2025/10/31

طعم الوجع؟

 ما هو طعمُ الوجع؟

أهو ذاك الإحساس حين تُلقي في فمكَ حفنةً من رملٍ جاف،
 أم حين تُطبِقُ أسنانكَ على صخرةٍ صمّاء؟
ذلك الصريرُ البغيض...
احتكاكُ أسنانك وهي تحاولُ طحنَ ما لا يُطحن.

هل هو مرورُ الجفافِ المُرِّ وهو يخدشُ الحلق،
أم هو ذاك العجزُ التام عن البلع، حين يقفُ الشيءُ كالسدِّ في صدرك؟

أم أن طعمهُ يكمنُ في الإرغام؟
أن تُجبرَ على ابتلاعِ ما لا يُبتلع، وأن تواصلَ مضغَ ما لا يُمْضَغ.

أن تستصيغَ بالقوةِ ما ترفضهُ كلُّ حواسك.

أهي رائحةُ الترابِ الصاعدةُ من الجوفِ إلى الأنف؟
أم هي الخشونةُ المطلقةُ التي تكسو اللسانَ وتُدمي اللثة؟

لا... لعل الوجعَ ليس في الطعمِ ذاته.
 فهل للصخورِ والأتربةِ طعمٌ أصلاً؟

لعلَّ الوجعَ يكمنُ في "العملية".
في الإحساسِ بأن في فمكَ شيئاً يستحيلُ مضغُه، لكنكَ مرغمٌ، مرغمٌ على بلعهِ حتى النهاية.

طعمُ الوجع... هو أن يؤلمكَ مرورُهُ في حلقك،
فتظلُّ تحاولُ،
تُطيلُ عمليةَ المضغِ،
 تسحقُ المستحيلَ بين أضراسك،
 ليس حباً في الطعم،
بل كي لا تتألمَ أكثرَ... حين يأتي أوانُ البلعِ الحتمي.

نعم، لعلّ الوجعَ لا طعمَ له.
لعلّه يكمنُ في الإكراه على البلع.


2025/10/29

معزوفة الا شئ

تجلس على الكرسي الصغير،

تضع قدمها على القطعة السوداء،

وتنطلق أصابعها فوق اللونين المتناقضين، الأسود والأبيض.

تتحرك كفّاها بتلقائيةٍ مدروسة،

تنقل أصابعها بخفّةٍ احترافية،

فقد أمضت عقودًا تتدرّب، تتقن، وتُبدع حتى صارت سيدة هذا الفن.

تتابع العزف...

ثم فجأة تتوقف.

كيف تواصل دون نتيجة؟

لا صوت، لا نغمة، لا موسيقى...

حركة فقط، بلا أثر.

تحاول من جديد،

لكن الصمت يصرّ على البقاء.

البيانو لا يصدر سوى الفراغ.

تتراجع ببطء،

تفرد قدميها، وتضغط بكفها اليسرى على أصابعها اليمنى،

وعيناها ما زالتا معلّقتين بالبيانو أمامها.

ماذا حدث؟

أتراها فقدت القدرة على السمع؟

أم أن الآلة توقفت عن العمل؟

أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

متى يغيب اللحن؟

وهل من الممكن أن نبذل دون نتيجة؟

وهل حين لا يتساوى ما ندخله مع ما يخرج لنا

لابد أن نتوقف؟

لكنها لا تقبل بكل هذه الافتراضيات

البيانو يجب أن يعمل.

وصوت الموسيقى لا بد أن يولد.

تجبر يديها على المحاولة،

شيء ما بداخلها يهمس: "غيّري المعزوفة."


تبدّل النوتة،


تحرّك أصابعها،

فتخرج أولى النغمات...

فتكمل،

تتسارع،

تنتشي،

تبتسم.

لقد عادت الموسيقى.

لكنها، بشيء من التحدي، تعود إلى معزوفة البداية.

تضع أصابعها حيث كانت،

وتحاول من جديد.

الصمت ذاته.

سكون.

لماذا؟

هل يعاندها البيانو؟

أم أن الشعور يأبى الخروج؟

تنظر إلى النوتة أمامها...

فراغ.

لا شيء مكتوب.

الآن فقط تفهم.

لقد كانت تحاول أن تعزف اللاشيء،

أن تسمع ما لا صوت له،

أن تخلق من الصمت لحنًا.

وكيف يولد اللحن من عدم؟

وكيف تخرج موسيقى من نوتة مفقودة؟

تلك اذا الحقيقة:
مهما حاولت فستكون النتيجة مضمونة..

الا شئ...

تبتسم بهدوء،

ترفع يديها عن البيانو،

وتقلب الصفحة...

على نوتة جديدة،

تصدر عنها -هذه المرة- الموسيقى

2025/10/28

موت طائر

تقف على مكانٍ عالٍ. عالٍ جداً. تنظر من فوق، فلا ترى حولك إلا فراغاً وهواءً، وتتسع أمامك لوحةٌ تظنها لك: محيطٌ كبير، أزرق، بلا حدود.

تتجول فيه عيناك بذهول المالك، بينما تمرّ طيورٌ ضخمة من حولك، بعضها يهبط على سطح الماء فيستريح، والبعض يكتفي بالتحليق في الأثير، بينك وبين البحر، بين السماء والهواء. في تلك اللحظة، تعتقد أنك فهمت معنى أن تكون حيًّا، سعيدًا، متصلًا، واثقًا من ثبات كل شيء.

كل شيء تحت سيطرتك، ثابت، لا... لن يتغيّر.

لكن فجأة، ومن صميم هذا السلام الزائف، يمرّ طائرٌ. ربما لم يخطئ هو، بل أنت من كان يقف في مسار الحقيقة. يصطدم بجانب وجهك!

ومن شدّة الصدمة وقسوتها، لا تهتزّ فقط، بل تُقتلع من مكانك. تسقط. تسقط على الأرض كمن اصطدمت به قوّة هائلة لم تكن في حسابك. ترتطم بالأرض الصلبة، والطائر إلى جوارك، جثةٌ هامدة. وأنت، على وشك أن تفقد الوعي.

أو ربما تكتشفه؟

تمدّ بصرك إلى الأعلى. لا شيء سوى السماء. تقلب رأسك المثقل على الأرض، تبحث عن أي شيء، عن أي أحد... ولا شيء هناك. فتمكث ناظراً إلى السماء، وتدرك الحقيقة عارية: لم يكن حولك أو معك أحد، قط، إلا السماء ومن فيها. ولأنك سقطت، ولأنك تحطمت، ولأن كل بديل قد تلاشى، ذهبت إليه.

تحاول أن تصعد، أن تبحث، أن تجد الحقيقة. لكن عينيك تقعان على الطائر الملقى بجانبك، فتخاف. ألم يكن هو الآخر يحاول العلوّ... فمات؟ تخاف أكثر.

تحاول أن تبتعد، أن تتشبث بالأرض، تطالبها أن تعينك لتنهض، لتقف. لكن الأرض صمّاء. فتعود، بلا مفر، إلى السماء. تتأمل، تنغمس، تراقب... ترى حياتك تمر كشريطٍ أمامك. وهناك، في عمق اللحظة، تراه. ترى الله. في كل سكنةٍ، وفي كل دهشةٍ، في كل خبرٍ غير متوقع، وصَدْمةٍ، وحدَثٍ.

تفهم... أنك كنت تسير وحيدًا طوال الوقت، ولم يكن معك أحد سواه. فتجده، وتتيقن، وتعرف.

لكنّك، تكتشف الحقيقة الأقسى: أن الله لا يدخل القلوب الممتلئة بنفسها؛ لا في الفرح، ولا حين نملك، ولا حين نعلو، بل حين ننكسر. حين نُفرَغ تمامًا. حين لا يبقى حولنا أحد. حين نفقد توازننا، فنمدّ أيدينا في الفراغ فلا نجد إلا السماء. عندها فقط نراه، نعرفه، نشعر به.

لكننا، نخاف أن نقترب. نخاف من هذا القرب لأننا ندرك أن نوره لا يترك شيئًا كما كان. نخاف أن تموت فينا "الدنيا" كما مات ذلك الطائر بجانبنا.

فنظلّ عالقين للحظة. بين الأرض التي لفظتنا، والسماء التي نهابها. بين الخوف والحنين، بين البقاء والعبور.

ثم تنظر إلى الطائر الملقى بجانبك. تفهم... تدرك أن هذا الاصطدام لم يكن سقوطاً، ولم يكن خطأً، ولم يكن مجرد عبورٍ. وأنك لم تكد تفقد الوعي، بل الوعي جاءك. تنظر إليه، فتفهم أنه جاء ليوقظك. وأن الطريق إلى الله، كثيراً، لا يبدأ إلا بالسقوط.

تغمض عينيك. تستشعر وجوده. تحس بقربه. تثق في قدرته. أحاسيس لا تأتي من عقلك، بل تحسها من أعمق نقطة فيك؛ مكان ربما لم تشعر به من قبل، يملأه الآن الشعور.

يتلاشى الخوف. تقف ببطء. لا تنظر إلى الأسفل كما تعودت. تنظر إلى الأعلى. تتنفس. تشعر. ترى. تدرك. وكأنك تعيش تجربة شعورية جديدة...


2025/10/27

نواصل

 حين تشتد حلكة الحياة حولي، أو حين أعيش وطأة الفقدَ ، أو عندما لا أنال ما أريده، كان ما ينقذني دائمًا هو تلك الفكرة الواحدة، ذلك اليقين الراسخ: "الجبر".

لكنني، في خضم هذا التشبث، أجد نفسي كثيرًا ما أُقلّب هذه الفكرة، أُشرّح هذه الكلمة. أتساءل : هل هي إيمانٌ حقيقي  متجذر؟ أم مجرد آلية دفاع متقنة؟ هل هي "كلمة سر" ألقنها لعقلي وروحي ليصمدا ويقتنعا؟

وما هو "الجبر" في جوهره؟ إنه اليقين المطلق بأن العطاء سيعقب المنع، وأن اليد الممدودة من السماء ستأتي بعد الأخذ. هو الإيمان بأن الغد يجب أن يكون أفضل، كضرورة كونية توازن قسوة الأمس.
هو إيمانٌ مستقى من رحم التناقضات: فالنور لا يثبت معناه إلا بعد الظلمة، والشمس لا تشرق إلا من عمق العتمة، والبياض لا يكتمل إلا بتبديد السواد.
 إنه التسليم بأن قانون الحياة القائم على التغيير سيحول حتمًا ما نراه "سيئًا" إلى ما هو "أفضل".

عشتُ بهذه الفكرة سنوات، بهذا اليقين المُسكّن، حتى تروّض عقلي عليه وأصبح قناعة...يقين.
بات يربط تلقائيًا، كفعلٍ منعكس، بين الشر والخير؛ فطالما حلّ "الشر"، فلا بد أن "الخير" يتربص به ليعقبه ويخلفه. هكذا، وبهذه الطريقة تحديدًا، صرت أرى النور من خلال أعتى الظلام، مقتنعةً بأنه مجرد حالة عابرة لن تدوم.

ربما كانت هذه الفكرة، في عمقها، نابعة من إيماني الفطري بعدل الله... وثقتي فيه .
ولكنني اليوم، أو في الآونة الأخيرة بالتحديد، بدأت أواجه أسئلة جديدة: ماذا لو؟ ماذا لو لم يكن النور تاليًا حتميًا للظلمة؟ أليس هذا احتمالًا مطروحًا في تجارب البشر؟ ماذا لو كان المطلوب ليس انتظار النور في الغد، بل إيجاده في قسوة الحاضر؟ ماذا لو كان الدرس أن نكفّ عن تعليق أمانينا على "القادم"، وأن نكتشف مصادر السكينة والراحة في "اليوم" ذاته، بكل ما فيه؟

:نعم حقيقة
 مشاعر المنع قاسية، ألا تحصل على ما تريد، أن ترى الأبواب تُغلق في وجهك، أن تفقد وتتوه... إنها ليست مشاعر سهلة الهضم أبدًا.

لكننا،  نتعلم كيف نتعامل معها.
نعلّم قلوبنا "الاستغناء" الرضى، ونعلّم عقولنا "الصبر" أو "فكرة و الجبر" كطوق نجاة. ونستخدم أحيانًا أداة "المقارنة"... ننظر ونتأمل حال من هم في وضعٍ أسوأ،  فيتحول تقيمنا لأنفسنا "نحن اذا في حال جيد".
 كل هذا لكي "نسلّم" وندع ما نراه "صعبًا" أو "سيئًا" يمر، ونحن نحاول أن نبقى هادئين، مطمئنين، ساكنين مرتاحين قدر الإمكان.

نحاول الوصول للسلام، التسليم... حتى ولو كان هناك جزء انساني بداخلنا لا يكف عن التساؤل، أو الرفض، أو الشكوى. جزءٌ لا يزال متحيرًا، أو يطلب بإلحاح، أو يتألم بصمت. نتعلم أن نتعامل مع هذا الجزء الصاخب، أن "نسكنه" و"نروّضه"... حتى لو لم ننجح في إسكاته تمامًا.

في كل ما نمر به، تظل المعضلة الأساسية واحدة: كيف سنتعامل مع "أنفسنا"؟ خاصة حين ترفض الحياة ما نريده، أو حين نرفض نحن ما تقدمه الحياة.

وحين نتعلم "الكيفية"... حين نتقن فن ترويض النفس ونأقلمها على تقبل الألم وإدارة التوقعات... تتغير تجربتنا الحياتية تماما، ونصبح أقدر على مواصلة الطريق.

2025/10/25

ما بعد القطار الخطأ

 ركبتُ القطار الخطأ؟ أدركتُ ذلك؟
 فنزلتُ.
دعني أخبرك
هذا هو الجزء السهل .

ولكن، ماذا بعد النزول؟
ماذا عن الوقوف في محطة لا تعرف أسماء وجهاتها؟
أن تُحدّق في لوحة المغادرة، وكل الأسماء تبدو غريبة، بلا معنى.
التيه ليس في ركوب القطار الخطأ... التيه هو في إدراك أنه لا يوجد قطار "صحيح" تعرفه.

ماذا عن الفراغ الذي خلّفه النزول؟
 فراغٌ لا يشبه شيئًا، يبتلع كل محاولات الملء. أخبرني، كيف يُملأ ما لا شكل له؟

كلما ظننتُ أنني أمسكتُ بخيط المعادلة، وأنني عرفتُ وجهتي وركبتُ قطارها... يُسحب من بين يديّ ذلك اليقين الهشّ. أكتشف أن ما حسبته اكتمالًا كان مجرد وهم، وأن هذا ليس قطاري أيضًا.

والفراغ؟ لم يمتلئ. بل يزداد اتساعًا، كأن كل ما ألقيه فيه ليس سوى وقودٍ ليتضخّم، ليُحدث بداخلي فجوةً أعمق.

ربما أدركتُ اليوم أنني لم أبدأ طريقي بعد.
ما زلتُ في المحطة.
ما يتعبني ليس "الكيف"، بل "الأين". حين نعرف الغاية ، تتجلى لنا الخطوات.
ولكن كيف نرى الغاية وهي غائبة؟ كيف ندركها ؟

المشكلة ليست في اكتشاف أن الطريق خطأ، بل فيما يلي هذا الاكتشاف.
 أن تقف عاجزًا أمام الفراغ، لا تعرف ما هو "الصحيح" أصلًا.

الخوف الأكبر ليس أن نمضي العمر في البحث
 الخوف الأكبر هو ألا نعرف عما نبحث.
أو الأسوأ: أن يأخذنا قطار آخر، أي قطار، فقط لنهرب من ألم الوقوف... فنعتاده، وننسحب بداخله، ونقنع أنفسنا بالراحة دون أن نقتنع بها... وننطفئ ونحن نظن أننا نسير.

فكيف يُكشف الطريق؟ هل بالتفكير، أم بالتجربة، أم بالتسليم؟
هل هو سعيٌ نحو الامتلاك أم سعيٌ نحو الترك؟
هل هو طريق نحو الله أم طريق نحو الدنيا؟
أم هو هذا التوازن المستحيل، المشي على حبلٍ رفيع بينهما، في المنتصف، حيث لا سقوط ولا وصول؟

أتعرف...؟
كلما امتلأتُ بالدنيا وجذبني سطحها اللامع، جاءني الموج من حيث لا أحتسب.
لا يسحبني برفق، بل يخبطني، يوقظني. يجرّني إلى الأعماق ليقول لي: "الاستقرار ليس على السطح. العمق هو المستقر".

أبتعد، فيأتيني ما يقربني قسرًا.
 لا يأتي بلطف، بل يأتي في هيئة وجع، أو فقد، أو انهيار.
 كأنني أسمع صوتًا يخبرني: "أما زلتِ لا تتعلمين الدرس؟ عودي. اقتربي".
وأظنني لا أتعلم الدروس بسهولة.

 البُعد الذي أتحدث عنه ليس ماديًا، ظاهريا .
 إنه روحيّ.
حين تنشغل روحي بضجيج العالم، تبتعد قليلًا عن الله، ثم أكثر، فأكثر...
حتى أغيب -داخليا- عنه، لا أعد أشعر بقشعريرة القرب، أو راحة الدعاء، أو احساس اتصالي بالله
فأغيب -بالتبعية- عن نفسي، وعن الحياة كلها.
حين يقلّ تواجده في قلبي، أفقد طعم الأشياء في كل جوانب حياتي
 وأقف في التيه الذي بدأتُ منه وأنظر حولي
وأتأكد....

المعادلة لم تكن يومًا كما ظننت.
الامتلاء الحقيقي ليس بما نملك.
والطريق قد يكون أوضح مما يبدو.

هو طريق واحد، إليه.

ورغم أنني أكتب هذا بيقينٍ يهزّني، وأشعر بصدقه في كل خلية...
إلا أنني، في اللحظة التالية، التي سأنهي معها هذه السطور
 سأهرب.
أدير ظهري لهذا اليقين. أنغمسُ عمدًا في الحياة،
أبحثُ على سطحها عن قطارٍ آخر، عن وهمٍ جديد، عن طريق غير هذا الطريق.

لا أدري السبب وربما أعرف...
ربما لشعوري بأنه أكبر مني
أو بأنه سيتطلب مني ترك واستغناء واقتراب وجهاد
لا أريد أن أبذل جهده
ولكن... كم سأظل هكذا... ؟ أقفُ في المحطة، أنظر إلى الطريق الصحيح الوحيد... أراه أمامي
...ولكنني
أختار-عمدا، وجبنا- ألا أمضي فيه.
وأختار أن أظل في هذا التيه...

2025/10/24

شوكولاته أم ماء؟

 كثيرًا ما فكّرت... هل يشبه الحب الماء أم الشوكولاتة؟

هل هو كالماء، شفافٌ إلى حدّ أنك لا تراه إلا حين يغيب؟
ينساب بهدوءٍ بين الأصابع، يلمس الجلد،
يطهّر، ويُنعش، ويُعيدك إلى نفسك كلّما غسلت وجهك صباحًا.
مثل رشفة ماءٍ باردٍ في ظهيرةٍ عطشى 
بسيط، لكنه حين يدخل الجوف، كأنه يوقظ الحياة فيه.
وفي عمقه، ما يشبه البحر: غموضٌ لا قرار له،
وسطحٌ لامعٌ يلتقط الضوء كما تلتقط الروح الأمل
يأخذ شكل الأشياء دون أن يغير هيئته.

أم أنه يشبه الشوكولاتة؟
حين تذوب ببطءٍ على اللسان، وتخطف انتباهك من كلّ شيء.
حين تمتزج بحرارة فمك، فتترك أثرها الحلو كذكرى يصعب نسيانها.
في كعكةٍ طريّةٍ تغوص فيها الشوكة،
أو في رشفة شوكولاتة ساخنة تفوح منها رائحة الفانيليا،
تسري في جسدك دفئًا، وتهمس في صدرك بأن كلّ شيء سيكون بخير.
هل الحب مثل تلك اللحظة: لا يُشبع الجوع، لكنه يُرضي القلب.
كل شيء يصبح أكثر حلاوة، أكثر حياة، أكثر طعمًا.

هل هو ماءٌ في بساطته وضرورته،
أم شوكولاتةٌ في لذته؟
هل هو ما يُبقينا أحياء، أم ما يجعلنا نستمتع بالحياة؟

2025/10/23

هل رأيت الهواء؟

تقع عيناي على ورقة شجر
تتحرك ببطء
حركات عشوائية بسيطة
لكنها تظل في موقعها على الغصن لا تسقط

 وفجأة
 لم أعد أرى الورقة، بل أبصرتُ "الفعل" الذي يقيدها.
...الهواء.
 ذلك الخفاء الذي له حضور.
أدركتُ أن له رائحة
 رائحة كل ما مرّ به: تراب بعيد،
بقايا عطرٍ من شرفة مجهولة،
عبق زهرة،
 أو حتى رائحتنا حين يمر من فوقنا.
وأدركتُ أن له ملمسًا
 ليس ملمس الحرير،
بل ملمس "اللمس" ذاته
وهو يلامس وجوهنا، وأجسادنا، وملامحنا، وشَعرِنا، وشعورِنا.
 نحن لا نمسك به، بل هو الذي يمر "عبرنا".
وهكذا هي مشاعرنا: لا نملكها، بل نعيش في أثرها.
أرى الهواء
أراه في تمرد خصلة شعرٍ على الانصياع،
في غمضة جفن وتنفس عميق
أراه في الفراغ الدقيق بين جسدي ومسند الكرسي،
أراه في الحركة التي يتركها على كل شيء،
وفي اللمسة،
أراه
وأراه حين يبتعد... كأنه لم يكن. فأتأكد أنه "كان".

ثم أتأمل الليل.
هذا "السكون السمعي"
هذا الهدوء الكوني
هذا الاختفاء القمري
هذا الغياب البشري...

أغوص في الكرسي،
أُلقي برأسي إلى الوراء.
أسترخي، أستسلم.
أسكن
وكأنني أفتح مسامي للهواء
 أستقبله،
 وأشجعه ليمر عليّ وفوقي
وأمامي،
وحولي،
وربما "في شئ داخلي".
أرفع رأسي.
السماء...
هذا الغشاء المضيء.
 كأن ضوءًا غامضا ينبع من خلفها.
 أبحث عن القمر،
الوجه الذي أعرفه،
فلا أجد له أثرًا.
أو حضورا
أتذكر الهواء. أين هو الآن؟
هل يتوقف عند حدٍ معين؟
هل هذا الفضاء المضيء فوقي هو هواء من نوع آخر؟
هواء كوني لا يشبه "هواءنا" الأرضي الذي لمسته للتو؟
لماذا هو هادئ جدًا في الأعلى؟
النجوم ثابتة لا تتحرك.
والغيوم؟
هل الهواء شأن أرضي فقط؟
أم أن هذا السكون السماوي هو "وجهه الآخر" الذي لا يحتاج للحركة ليثبت وجوده؟
أم أنه من فرط تكرار الأثر... غاب الأثر؟
اعتاد الفعل فلم يعد يتأثر؟

أبتعد ببصري عن الأبدية،
عن السماء الغيبية
وأعود إلى اللحظة.
 أرجع إلى أرضي،
وإلى فعل الهواء... .
أركز على احساسي بالهواء

أغمض عيناي وشئ بداخلي يردد
 اليوم أبصرتُ الهواء.

2025/10/22

عشوائية...

 تتساءل الكاتبة المشهورة، وهي ترمقني بنظرةٍ لا تخلو من استغراب:
 "كيف تكتبين بهذه العشوائية؟
 لماذا لا تخططين قبل أن تكتبي؟
الكاتب المحترف لا يترك شيئًا للصدفة.
الترتيب إلزامي، والتخطيط هو شرط الكتابة".

 أصمتُ،
وأتركُ نظراتي أن تجيب بدلًا عني.
 أفكر مليًا فيما تقوله.
نعم، شيءٌ بداخلي يستوعب منطقها، يدرك أهمية ما تقوله، ويحثني على تجربة طريقتها.
 لكن شيئًا آخر، يعرف يقينًا أننا (أنا وقلمي) لن نطيع.
 ليس الأمر إصرارًا طفوليًا على الخطأ، ولا هو غرور.
 بل لأنني أرفض أن أحُدَّ هذا القلم.
أرفض أن أقيّد تدفقه الطبيعي بخططٍ مسبقة.
أنا لا أتقن التخطيط، وربما... لا أريد أن أتقنه.
 أفضّل أن أترك مشاعري تستثار وتتدفق كما هي، خامًا، صادقة... بلا تجميل 
أحب أن تتوالى الأفكار والاستنتاجات، لا من بحثٍ مُعدٍّ سلفًا،
بل من فكرة تفرض نفسها على الورق.
 في الكتابة، أنا لا أستدعي شيئًا
 لا الأفكار ولا المشاعر.
 أنا أُستَدعى... أنتظر أن يأتوا هم.
وربما، لهذا السبب، سأظل "هاوية" في نظرهم. 

 لكن أتدري؟
 أعماقي "تكتبك" أنتَ بنفس الطريقة تمامًا.
 بهذه العشوائية التي لا أفهمها.
 أنت لا تأتي بالتخطيط المسبق.
أنت تحضر.
تحتل.
تتقمص كل الأدوار في مسرح عقلي.
تظهر فجأة،
وتجلس طويلًا،
وتسيطر.
 أحاول عبثًا أن آتي بأفكارٍ أخرى لأزيحك بها،
لأضعك في "خطة" أو "جدول"...
ولكني لا أفلح.
 أنت تنتشر في مشاعري كالحبر على ورقةٍ مُبللة.
 لا أعرف متى، ولا كيف، ولماذا.
 ربما أنا أحبك بهذه الفوضى التي لا يفهمها أحدٌ سواي،
ولا تروق للكتّاب المحترفين. ولا لأي شخص
لكنها، ربما، أكثر أجزائي صدقًا

 لأنني لا أعرف مصدرها،
ولا أملك سلطة الحكم عليها. ...

لكنني أشعر بها
بدرجة تدفعني للكتابة عنها.

---------------------

نظرتُ إلى صديقتي الكاتبة،
وأجبتها أخيرًا بمنتهى البساطة،
مدركةً أنها ستفسر إجابتي كـ "غرور لا محل له" أو "إصرار على الخطأ":
 "لا أحب أن أكتب إلا هكذا... بعشوائية". 

 هزت رأسها استسلامًا، وبالكثير من الامتعاض.

أما أنا، فابتسمت.
لا عنادًا،
بل لأنني في تلك اللحظة فقط،
فهمت.

أو لعلني… وجدت تفسيرًا،
أو تبريرًا بسيطًا،
لسرّ وجودك الدائم بداخلي،
الذي لا يأتي أبدًا إلا…
بشكلٍ مفاجئ.

اكتئاب، أمل

 اسمعني

هل الاكتئاب هو الاسم الذي يُطلق على أن تحيا بلا أمل؟
أن تُحبَط، لأنك لم تعد تصدّق أن الخير قادر على أن يأتي؟
أن تنظر حولك فتشعر وكأن الله قرر هذا الصباح ألا تشرق الشمس؟
أن تراقب الساعة، وتتيقن أن القادم ليس أفضل،
أن يخبرك عقلك أن الحياة لن تُنصفك، ولن تجبر كَسرك؟

هل غياب الأمل هو غياب الحياة؟
وهل الاكتئاب يعني أن تغيب تمامًا عنها؟
وما معنى أن تغيب عن الحياة أصلًا؟
أهو ألا تستمتع بشيء؟
ألا تشعر بشيء؟
أم أن تشعر بكل شيء حتى تكاد تختنق؟

هل هو ألا تتأثر؟
أم أن تحزن لدرجة تظن أن الحزن لن يزول أبدًا؟
هل هو الغرق؟ أن تغرق دون أن تدرك أنك تغرق؟
هل هو ألا ترى؟
لا بنظرة سوداء بالضرورة، بل بنظرة معتمة لا يمرّ عبرها الضوء.

هل الغياب عن الحياة هو غياب الإحساس بالأشياء؟
أم غياب الرؤية للناس، للوجوه، للدفء؟
ما تفسير ذلك؟ ولماذا يرتبط فقدان الأمل بهذا الشعور؟

ماذا يحدث حين نفقد الأمل؟
هل نخاف أن نعيش، أم لا نريد أن نعيش،
خشية أن يتكرر الغد كاليوم، واليوم كالأمس؟
ومن شدّة خوفنا من التكرار،
يتحوّل عقلنا إلى نبوءة قاتمة: التكرار قادم لا محالة بنفس السوء.

ربما، كي نعود إلى الحياة،
لا بد أن يعود الأمل إلى عروقنا،
ولو خدعنا أنفسنا بوجوده،
حتى لو تخيلناه فقط 
فربما يكون الوهم بالأمل أول خطوة نحو صدقه.

ولكن ماذا عن الوهم بالأمل؟
عن توقع مالا قد يحدث؟
ماذا عن النقيض؟
عن رؤية اللون الوردي يحيط
وأن الخير قائم
وأن الحياة منصفة
وأننا لن نخذل؟
ماذا عن الافراط في الأمل؟
أهو غياب عن الواقع؟
اذا غياب عن الحياة؟

إن كان فقدان الأمل غيابًا،
وكان الإفراط فيه غيابًا،
فأين يكون العيش إذن؟
في المنتصف؟
وهل نعرف كيف نعيش هناك؟

ربما جربت الجهتين:
أن تنطفئ حتى يصير النور مؤلمًا،
وأن تمتلئ حتى تنخدع بضوء زائف.

وإن خُيّرت؟
سأختار الوهم.
ليس لأنه صادق،
بل لأنه أكثر رحمة
ووحده يمنحنا القدرة على الحياة

2025/10/21

فنجان قهوة

 أرفع فنجان القهوة إلى شفتيّ،

أرتشف منه ببطء.
يخبطني الطعم…
مُرّ.
أألِفُ المرارة عادةً، فلماذا اليوم اكتشفت فجأة أنني لا أحبها؟
وأنا التي كنت أحسبني مدمنة طعمها!
لستُ متأقلمة معه فحسب، بل كنت أظنني عاشقة له.
هل تتغير حاسة التذوّق فجأة؟
أم أن الإشارات التي تُرسلها إلى أدمغتنا تختلف؟
هل العيب في صانع القهوة؟
أم أنه أتقنها أكثر من المعتاد فازدادت مرارتها؟
أم لعلّه لا وجود لـ “المعتاد” أصلًا،
وأن الفم الذي يتذوق اليوم، ربما لم ينتبه إلى الطعم من قبل؟
ربما كنت أحتسيها دومًا بسرعة،
بعادةٍ… بارتباكٍ… لهدفٍ ما.
وربما هذه المرة الأولى التي سمحتُ فيها لنفسي — أنا وفمي — أن نتذوق القهوة حقًا،
وأن نكتشف معها إن كنّا نحبها أم لا.
وضعتُ الفنجان على الطاولة،
أخذتُ أحدّق فيه طويلاً.
ماءٌ بلونٍ بُنّيٍّ مائل إلى السواد، ساكن لا يتحرك.
أنظر إليه أكثر، فينعكس وجهي على سطحه… بلا معالم.
فقط وجه.
أرفع الفنجان من جديد، أقرّبه من ملامحي حتى كادت تلمس سطحه،
كأنني أحاول أن أرى نفسي فيه.
أتعامَل معه كمرآةٍ يجب أن تريني مَن أكون.
لكن… هل أعرف فعلًا من أنا؟
أُشير إلى النادل وأسأله إن كان بإمكانه أن يُحضر لي قليلًا من الحليب.
تتحول تعابير وجهه إلى دهشةٍ صامتة،
وصوته غير المسموع يكاد يقول:
“ألم تطلب قهوتها سوداء؟”
يهزّ رأسه بالإيجاب وينصرف.
وأنا أظل أفكر…
منذ متى بدأت أضيف الحليب إلى القهوة؟
وأنا التي لم أُطق طعم الحليب يومًا!
ماذا أحاول أن أفعل؟
ربما هي تجربة… لأعرف نوع القهوة التي أحبها حقًا.
عاد النادل، وضع الحليب الساخن بلطفٍ على الطاولة،
وسألني إن كنت أريد شيئًا آخر قبل أن يمضي.
أضفت قليلًا من الحليب… وتذوقت.
لم يتغير الطعم كثيرًا.
أضفت المزيد… ثم تذوقت.
أضيف… وأتذوق.
أضيف… وأتذوق.
حتى لحظةٍ أنزلتُ فيها كوب الحليب لأتفاجأ بأنه فارغ.
لقد سكبتُه كله في القهوة!
إذًا… أنا أحبها بالحليب.
كم من العمر فعلتُ ما لا أحب، جهلًا،
فقط لأنني لم ارغب في ان اخذ برهة من الزمن لأكتشف إذا كنت احب الطعم فعلا أم لا

2025/10/20

جدار المبادئ...هل نعرفنا حقًا؟

ما المبادئ؟ ومن نحن دونها؟

هل هي ثابتة كما نظن؟
 تلك التي نُشهرها قائلين إنها لا تُمسّ ولا تُهزّ، وكأنها بناءٌ راسخٌ لا تصيبه الرياح. أم أنها تتبدّل خفيةً، وتتلون بهدوء، حين تشتد مصالحنا وتتعقّد مواقعنا في الحياة؟
نرفع شعاراتها في العلن، ثم نُساوم عليها في الخفاء.

فهل نحن نعرف مبادئنا حقًا... لنحافظ عليها؟
أم أننا نعيش بلاها، وإن كنا نرددها بأفواهنا كل يوم؟

يُقال إن المبدأ هو الحقيقة التي نقيس بها ذواتنا، هو حدودنا وحريتنا في آنٍ واحد. هو بداخلنا كالرسومات التي حفرها الفراعنة فوق معابدهم؛ باقيةٌ لتشهد على هوية أصحابها. من لا يعرف مبدأه، لا يعرف نفسه.

أليس كذلك؟
لكن... كم مرة ساومتَ على مبدأ لتكسب شيئًا؟
 وهل خسرتَ شيئًا يومًا لتبقى وفيًا لمبدأك؟

هنا يبرز سؤال آخر: الضمير. يقولون إنه يسكن في داخلنا، فهل هو المبدأ ذاته؟ أم أن المبدأ فكرةٌ تُكتسب، والضمير فطرةٌ تُولد فينا؟

صديقتي تقول: "إننا نعرف الصواب والخطأ من صوتٍ داخلي لا اسم له". قلتُ لها: "هو الفطرة". لكنها صمتت... ربما لأن الفطرة وحدها لا تكفي دائمًا لتفسير كل هذا التعقيد فينا. وربما لأن ذلك الصوت هو الضمير ذاته؛ ذلك الرفيق الصامت الذي لا يتكلم إلا حين نخالفه.

ما الذي يصنع مبادئنا إذن؟
هل نحن نصنعها؟
 أم المجتمع؟
أم هو الضمير، ذلك الصوت الفطري الذي يفترض أنه يعرف الصواب من الخطأ من تلقاء نفسه؟
 وهل يوجد ذلك الصوت أصلًا؟
 أم أن ضمائرنا هي الأخرى تُصنَع وتُشكَّل بفعل التوجيهات، والمعتقدات الدينية أو الاجتماعية؟

أم أنها كل ذلك ممزوجًا بالشعور بالآخر؟

هل المبدأ وحده يكفي؟
 وهل الضمير وحده يحدّ؟
 أم أننا كي لا نؤذي أحدًا، لا بد أن نتعاطف؟ ولكي لا نؤذي أنفسنا، لا بد أن نعرفها أولًا؟

ما هو الضمير؟ ما صوته؟ ما خصاله؟ ما الذي يقبله وما يرفضه؟ كيف يتحدث إليك؟ هل هو قاضٍ قاسٍ، أم ناصحٌ هادئ؟

وماذا عن القوة؟
هل هي شيء خارجي إضافي نكتسبه؟
 أم أن القوة الحقيقية هي حجم قدرة المبدأ والضمير معًا على أن يكونا كجدارٍ صلبٍ يُشاد أمامنا، حين نوشك على الانزلاق في منطقة أخلاقية رمادية لا نرضاها لأنفسنا؟

وحتى حين نطلب النصيحة من الآخرين، هل نكون في الحقيقة نبحث عن إجابة، أم أننا نختار بذكاء أي نصيحة نحصل عليها؟ هل نشكّل نحن النصائح التي يتفوه بها الآخرون لتوافق ما قررناه سلفًا؟

في خضم هذه الفوضى الداخلية، أجد نفسي أطرح هذا التصور:
 هل يجدي أن يكون "الحب" هو المبدأ؟ و"التعاطف" هو الضمير؟ و"الله" هو الناصح؟

هل يجدي؟

2025/10/18

مجرد صورة.

 وقفت أمام الصورة طويلا

انظر اليها
أحملق فيها
لا احرك عيناي عينها
ما أرى؟
لا ارى شيئا على الاطلاق
ما جذبني فيها...ما سحبني اليها؟
ما الذي جعلني أقف أمامها هكذا؟
اتريد الاجابة الصادقة؟

لا شئ على الاطلاق...

الحقيقة أن الصور لا تعنيني...
لا تقنعني
لا تحفظ المشاعر كما يقولون
ليست اطار نضع بداخله ذكرياتنا كي لا ننساها....
أحب التصوير
ولكنني لا اؤامن بالصور
وهل قد نقوم بما لا نؤامن به؟
هل نشغف
بما لا يقنعنا؟
كيف؟
وماذا يكون منبت الشغف اذا...

أتظنني أقول الحقيقة؟
أم أنني أكذب في كل ما كتبت؟

صورة بابا...
تشبهه ولكنها ليست له
مرسومة على يد رسام قابلته في احدى الشوارع
في موسم شتوي شديد البرودة
في ليلة أتذكرها جيدا
احتفلات الكريسماس كانت تملئ المكان
ووجه ذو التفاصيل الاسوية
صمته وهو يجلس بجانب فنه على الرصيف
والجميع يمرون نحو منازلهم أو سهاراتهم...
مشيت اليه...
سألته أن يصنع لي
نعم يصنع وليس يرسم
صورة تحفظ ملامح والدي...
فتحت هاتفي بحثت عن صورة له
وجدتها...
أرسلت الصورة له -للرسام-
بضع دقائق وستكون جاهزه
اخبرني...
انتظرت
انتهى
تفاجئت...
كيف بهذه السرعة صنع لي صورة تحاكي تفاصيل والدي الغائب...
ابتستمت
دمعت
استغربت...
ناولته النقود  وناولني الصورة...
فكرت فيه
في موهبته
في مرور الناس من أمامه وعدم التفانهم اليه
في شعوره
في سكونه
في رضاه
ورضوخه
وفكرت في الصورة

كيف سأنقلها من بلد لاخرى؟
بعد 8 أعوام...
وداخل برواز
تسكن الصورة على الحائط
وبعد سنين من الغياب
أعود لأجتمع مع الصورة في نفس المنزل...
ولكن...
رغم الدقة
والتفاصيل
رغم براعة الرسم
وموهبة اليد
الا أن الصورة
لا تحفظ من والدي شئ...
مجرد صورة...
ومجرد غياب...

وربما، في مكانٍ ما، لا يزال ذلك الفنان يجلس على الرصيف البارد ذاته،
يصنع ملامح الغائبين للغرباء،
ولا يزال لا يلتفت إليه أحد.
 يأخذون الصور منه، يُدهشون من براعتها،
ثم حين يهدأ صوت الإعجاب بداخلهم
يصلون إلى ذات النتيجة:
مجرد صورة.
مجرد فنان...

2025/10/16

ماذا لو كنا نملك الحرية الكاملة؟

 أطلقت صديقتي عبارتها:

"لو كنّا نملك الحرية الكاملة، لما كنا في أماكننا اليوم."

ارتجّ بداخلي جدارٌ من اليقين. للحظة، أردت أن أحتج، أن أقول لها إنني استثناء، إنني نحتُّ مكاني هذا بإرادتي...
أنا الآن حيث أردتُ دومًا أن أكون.

أو هكذا أوهمتُ نفسي للحظة.

فما إن غابت الأصوات، حتى بدأ الصدى الحقيقي لكلماتها يعمل في روحي.
كانت عبارتها مرآة. مرآة عكست وجهًا أعرفه جيدًا: وجهي قبل سنوات.

حين كنتُ أسكن حياةً ليست لي، حياةً  كمعطف استعرته ولم يعد يناسب مقاسي، لكنني كنت أصرّ على ارتدائه.
يومها، لم أكن أعرف أنني سجينة، لأنني كنتُ أروّض نفسي على القبول،
وأقنعتُ حواسي أن رائحة السجن هي رائحة الأمان.
كنت أظن أن هذا هو النضج: أن تتصالح مع ما لا تحب.

وهنا صعقني السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه: ما الذي يضمن أنني لا أكرر الخدعة ذاتها اليوم، لكن ببراعة أكبر؟

فالخطر ليس في أن نكره مكاننا بوضوح،
بل في أن نعتاده إلى درجة أن يصبح جزءًا من هويتنا،
فلا نعود نميّز بين ما نحن عليه وما أُجبرنا على أن نكونه.

المعضلة ليست في غياب الحرية،
بل في ضمور عضلة الرغبة.
لقد أتقنّا فن التأقلم حتى نسينا كيف نتمنى.
بتنا نعيش داخل قفصٍ مفتوح، قفصٌ صُنعت قضبانه من أيامنا المتشابهة،
وبابه هو الأفق الذي نسينا كيف ننظر إليه.
نحن لا نبقى فيه لأننا عاجزون،
 بل لأننا نخشى التيارات الهوائية المجهولة خارج قضبان الألفة.

الصوت الذي بداخلنا لا يموت، لكنه يتعلم كيف يهمس بدلًا من أن يصرخ.
 ضجيج مسؤولياتنا، التزاماتنا، وصورة النجاح التي رسمها لنا الآخرون،
 كل هذا الضجيج يخفت صوته الفطري، حتى يتحول إلى مجرد حلم باهت نزوره في نومنا وننكره في صحونا.
حتى ننساه تماما

إننا لا نكذّب على أنفسنا مجانًا.
إننا نقايض حقيقتنا الكاملة، المرعبة أحيانًا، مقابل أمانٍ جزئي ومؤقت.
 هذا ليس جهلًا جميلًا، بل هو تخدير طوعي للروح.
 نختار أن نكون "بخير" بدلًا من أن نكون "أحياء".

وربما لا يكمن الخوف الأكبر في اكتشاف أننا في المكان الخطأ،
بل في إدراك أننا أصبحنا نسخة باهتة من الشخص الذي كان بمقدورنا أن نكونه...
نسخةٌ تجيد البقاء، لكنها نسيت معنى التحليق.
تتوهم أن باب القفص مغلق بينما هو مفتوح...

 

أحبك يا الله

وقلبي ممتلئٌ بحبِّك، ...
أحبّك  حقًّا  شعورًا ويقينًا،
حبًّا يصاحبه استسلامٌ لك،
ثمّ تمامُ السلام.

أحبّك...
ليست كلمةً أُردّدها،
ولا حروفًا أكتبها،
بل شعورًا أعيشه كلَّ يوم،
 طريقًا أمشيه كي أمضي،
اليك
كي أنتهي عندك.

أحبّك بكامل القلب الذي خلقته للحبّ،
بالفطرة التي أودعتَها فينا،
فطرةٍ لم أصلْ إليها إلّا مؤخرًا.

لا أحبّك، يا ربّ، كما أحببتُك بالأمس،
فالحبّ طريقٌ طويل...
لم أولد لأجد نفسي أحبّك،
لكنّني وجدتُ نفسي — آخر الأمر — إليك أنتمي،
أنا... وقلبي.

أحبّك دون انتظارٍ لنتيجة،
فما الحبُّ إن لم يكن ثقةً بك؟
وأملًا فيك؟
ورضًا بما يكون وما لا يكون؟
ويقينًا بأنّ كلّ ما تقدّره خير،
وأنّك، يا ربّ، خيرُ كلّ خير.

أحبّك بقلبِ طفلة،
ببراءةِ رضيع،
وبوعيِ عجوزٍ أدركتْ  بعد عمرٍ طويل 
أنّك وحدَك تستحقّ أن تُحَبّ.

قال لي أحدُهم يومًا:
«لا ينبغي أن نحبَّ الله هكذا...
فالآية تقول: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ
ولم يدرِ أنّني ما أحببتُكَ هوى،
بل وجدتُ في حبّك نجاةَ الهوى،
وطهارةَ القلبِ من كلِّ سواه.

فحبُّك، يا الله، لا يُقاس،
ولا يُحدّ،
هو أسمى من تفسيرٍ،
وأعمق من أن يُحصر في كلمة.

أحبّك يا الله...
واللغةُ تضيقُ عن وصفي،
والقلبُ بأكمله
 يتّسعُ لك وحدَك.

فهل تحبّني، يا ربّ؟

2025/10/15

أنا والكتابة

 

الكتابة…

تجيء إليّ كضوءٍ يتلعثم،
نلتقي، ثم نبتعد،
نفترق، ثم نعود،
كأن بيننا وعدًا لا ينتهي.

أهي أنا؟
أم مرآتي؟
أم ظلّي حين يضيع عني الضوء؟

تعرّفتُ إليها طفلةً،
حين عبرتُ أول نصٍّ يشبه القصيدة،
لا أذكر من كتبه،
لكنني أذكر القشعريرة…
كيف للكلمات أن تُصيب القلب هكذا؟
كيف يمكن لحرفٍ أن يتحوّل إلى إحساس؟

منذ تلك اللحظة،
أعلنتُ سرّي الصغير:
سأكتب.

وفي درس العربي كتبتُ نصًّا،
فقال المعلّم أمام الجميع:
"كذب، لم تكتبي هذا، أحد والديك كتبه عنك!"
أقسمتُ،
ولم يُصدّق.
لكنني لم أكره الكتابة،
بل أحببتها أكثر…

قرأت، كثيرًا… جدًا.
أحببت ملمس الورق، شعورالحروف،
أحببت الرحلات التي تبدأ بين السطور
ولا تنتهي إلا حين أعود منهكةً إلى العالم.

ثم كبرت،
وتوقفت عن الإبحار في الكتب،
ظننتُ أن النضج يعني الرحيل عن عالمي،
أن أتعلم الحياة خارج اللغة،
فأبحرتُ في الحب… حتى غرقت.

غبتُ عن شاطئي،
ضاع قلمي،
وأسكتني الحزن.
أظلمتُ.

وحين عدتُ،
إلى الورق، إلى البحر الأول،
إلى نفسي،
عاد إليّ قلمي.

قال لي:
"لن أكتب معكِ ما لم تصدقي."
فصدقت.
ومنذها لم نفترق.

نتشاحن أحيانًا،
نختلف كثيرًا،
لكنه، مثلي، يكره الكذب.

هو أنا،
وأنا حين أكتب…
 أعود إليّ.

علكة

علكة
تضعها في فمك،
تتحرك بين أسنانك بلا نهاية.
لا تُبتلع، ولا تُشبع،
لا تضيف شيئًا إلى جسدك،
ولا تغيّر شيئًا فيك.
ليست طعامًا،
ولا تُغني من جوع.
مجرد مضغٍ لا يقود إلى شيء.
فما الطائل منها؟

وحين يضجّ فمك بها،
وتسأم من تحريك أسنانك،
وتدرك أن لا جدوى من بقائها أكثر،
تعرف أن النهاية ليست في العلكة،
بل في قرارك أنت.
قرارك بالتخلّي،
حين تلقيها وتنتهي الحكاية.

تشبه العلكةالحيرةَ؛
كلاهما لا ينتهي إلا حين تختار أنت أن تُنهيه.
كلاهما يدور حول نفسه،
دون أن يقود إلى شيء،
أو يغيّر شيئًا،
أو يُحدث فرقًا.

كلاهما
لا يورث إلا تعبًا،
ولا يُثمر إلا فراغًا.

لا نتيجة... لا طائل.

2025/10/14

الفانيليا

هل تحبّ الفانيليا؟
ذلك العطر الذي يملأ المكان، والإحساس الذي يتركه في النفس... ما شعورك تجاهه؟
هل تضيفه إلى مشروباتك الصباحية، أم تكتفي بلمسته الخفية في قطعة حلوى صغيرة؟

كيف تصف مذاقه؟
هل هو نكهة باهتة تذوب بين المكونات،
أم حضور قوي قد يطغى على ما سواه فيصبح مُرًّا؟

يقولون إن إضافة الفانيليا فنّ؛ فشعرةٌ منها تُنعش الطبق وتمنحه الحياة،
 لكن كثرتها قد تفسده تمامًا.
هل تراها نكهةً للحلويات وحدها،
 أم تؤمن بقدرتها على مداعبة الأطباق المالحة أيضًا؟

أما أنا، فأحبّ الفانيليا... ولكن بحذر.
أحبّ رائحتها أكثر من مذاقها، وأستمتع بالقليل منها أكثر من حضورها الكامل.

ما زلت أذكر نصيحة أمي::
"الكثير منها مُرّ، لا يمرّ في الطعام. شعرة تكفي... لا تُسرفي."

كانت تقول أيضًا:
"أضيفيها إلى البيض لتُزيل رائحته غير المحببة."
ومنذ ذلك الحين، صرت أستخدمها لأُخفي ما لا أريد ظهوره، لا لأُبرزه.

يقولون اليوم إنني أشبه الفانيليا
في رائحتها، في طعمها، في رقتها وحتى هشاشتها.
رأوا فيّ طعمها الذي يُميّز كعكةً طرية خرجت لتوّها من الفرن، ونعومتها التي تذوب في الآيس كريم، وحلاوتها التي توازن مرارة القهوة.

لقد كانوا يحاولون مدحي من خلالها، لكنهم لا يعلمون سرّها الخفيّ...

لا يعلمون أننا نستخدمها أحيانًا لنُخفي بها ما لا نحب، فتضيع نكهتها الأصلية في سبيل ذلك.
ولا يدركون أننا نخشى حضورها الطاغي، فنضع منها القليل خوفًا من أن تغطي على الطبق بأكمله.
يمدحونني عبر الفانيليا، لكنهم يجهلون أنني مثلها تمامًا 
أتجنب الظهور بكثرة، وأُخفي الجزء الأكبر من نفسي داخل البرطمان المغلق.

شعرةٌ واحدة تكفي...

وهكذا أتعامل مع مشاعري.
أخاف انسكابها،
أخشى أن تسقط فتغطي كل شيء،
أن يطغى طعمها ورائحتها على ما حولها،
فأكتفي بلمسةٍ صغيرة منها، لا أكثر...

تمامًا كما قالت أمي:
"شعرة تكفي."

أخبرني
هل أشبه الفانيليا فعلا؟

2025/10/12

هل اعتدنا الموت؟

صرنا نعدّ القتلى أرقامًا في نشرةٍ عابرة، بلا ملامح أو حكايات.
اعتدنا الفواجع، وتكرار الوجع، وتناوب الغياب.

أليس كذلك؟

هل تبلّدنا؟
 سئمنا؟
أم أن الخوف تجمّد فينا حتى صار جزءًا من الصقيع؟
هل فقدنا شيئًا من فطرتنا، من إنسانيتنا ؟

لم نعد نخشاه كما كنّا. صار الموت زائرًا عابرًا لا يثير فينا سوى لحظة صمتٍ قصيرة.
 أَتُراه فقد هيبته، أم أن رهبته تعاظمت في القلوب حتى كتمناها خشية الانكسار؟

كثرة الموت أرهقت الذاكرة.
لكن موتًا واحدًا اليوم، أوجعني.

استشهاد صالح— الصحفي الذي لم أعرفه إلا وجها في صورة — أيقظ فيّ شيئًا كنت أحسبه قد مات.
وخطر ببالي سؤالٌ طفولي، بسيطٌ حتى السذاجة:
هل ينتقي الله أحبابه ليسكنوا جواره؟
وإن كان كذلك، فلماذا اختارهم... ولم يخترنا؟

أَلِنقصٍ فينا، أم لكمالٍ فيهم؟
أغبطهم، وربما أحسدهم.
لكن، هل أجرؤ حقًا أن أتمنى مكاني بينهم؟
لا أظن.

هم صدَقوا. فاقتربوا.

أما نحن، فلا نعرف من نكون،
ولا على أي أرضٍ نقف.
 نحن في عالمٍ موازٍ؛
هم في العمق، ونحن نطفو على السطح.

أنحن أحياءٌ حقًا، أم مجرد ظلالٍ في نصف حياة؟
هل كانوا أكثر شجاعة، أم أن الشجاعة كانت خيارهم الوحيد؟
 ربما كنا جبناء لأن الأمان أتاح لنا ترف الجبن،
وكانوا أبطالًا لأن الموت لم يمنحهم خيارًا آخر.

أنا أمقت السياسة. أتجنبها كأنها وباء.
كتب أبي التي تملأ الرفوف تتحدث عن الأوطان؛ لم ألمسها قط، لأن أحدًا فيها لا يتحدث عن الإنسان.

واليوم، أنا لا أكتب عن الحرب، بل عن الإنسان.
عن تلك الشرارة التي تقاوم الانطفاء في العتمة.
عنّا، حين يهزنا موتٌ واحدٌ بعد ألف.
وعنّا، حين نكتشف أننا نتحدث عن الإنسانية، لكننا لا نمارسها.

لقد انشطر العالم نصفين: أمواتٌ نالوا الحياة، وأحياءٌ يحملون موتهم في دواخلهم.
نحن، الذين نمشي على الأرض بأرواحٍ مثقلة بالفراغ، نشفق عليهم.
وربما كان الأجدر بنا أن نشفق على أنفسنا.

...لم نعتد الموت... بل اعتدنا هذه النجاة الزائفة.

حين يرحل القطار

صورة: مشهد شخصين يحتضان عند محطة القطار،
---------------------------------------------------------

هل تهرب من الوداع مثلي؟
هل تستثقل
اللحظة الحاسمة؟

الإغلاق الأخير للباب،
آخر كلمة تُكتب في السطر،
تلك اللحظة التي ترتفع فيها الطائرة عن الأرض،
ينطلق فيها القطار مُدبِرًا،

وأنت تراقبهم يضمحلون،
السيارة تمضي، وهم ثابتون؟

هل تمقت مثلي العناق الأخير؟

السلام الأخير؟

كلمة "مع السلامة" التي يُفصل بعدها الخط
ولا تدري متى سيعاود الرنين،
أو إن كان الرنين سيعود أصلًا؟

هل تحذف مثلي الخاتمة من النص،
حتى بعد أن تنقضي القصة؟

لأن شيئًا ما في أعماقك
لا يكره النهايات... بل يناهضها،

يقاومها بشدة،

يتظاهر بأنها لم تحدث قط.

فلماذا إذًا تلاحقني النهايات؟

لماذا تمسك بي؟

تنظر في عمق عيني؟
وكلما أدرت لها ظهري نادتني فالتفت

هل هي سُنَّة الحياة،
أن نُجابه دائمًا بما نأباه؟

هم أكثر شجاعة مني،
أولئك الذين يستقبلون النهاية
بكلمات وادعة،
بأحضان دافئة،
بوعود ثابتة،
بجُمل مُكتملة.
بقلوب صامدة
أما أنا فألوذ بالفرار،

أُدير ظهري وأمضي مسرعة،
كأن المشهد برمته لا يعنيني،

لكن الحقيقة هي...

أن هذا المشهد بالذات
يحاكي سريرتي
تلك الطاقة الهائلة التي يستمدها القطار
ليندفع بهذه السرعة الجنونية...

لهذا السبب أسرتني الصورة،
استهوتني بعمق،
ليس لأنها تُحاكي روحي،
بل لأنها...

تناقضني تمامًا...