تقف على مكانٍ عالٍ. عالٍ جداً. تنظر من فوق، فلا ترى حولك إلا فراغاً وهواءً، وتتسع أمامك لوحةٌ تظنها لك: محيطٌ كبير، أزرق، بلا حدود.
تتجول فيه عيناك بذهول المالك، بينما تمرّ طيورٌ ضخمة من حولك، بعضها يهبط على سطح الماء فيستريح، والبعض يكتفي بالتحليق في الأثير، بينك وبين البحر، بين السماء والهواء. في تلك اللحظة، تعتقد أنك فهمت معنى أن تكون حيًّا، سعيدًا، متصلًا، واثقًا من ثبات كل شيء.
كل شيء تحت سيطرتك، ثابت، لا... لن يتغيّر.
لكن فجأة، ومن صميم هذا السلام الزائف، يمرّ طائرٌ. ربما لم يخطئ هو، بل أنت من كان يقف في مسار الحقيقة. يصطدم بجانب وجهك!
ومن شدّة الصدمة وقسوتها، لا تهتزّ فقط، بل تُقتلع من مكانك. تسقط. تسقط على الأرض كمن اصطدمت به قوّة هائلة لم تكن في حسابك. ترتطم بالأرض الصلبة، والطائر إلى جوارك، جثةٌ هامدة. وأنت، على وشك أن تفقد الوعي.
أو ربما تكتشفه؟
تمدّ بصرك إلى الأعلى. لا شيء سوى السماء. تقلب رأسك المثقل على الأرض، تبحث عن أي شيء، عن أي أحد... ولا شيء هناك. فتمكث ناظراً إلى السماء، وتدرك الحقيقة عارية: لم يكن حولك أو معك أحد، قط، إلا السماء ومن فيها. ولأنك سقطت، ولأنك تحطمت، ولأن كل بديل قد تلاشى، ذهبت إليه.
تحاول أن تصعد، أن تبحث، أن تجد الحقيقة. لكن عينيك تقعان على الطائر الملقى بجانبك، فتخاف. ألم يكن هو الآخر يحاول العلوّ... فمات؟ تخاف أكثر.
تحاول أن تبتعد، أن تتشبث بالأرض، تطالبها أن تعينك لتنهض، لتقف. لكن الأرض صمّاء. فتعود، بلا مفر، إلى السماء. تتأمل، تنغمس، تراقب... ترى حياتك تمر كشريطٍ أمامك. وهناك، في عمق اللحظة، تراه. ترى الله. في كل سكنةٍ، وفي كل دهشةٍ، في كل خبرٍ غير متوقع، وصَدْمةٍ، وحدَثٍ.
تفهم... أنك كنت تسير وحيدًا طوال الوقت، ولم يكن معك أحد سواه. فتجده، وتتيقن، وتعرف.
لكنّك، تكتشف الحقيقة الأقسى: أن الله لا يدخل القلوب الممتلئة بنفسها؛ لا في الفرح، ولا حين نملك، ولا حين نعلو، بل حين ننكسر. حين نُفرَغ تمامًا. حين لا يبقى حولنا أحد. حين نفقد توازننا، فنمدّ أيدينا في الفراغ فلا نجد إلا السماء. عندها فقط نراه، نعرفه، نشعر به.
لكننا، نخاف أن نقترب. نخاف من هذا القرب لأننا ندرك أن نوره لا يترك شيئًا كما كان. نخاف أن تموت فينا "الدنيا" كما مات ذلك الطائر بجانبنا.
فنظلّ عالقين للحظة. بين الأرض التي لفظتنا، والسماء التي نهابها. بين الخوف والحنين، بين البقاء والعبور.
ثم تنظر إلى الطائر الملقى بجانبك. تفهم... تدرك أن هذا الاصطدام لم يكن سقوطاً، ولم يكن خطأً، ولم يكن مجرد عبورٍ. وأنك لم تكد تفقد الوعي، بل الوعي جاءك. تنظر إليه، فتفهم أنه جاء ليوقظك. وأن الطريق إلى الله، كثيراً، لا يبدأ إلا بالسقوط.
تغمض عينيك. تستشعر وجوده. تحس بقربه. تثق في قدرته. أحاسيس لا تأتي من عقلك، بل تحسها من أعمق نقطة فيك؛ مكان ربما لم تشعر به من قبل، يملأه الآن الشعور.
يتلاشى الخوف. تقف ببطء. لا تنظر إلى الأسفل كما تعودت. تنظر إلى الأعلى. تتنفس. تشعر. ترى. تدرك. وكأنك تعيش تجربة شعورية جديدة...
No comments:
Post a Comment