الوجع، وتناوب الغياب.

أليس كذلك؟

هل تبلّدنا؟
 سئمنا؟
أم أن الخوف تجمّد فينا حتى صار جزءًا من الصقيع؟
هل فقدنا شيئًا من فطرتنا، من إنسانيتنا ؟

لم نعد نخشاه كما كنّا. صار الموت زائرًا عابرًا لا يثير فينا سوى لحظة صمتٍ قصيرة.
 أَتُراه فقد هيبته، أم أن رهبته تعاظمت في القلوب حتى كتمناها خشية الانكسار؟

كثرة الموت أرهقت الذاكرة.
لكن موتًا واحدًا اليوم، أوجعني.

استشهاد صالح— الصحفي الذي لم أعرفه إلا وجها في صورة — أيقظ فيّ شيئًا كنت أحسبه قد مات.
وخطر ببالي سؤالٌ طفولي، بسيطٌ حتى السذاجة:
هل ينتقي الله أحبابه ليسكنوا جواره؟
وإن كان كذلك، فلماذا اختارهم... ولم يخترنا؟

أَلِنقصٍ فينا، أم لكمالٍ فيهم؟
أغبطهم، وربما أحسدهم.
لكن، هل أجرؤ حقًا أن أتمنى مكاني بينهم؟
لا أظن.

هم صدَقوا. فاقتربوا.

أما نحن، فلا نعرف من نكون،
ولا على أي أرضٍ نقف.
 نحن في عالمٍ موازٍ؛
هم في العمق، ونحن نطفو على السطح.

أنحن أحياءٌ حقًا، أم مجرد ظلالٍ في نصف حياة؟
هل كانوا أكثر شجاعة، أم أن الشجاعة كانت خيارهم الوحيد؟
 ربما كنا جبناء لأن الأمان أتاح لنا ترف الجبن،
وكانوا أبطالًا لأن الموت لم يمنحهم خيارًا آخر.

أنا أمقت السياسة. أتجنبها كأنها وباء.
كتب أبي التي تملأ الرفوف تتحدث عن الأوطان؛ لم ألمسها قط، لأن أحدًا فيها لا يتحدث عن الإنسان.

واليوم، أنا لا أكتب عن الحرب، بل عن الإنسان.
عن تلك الشرارة التي تقاوم الانطفاء في العتمة.
عنّا، حين يهزنا موتٌ واحدٌ بعد ألف.
وعنّا، حين نكتشف أننا نتحدث عن الإنسانية، لكننا لا نمارسها.

لقد انشطر العالم نصفين: أمواتٌ نالوا الحياة، وأحياءٌ يحملون موتهم في دواخلهم.
نحن، الذين نمشي على الأرض بأرواحٍ مثقلة بالفراغ، نشفق عليهم.
وربما كان الأجدر بنا أن نشفق على أنفسنا.

...لم نعتد الموت... بل اعتدنا هذه النجاة الزائفة.

No comments:

Post a Comment