2025/08/31

لماذا أصبحنا نُسيء الظن بالناس؟

 لماذا أصبحنا نُسيء الظن بالناس؟

لماذا صار أول ما يخطر في أذهاننا حين نُقابل أحدًا هو أن نواياه خبيثة، وقصده سيئ؟
لماذا صرنا نرى الطيبين سُذّجًا، والمبادرات النقية مصيدة، وكل يد ممدودة تُخفي خلفها خنجرًا؟
لماذا نحذر من بعضنا، ونخاف من الاقتراب، ونختبئ خلف حواجز من الشك والخذلان؟

هل لأننا فقدنا الثقة؟
أم أن دروس الحياة، بكل قسوتها، لم تُعلّمنا إلا الحذر؟
هل التجارب التي مررنا بها زرعت فينا جُرحًا ما زلنا نتحسسه كلما اقترب منا أحد؟
هل المشكلة في الناس؟ أم أنها، في الحقيقة، فينا نحن؟

كيف نرى العالم اليوم؟
...هل نراه كما هو؟ بتناقضاته
أم نرى فقط فيه مخاوفنا؟
هل نظرتنا ملوّنة بتجاربنا، فنظن أننا نُحلّل ونفهم، بينما نحن في الحقيقة نظلم ونشتط ونُعقّد؟
هل صرنا نُفسّر كل تصرف على أنه مُخطط؟
كل كلمة على أنها تلميح سيئ؟
 كل قربٍ على أنه تمهيد لطعنة؟

لماذا نُقنع أنفسنا أننا نقرأ القلوب كما لو كانت كتابًا مفتوحًا؟
نبصر النوايا...نطلع على دواخل الصدور
نمرر الأفعال على قواميسنا الخاصة،
ونستخرج المعاني من سياقات لم تُقال فيها أصلًا.
ونظن أننا الأذكى، الأوعى، الأعمق فهمًا…
فنُسيء لمن أمامنا، دون أن نقصد، فقط لأننا لا نريد أن نُخدع مرة أخرى.

وربما، في كل هذا،
نكون نحاول حماية ذلك "الجزء" فينا الذي لا يحتمل الانكسار من جديد،
ذلك الطفل الذي خُذل مرة، ولم يُشفَ.

لكننا في محاولتنا للحماية، نرتكب ظلمًا من نوع آخر.
نُغلق الباب على كل فرصة .
نُطفئ النور في قلوبنا بأنفسنا.
وننسى أن سوء الظن لا يحمي… بل يُفسد.

هو لا يقي من الأذى، بل يجعلنا نعيش في ظله، حتى من دون أن يقع.
يضع على أعيننا نظارات قاتمة، تجعلنا نشك في كل ابتسامة، ونخاف من كل تقارب، ونُكذّب كل وفاء.

ومع الوقت، يتحوّل هذا الحذر إلى أسلوب حياة…
نظن أننا نرى العالم بوضوح، بينما الحقيقة أننا نراه من وراء عدسة مشوّهة.
فنعتقد أن النقاء ضعف، وأن الطيبة سذاجة، وأن النوايا الحسنة مجرد واجهة.

وبينما نحاول النجاة من أن يُؤذينا الآخرون…
نُصبح نحن أيضًا – دون وعي – ممن يؤذون.
نُظلم، ولا نفي.
نبتعد عن الطيبين، لأننا لم نعد نراهم أصلًا.
وربما… لأننا فقدنا الإيمان بوجودهم.

لكنّ السؤال هنا: كيف ننتظر أن نرى الطيبة في العالم، ونحن لم نعد نُصدّق بوجودها من الأساس؟
كيف يعيش فينا نورٌ نحن أنفسنا أنكرنا وجوده؟

 نتعامل مع الناس وكأنهم نسخة مكررة ممن خذلونا.
ننسى أن البشر أطياف، لا لون واحد.
وأن الخير، حتى حين يغيب، لا يختفي.
وأن الوفاء موجود، حتى لو غطّى صوته ضجيج الخيانة.

ربما نحن لم نفقد الإيمان بالناس…
بل بالغنا في الخوف على أنفسنا...

على مقعد في طائرة

 كتبت أحلام مستغانمي: "على مقعدٍ في طائرة، لا أذكر وجه من كان بجانبي، لكنّي أذكر ذلك الشعور...
 أن ربما هناك امرأة، في مكان ما، كانت تتمنى لو أنها في مكاني تمامًا؛ فقط لأنها أرادت أن تكون قربه، أن تُمنح تلك الصدفة البسيطة التي جمعتني به، بينما لم تعنِ لي شيئًا."

-------------------------

ما أغرب الحياة...
تجمع بين من لا يعنيهم اللقاء،
وتُفرّق بين من تاقت قلوبهم إليه.
 كم من الصدف الثمينة تُهدر على من لا يدركون قيمتها.
كم من الكلمات تبقى حبيسة الصدور في لقاءات عابرة،
بينما كانت لتمثل عالماً كاملاً لو قِيلت للشخص الصحيح.
تمنحنا الحياة مقاعد بجوار غرباء، بينما من نحبّ، يجلسون بجوار غرباء آخرين، يتمنون مثلنا تمامًا لو كان المكان مختلفًا.

كأن الحياة نفسها تستمتع بهذه المفارقة،
فهل هذا هو قانونها؟
 أن كل ما تعلقنا به أفلت من بين أيدينا، وكل ما زهدنا فيه لحق بنا ؟
 يُلحق بنا من لا نرغب فيهم،
بينما يباغتنا فراق من نرغب فيه، تاركًا خلفه فراغًا لا تملؤه كل صدف العالم الأخرى.

أهي حكمة مستترة في المنع؟
أم درس قاسٍ لقلوبنا كي لا تتعلق؟
كم مرة صدمتنا الدنيا بغرابتها، فقلّبت القلوب، وغيّرت الأماكن، وعلّمتنا معنى الاشتياق، والاحتياج، والبحث.
علّمتنا كيف يصبح الغياب حضوراً أثقل من الحضور نفسه.
كيف نحاور أطيافاً في رؤوسنا،
ونبحث عن إشارات في الفراغ.
هل تختبرنا الحياة لترى: هل سنرضى؟ هل سنتعلم؟

فنعيش في حالة ترقب دائمة،
ننتظر من الصدفة أن تخطئ حساباتها مرة واحدة لصالحنا.
نمني النفس بأن القصة لم تنتهِ بعد،
وأن فصلاً ما زال ينتظرنا خلف منعطف الطريق.
وهكذا يظل قلب الإنسان في نزاع دائم بين التمني والواقع.

هل الوقت هو ما يكشف حقيقة ما نريد؟
وهل الصبر يُكافأ حقًا
أم أننا نتعلم فقط ألا نتمسك بشئ...وأن نمضي ونكمل المسير؟

وهكذا تمضي الحياة...
تجمع بين من لا يهمهم اللقاء،
وتُفرّق بين من يذوبون شوقًا لبعضهم البعض،
تاركةً إيانا عالقين بين مرارة الواقع وجمال الأمنيات.
ونظل نحن... في وسط كل ذلك...
 نبحث عن الحكمة وراء الصدف التي لا تصدف....

ما الذي يَصنعُنا؟

 ما الذي يَصنعُنا؟

في أعماقنا، نحن من ينسج خيوط مشاعرنا، ويُشكل أفكارنا، ويبني صروح أوهامنا. كل ما يسكننا هو صنيعة أيدينا
نغذيه بإرادتنا ونمنحه حق البقاء.
تمرُّ بنا الأفكار والمشاعر كالسحاب العابر، لكننا نحن من يختار أن يقتنص غيمة منها، ويدعوها لتهطل في وديان أرواحنا.
الفكرة التي نحتضنها، والشعور الذي نتوقف عنده بكامل حواسنا، والخيال الذي نغوص فيه...
كلها تصبح جزءًا منا لأننا أردنا لها ذلك.
...العالم الخارجي لا يشكلنا،
بل يمرر لنا محفزات،
ونحن من يقرر الصدى الذي يتركه كل محفز في دواخلنا.

ولكن، هل نحن وحدنا أم أن للآخرين يدًا في تشكيلنا؟
إن الصور التي نبنيها عن الناس، والمشاعر التي نكنّها لهم، هي انعكاس لهذه العملية المعقدة.
قد نظن أنها تُبنى على مواقفهم وردود أفعالهم، لكنها في الحقيقة، تُصنع من خلالنا نحن
 من كيفية تفسيرنا لكل فعل، ومن الطريقة التي تترجم بها عقولنا ما تراه منهم.
فالناس،
 تمامًا كالأفكار،
 منهم من يمر بحياتنا دون أن نلتفت لمروره،
ومنهم من يمر فلا يمرّ أبدًا، تاركًا أثرًا يبقى. 
نحن من نصنع منهم حكاية، ونحفظها في أذهاننا حتى تصير حقيقة مطلقة،
ودمغة في أرواحنا.
فنصبح أسرى لصورة صنعناها بأيدينا، صورةٌ عنهم هي صنيعتنا نحن،
ولكنها أصبحت -فيما بعد- صانعتنا.

وإن كنا نحن نَصنع وتصنعنا أيضا صور الاخرين
 فماذا عن الفراغ؟
ماذا عن الغياب؟
ماذا عما نملك؟
عما نفقد؟
عن فاقد الشئ الذي يصبح هو من يعطيه..
أيصبح ما نفقد صانعننا أيضا؟
ربما القوة الأعظم التي تصنعنا لا تكمن فيما نملكه،
بل فيما نفقده. ..
الذي نرى من خلاله كل ما كان غائبًا عن أعيننا.
ما نشعر بنقصه في حياتنا
الذي يبرزلنا قيمة الأشياء التي نستشعر أهميتها من غيابها، لا بحضورها
 فهل يمكن أن يكون ما يصنعنا حقًا هو ذلك الجزء الناقص منا، ذلك الفراغ الذي نحاول أن نملأه طوال حياتنا؟

إذًا... ما الذي يصنعنا في النهاية؟
نحن الخالقون الذين يتشكلون بما خلقوا.
نحن الصورة التي رسمناها عن الآخرين.
ونحن الأثر الذي تركه الغياب فينا.
نحن كل هذا مجتمعًا...
نحن صنيعة الحياة بكل تجلياتها: حضورها، وغيابها، وانعكاسها في عيوننا.

2025/08/30

لنا في الخيال حياة؟



أتُريدني أن أتخلّى عن خيالي، وأن أهبط إليك من غيمتي؟
أن أكلّمك بلغة الأرض،
لا بلغة الحلم...
أن أروي لك ما جرى، كلّ ما جرى،
 دون تزييف أو زخرفة؟
أن أقول لك، مثلاً، إنّ شعوري بلقائي بك لم يكن "أول لقاء"...
بل كان شيئًا يشبه العودة 
كأنّني أعرفك منذ زمن لا يُعد،

أتُريدني أن أُفصِّل أكثر؟
أن أسرد
أن أكمل
أن أحكي
أن أُخبرك كيف استيقظ قلبي حين رأيتك؟
وكيف شعرتُ بأنّ شيئًا بداخلي يقول: لقيتك...

هل تُريدني أن أتجرّأ، وأكفّ عن الاختباء؟
أن أُحدّق في عينيك طويلاً...
بلا خجل، بلا حياء، بلا ارتباك؟
أن أقول ما في قلبي كما هو، دون مواربة، دون ادعاء؟
أن أعترف أنّني نافقت في حبك 
لأنّني خبّأت مشاعري، أظهرت عكس ما أُبطن،
وهذا، إن لم يكن نفاقًا، فماذا يكون؟

 أتُريدني أن أنزل عن سحابتي البعيدة،
وأن أحبك كما يفعل الناس، على الأرض؟
أن أضع قلبي في يدك، لا في خيالي؟
أن يتحوّل حبك من فكرة، إلى فعل...
من خفقة داخلية لا تسمع أو ترى، إلى حضور علني؟

----------------------------------------------------------------------

ماذا يبقى من الحب حين يُنتزع من الخيال ويُلقى على أرض الواقع؟
وهل الخيال مجرّد غيمة نحتمي بها، أم هو مرآة لما نريد؟

"لنا في الخيال حياة"، كما قال محمود درويش.
لكن... إذا كان لنا في الخيال حياة، فماذا يتبقى للواقع؟
هل الخيال ملاذ مؤقت؟ أم كذبة جميلة؟ أم طوق نجاة من حياة لا تُطاق؟
وهل حين نغوص فيه، نفقد جاذبية الأرض؟
هل هو هروب؟ أم إعادة اختراع للواقع كما نحبّه لا كما هو؟

ربّما الخيال ليس رفضًا للواقع، بل هو علاقتنا الأكثر صدقًا معه.
هو الطريق الذي نُعبّر به عن احتياجنا، عن هشاشتنا، عن قدرتنا على أن نحلم بما لم يحدث بعد.
نحن لا نهرب منه لأنه زيف، بل نلجأ إليه لأنه الأجمل، لأنه يعطينا صورةً لما يمكن أن يكون عليه العالم لو كنّا أكثر شجاعة.

ربّما تعرفنا على الخيال منذ الطفولة، أو ربما، التقينا به في لحظة غرق، فتمسّكنا به كأنّه طوق نجاة.
وجدنا فيه الأمان، والدفء، والمكان الذي نكون فيه أنفسنا بلا خوف.

لكن، حتى هذا الطوق... لا يمكننا أن نعيش عليه إلى الأبد.
فالخيال، مهما بلغ من الجمال، لا يصنع حياة كاملة.
إنه يُريحنا... نعم. يُنقذنا أحيانًا... .
لكنه لا يكتفي بأن يكون بيتًا دائمًا.
الجزيرة التي نلجأ إليها حين تعصف بنا أمواج الحياة، لا يمكنها أن تصبح وطنًا.

وقد تكون هذه هي المفارقة:
الخيال لا يشوّه الحقيقة، بل يُجمّلها إلى الحدّ الذي يُخبّئها.
فنعلّق قلوبنا بصور مثالية لا نجدها على الأرض، فنُصاب بالخذلان.
وحين نُطيل البقاء هناك، نصبح غير قادرين على العيش في الواقع كما هو.

لكن لِمَ خلقنا الله بهذه القدرة على التخيّل، إن لم تكن مقصودة؟
لِمَ نُحسن الحلم، إن لم يكن وسيلتنا لنُحسّن الواقع؟
الخيال ليس سذاجة، بل بوصلة. هو الصورة الأولية لما يمكن أن نكون عليه.
الله لم يخلقنا لنعيش الواقع بحذافيره، بل لنصنع واقعًا أجمل من خلال ما نتخيله.

الخياليّون ليسوا غائبين عن الحياة...
هم الذين طوّروا مساحة للبقاء فيها حين ضاقت بهم الأرض.
اخترعوا طريقًا ثالثًا: لا إنكار للواقع، ولا استسلام له... بل تكيّف معه.

ولذلك، مهما كانت لنا في الخيال حياة وملجأ ودفء،
فلن تكون لنا فيه حياة دائمة.
الخيال بلا واقع لا يقع. لا يُعاش. لا يُكتب. لا يُروى.

نعم، لنا في الخيال حياة،
لكنها حياة مؤقتة تمنحنا القدرة على الاستمرار في الحياة الحقيقية.
ولذلك...

قد يكون لنا في الخيال نجاة،
لكن...
ليس لنا فيه حياة.

2025/08/27

التعاطف...

هل هناك ارتباط بين شعور التعاطف، وبين تقبّلنا أو موافقتنا على أفكار الشخص وتصرفاته؟
فعلى سبيل المثال: إذا وقع ظلم على شخصٍ قد أساء التصرف أو ظلم غيره يومًا ما، فهل سنتعاطف معه في لحظة ضعفه؟
أم أن شيئًا من البرودة سيتسلّل إلى مشاعرنا؟
بل قد يتردّد صوتٌ في داخلنا يقول: "إنه يستحق ما حدث له."
في تلك اللحظة، نحن لا نكفّ عن التعاطف فقط، بل نمنع أنفسنا عنه، لأننا نعتبر أن الألم الذي يمرّ به ليس ظلمًا، بل نتيجة عادلة.
وكأننا نمارس عدالة عقابية خاصة بنا، ونصدر حكمًا داخليًا على الشخص بناءً على ماضيه. فما هو التعاطف إذن؟
أعتقد أنه عندما تخرج من نفسك... من شخصيتك، من أفكارك، من قناعاتك...وتذهب لتسكن داخل شخصٍ آخر. تتلبّسه بالكامل، وتشعر كما يشعر، وتفكّر ليس بعقله، بل بمشاعره... لتخرج منك مشاعر تجاهه تُشبه ما يشعر به هو، أو ما يحتاج أن يشعر به. نحن نتعاطف بسهولة مع من نحب، حتى إن أخطأ. ونتردّد في التعاطف مع من نكره، حتى لو كان الموقف ذاته، بتفاصيله.

إذًا،
هل التعاطف مشروط؟ انتقائي؟
هل يتبع أهواءنا وعلاقاتنا؟
هل نحن نتعاطف بناءً على شعورنا تجاه الشخص، لا الموقف في حد ذاته؟
والسؤال الأهم:
هل من المفترض أن يكون التعاطف فعلًا إنسانيًّا خالصًا؟
فطريًّا، تلقائيًّا، لا انتقائيًّا؟
لا تتدخل فيه أحكامنا، ولا أهواؤنا، ولا حتى ضمائرنا؟
فكيف لضميرٍ يرفض الفعل، أن يتعاطف مع شخص قام به مسبقًا؟
وهل يمكن أن ننزع عن الإنسان ماضيه، وننظر فقط إلى لحظته الحاضرة؟
هل في ذلك عدالة؟ أم حياد مفرط؟
وهل يمكن للتعاطف أن يتناقض مع العدل؟
هل يمكن أن نتعاطف مع شخص نرفضه؟
أم أن التعاطف يتطلب شيئًا من القبول؟
فهل نتقبّل، ثم نتعاطف؟
أم يمكننا أن نتعاطف حتى دون أن نتقبّل؟
ربما لا نوافق على الفعل السابق، لكننا نتعاطف مع الظرف الحالي. هل هذا طبيعي؟ أم ضد طبيعتنا؟
بل، هل نتائجه قد تضرّ بالأخلاق، بالعدالة، بالوضوح الأخلاقي؟
أعتقد
أن التعاطف فعل إنساني بحت. فطري، تلقائي، غير خاضع دائمًا للحسابات. لأنه لا ينبع من التفكير في "هل يستحق؟" بل من رفض داخلي لـ"الشر"، أيا كان من يتعرّض له. نحن لا نتعاطف فقط لأن شخصًا ما يتألّم، بل لأننا نرفض الألم نفسه، ونرفض أن يُمارَس على أحد. حتى لو كانت في داخلنا عدالة تُرجّح أنه استحق ما حدث له، يبقى هناك جزء فطري، شعوري، إنساني، يشعر بالألم لأجل ألم الآخر. ولا أعتقد أن في هذا شيئًا ضد الضمير أو ضد الصواب. بل بالعكس.

نحن لا نُقر بخطأه أو نُبرّئه مما فعل، نحن فقط نتعاطف مع "الإنسان" الحاضر، لا "المذنب" في الماضي. نتعاطف مع ظرفه الآن، مع وجعه الآن، مع لحظته الآن.

وسأسأل سؤالًا شخصيًّا، ربّما يعكس شيئًا في داخلي: هل نحب أن يتعاطف معنا الآخرون؟
أم أن التعاطف يربك "الأنا"؟
هل نراه شفقة؟ ضعفًا؟ اعترافًا بأننا جُرحنا، ونحن نحاول جاهدين إقناع أنفسنا بالعكس كي تبقى "الأنا" حيّة؟

ربما لن أجد إجابات تُشبع العقل.
لكن ما أؤمن به،
 حتى وإن بدا غير واقعي،
أن التعاطف يجعل الحياة أفضل. لأننا عندما نتعاطف، لا نضع أنفسنا فقط مكان الآخر حين يتأذّى، بل نعيش معه مشهده، كما لو كنّا هناك. فنتردّد ألف مرة قبل أن نكون نحن سببًا في وجع قد يعود إلينا لاحقًا، إن شعر به هو الآن.

هذا هو التعاطف الذي أفهمه... وأرجو أن أطبقه .

ولعله، وإن لم يكن دائمًا عادلًا...إلا أنه دائمًا إنساني..

2025/08/25

 

كتبتُ إلى أطفال المستقبل،
ورغم أنني لا أعود إلى ما أكتب 
لأن ذلك يورثني، لسببٍ أجهله، حرجًا وخجلًا...
فلن أقرأ النص السابق.
لكنني سأعيد كتابته الآن، برؤية أخرى... بعد مرور السنين.

-----------------------------------------------------------------------------

لا أعلم إن كان سيأتي اليوم الذي تقرأ فيه هذه الكلمات...
وأين سأكون...وأين ستكون...

وحينها، لا أعرف ما سيجول في خاطرك، أو كيف ستبدو صورتي في عينيك.
ولكن...
كل ما أرجوه منك — بصدقٍ تام — هو أن تحيا بقلبٍ سليم.

لأنني أؤمن أن القلب هو منبع كل شيء ومصبّه،
منه يبدأ الداء، وفيه يكمن الدواء.
إنه المقياس الحق...
مقياس الخير فينا، وإنسانيتنا، ونوايانا، وفطرتنا السليمة.

ألا تكره.
وأن تحب...
أن يظل قلبك رقيقًا... عصيًا على القسوة، مهما أحرقه الأذى.

أن ترى الخير في الجميع كأصلٍ ثابت،
وإن أساؤوا، أن تبحث لهم عن ألف عذر حتى وإن غابت الأسباب.
أن تمشي في الدنيا حاملًا للخير، ناشرًا للسلام، قريبًا من الصفح...
فلا ترتبط ذكراك في صدر أحد بغصّة،
ولا تترك خلفك أثرًا من خيبة أو ندامة.

فالقلب السليم يأبى أن يظلم، أو يسيء، أو يعيب.
لا يستطيع إلا أن يضع الآخرين في مكانه.
وفكرة أن يتسبب بأي أذى لكائنٍ آخر... هي فكرة لا يطيقها.

نحن نحيا ونتنفس من قلوبنا. أو هكذا أحب أن أرى الأمر.
فحين تُظلم القلوب، يظلم كل ما فينا، وتُظلم الحياة من حولنا.
وحين يستنير القلب، ويرقّ، ويصلح... نَصِحُّ نحن.

الحياةُ ستعلمك القسوة، لا محالة.
والناس سينصحونك أن تتجنب الطيبة، والإحسان الذي لا ربح من ورائه.
في عالمٍ قد يدوس أصحاب القلوب الرقيقة،
ستصادف أياماً يملأ فيها الضباب سماءك حتى تشك في كل كلمة كتبتها لك هنا. في تلك اللحظة بالذات، أتمنى ألا تفقد قدرتك على الخير. أن يظل قلبك رقيقاً، عصياً على التحجر

أتمنى ألا تفقد قدرتك على الخير، مهما أصابك من شر.
أن ترحم وأن تتذكر كيف كنا نضع الماء للطير على حافة الشرفة، تلك القوة الهادئة هي ما أرجوه لك.
أن تكون صادقًا وإن كان الصدق يكلفك أيامك.
ألا تنافق، لترضي
وأن تعيش حقيقتك، دون مجاهرة بخطأ.

وأن تكون حرًّا... قبل أي شيء.
حرّ الفكر، حرّ الباطن.
ألا تستعير ضمير أحد، ولا تمشي في ظل صوت لا يشبهك.
فكرْ لنفسك، واصنع اختياراتك بوعيك ...لا بردة فعل، ولا بخوف... ولا لنيل هدف ما

أن تدرك أن مشاعرك ليست ضعفًا، بل هي ما يمنحك الإحساس بالحياة... وبنفسك.
وأن تكتشف أن بداخلك روحًا، هي أثمن ما تملك...
فتبحث عن سر إيقاظها بنفسك...ولا تغامر ابدا بانطفائها

أتمنى أن يكون الله هو وطنك وملاذك وقوتك.
أن يحيا في داخلك، وتعيش في كنفه
ولا تُنفى من وطنه ما عشت.

أتمنى أن تعيش الحياة...
وترى أن أجمل ما فيها هو أبسط ما فيها:
الهواء، والطبيعة، وأصوات الطيور... كل ما هو حيٌّ ويحس.
وأن تمر بها خفيفًا... بلا تعلقٍ مرهق أو انغماسٍ في الأهواء.
ألا تعطي الأشياء أكبر من حجمها،
وتتذكر أن كل شيءٍ يمرّ ومهما بدا ثقيلًا سيغدو كأنه لم يكن سوى ذكرى... أليس هذا ما تعلمناه؟

واعلم أنني ربما ضعفت في لحظات كثيرة،
 استسلمت،
هربت
جبنت،
أو لم أحسن التصرف...
فلا ترث ضعفي، بل تعلم منه لتكون أقوى مني.

أما الحلم... فآمن به،
فهو النجوم التي نهتدي بها في ليالي الواقع القاسية.
لكن لا تبنِ بيتك بين الغيوم.

وربما، في النهاية،
لم تكن هذه الرسالة لك وحدك...
 بل هي لي أيضاً. تذكرة كنتُ بحاجة لأن أقرأها بصوت عال.


 

2025/08/24

الاختيار والندم

 أدركتُ مع الوقت أن كلَّ اختيارٍ، هو في حقيقته تنازلٌ وتخلٍّ وتركٌ، في مقابل الحصول على شيءٍ آخر.

حين نختار، فنحن لا نقوم بفعلٍ واحد، بل بفعلين في آنٍ واحد:
نأخذ شيئًا، ونتخلى عن آخر

لكن المشكلة أن الحياة لا تُقدِّم خياراتها بلطف، بل تفعل ذلك بحدة، وكأنها تشترط علينا دفع ثمنٍ باهظ مقابل كل ما نناله.

وأتعرف ما هو أصعب من لحظة الاختيار نفسها؟
أن تقف بعدها طويلًا، معلّقًا بين الأمل والندم، منتظرًا من الأيام أن تُثبت لك إن كنتَ على صواب، أم أنك أخطأت الطريق.

وهنا يبدأ كل شيء...
الندم: ذلك الخليط من الخوف، والارتياب، والقلق، الذي يتربّص بنا على حافة كل قرار.
ولعلّ هذا ما يجعل كلَّ اختيارٍ يبدو كأنه معضلة.
فالمشكلة ليست في الخوف من المجهول، بل في الخوف من "المسؤولية" الخوف من ذلك الصوت الذي سيعاودنا لاحقًا:
ماذا لو؟
ماذا لو أسأنا الاختيار؟ فنندم.
ماذا لو لم نختر أبدًا؟ فنندم.
ماذا لو تنازلنا عن الشيء الخطأ؟ فنندم.

والغريب أن الندم لا يسير في ظلال اختياراتنا الخاطئة فحسب، بل يُلاحقنا حتى في كل ما لم نختره.
اختياراتنا، مهما كانت مؤلمة، نُلبسها ثوب الأعذار. ندافع عنها، نُبرّرها، نُجمّلها، حتى نتمكن من التعايش معها.
أما ما لم نفعله، ما تركناه، فنُلبسه -في أذهاننا- ملابس الكمال. تُعيد عقولنا تشكيله بألوانٍ مُبهرة، ونُقنع أنفسنا بأننا أضعنا "الفرصة الذهبية".
نقع في فخّ "ماذا لو..."، ذاك الوهم الجميل الذي يصوّر لنا جنةً لم تكن لتوجد، إلا في خيالنا.
وهكذا، نظلّ عالقين بين أشياء اخترناها ودفنّا في سبيلها أشياء، وبين أشياء تخلّينا عنها، فدفنتنا الأسئلة تحتها.
لكن...
هل هذا الشعور حقيقيٌّ أصلًا؟
لكي نندم بصدق، لابدّ أن نتأكد من أن النتيجة المخالفة لاختيارنا كانت ستكون أفضل وأصوبوهذا يقين لا نملكه،
لأن الحقيقة الأخرى ستبقى دائمًا في علم الغيب، حتى لو شكّلت عقولُنا كلّ التوقعات الممكنة.

إذًا، ما جدوى الندم إن كان مبنيًا على وهم؟
أو ربما لا يكون وهمًا بقدر ما هو درس.
 أليس الندم هو ذاك المُعلِّم القاسي؟ ربما هو جزء من صوت ضميرنا؟ ذلك الصوت الذي يهمس في أذننا حين  نخطأ...حين نحيد عن الصواب؟ فيبقى صوته ذكرى تذكرنا ألا نعيد...
 لولاه، ربما كنا سنفقد جزء من انسانيتنا...من الفطرة التي تنذرنا بالخطأ 
 لولاه..ربما كنا نتصرّف بتهورٍ أكبر، 
دون تفكيرٍ في العواقب.
لولاه ربما كنا سنعيد فعل أخطائما بنفس الشكل والصورة والتفاصيل
قد يكون شعور الندم هو العقوبة التي نخاف أن نعيشها، 
فتُصبح الرغبة في تحاشيه، هي ما يدفعنا لاختيار أفضل ما نستطيع.

اذا
الندم سيف ذو حدّينإما أن يكون دافعًا للحكمة، أو أن يتحوّل إلى حاجز، خوف من تحمل المسؤولية...فيمنعنا من أن نختار مجددًا....فنختار ألّا نختار،
ربما المشكلة ليست في الندم بقدر تعاملنا معه...
...أن نتجمّد في واقعٍ لا نحبه، 
...ألا نختار كي لا نندم.
ألا نندم من الأساس فنعاود نفس الأخطاء...


نسلم

في بعض الأحيان،
نحن لا نُسلِّم لله إيمانًا،
بل نستسلم للدنيا خوفًا.
نرفع الراية البيضاء، ليس عن رضا،
بل عن عجز لا نريد أن نعترف به.
نُسمِّي الصمت "صبرًا"، والانسحاب "حكمة"،
ونُقنِع أنفسنا أننا نُمارس التسليم،
بينما نحن، في العمق، نُمارس التنازل.

 نتخلّى عن إنسانيتنا،
عن قدرتنا على الاختيار التي منحنا الله إياها.
نَجْبُن،
نَصْغُر،
نهرب من مسؤوليتنا تجاه الحياة،
نتوارى،
نختبئ،
نستسلم لهم،
ولا نُسلِّم لله.

نظن أن بهذه الطريقة سنَسلم من الدنيا،
فلا ننجو،
بل نُعاقَب،
وقد نؤثَم،
نفقد،
وتتكرر خساراتنا،
ونُسقِط أشياء منّا،
أجزاء منّا،
عن غير وعي،
وأحيانًا بوعيٍ ممتلئٍ بالخوف،
نتنازل عن الحياة برُمَّتها.

نحن لا نُمارس التسليم،
بل نُمارس الضّعف المُجمَّل،
لكننا لا نواجه أنفسنا بالحقيقة،
فنُغيّر أسماء الأشياء رأفةً بقلوبنا
التي لا تحتمل النظر في وجه الواقع،
فتُعاقَب بأن تعيشه كما هو.

في بعض الأحيان،
نختار اللحظة،
ولا نرى ما يليها من عواقب صمتِ التصرف.
نبتعد عن ضوضاء النزاعات،
فنغوص — دون أن ندري — أعمق فيها.
نستسلم
فنغرق
و
ننغمس.

أقف كثيرًا أمام هذه المعضلة،
وأسأل نفسي:
هل أنا فعلاً أُسلِّم لله بصدقٍ وإيمانٍ وحب؟
أم أنني أستسلم للدنيا،


2025/08/23

النهاية

لا أدري...
كيف يظنّون أن راحلًا سيعود؟
أن مسرحًا أُسدلت ستائره،
سيُضاءُ فجأةً من جديد؟
أن طريقًا طويناه بأقدامنا،
سنُساق إليه مُجبرين؟

لا أدري...
كيف يطلبون نسيانَ ما لا يُنسى؟
أن نُطهّر جُرحًا، ثم نتناسى أثره؟
بل نعيد فتحه،
ونعود حيثُ انكسرنا... بثوبٍ جديد؟
كأن الحكاية، حين تُعاد،
بنفس الأبطال، ونفس الفصول،
ستختلفُ فيها الأحداث؟

أيُّ تضحيةٍ ينتظرون؟
أن نهدمَ بنيانًا لم يكتمل؟
أن نعودَ إلى ساحةٍ هربنا منها؟
أن نخوض الحرب ذاتها،
بكافة تفاصيلها،
ونحن بالكاد نجونا؟
أن نُلامس شُهُبًا من نار،
ونتغافل عن حتمية الاحتراق؟

يراهنون على الوقت...
كأنّه ساحرٌ خفيّ،
سيُصلِح ما ارتطم،
يُنبت ذاكرةً جديدة،
يُعيد المفقود فينا،
ويُرتّب الفوضى...

لكنّهم ينسون 
أن الوقتَ أحيانًا لا يُرمّم،
بل يكشفُ حجم الدمار،
يُعرّي الندوب،
ويجعلُ الأثرَ... أوضح وأعمق.

ولا أدري...
لماذا يتسلّل الذنب إلينا
كلما اخترنا أنفسنا،
أغلقنا الأبواب،
أدرنا ظهورنا لدربِ الألم،
ومشينا عكس الاتجاه؟

لا أدري...
لماذا نلومُ القلب،
نُوبّخه،
لأنه فقط... أراد أن يحتمي،
أن يبقى بعيدًا عمّا عاش،
كأنّ حماية الروحِ جريمة،
وكأنّ رفض التجربة ذاتها... خطيئة.

ربما...
وحدها الكتبُ تفهم
أن "النهاية" تعني فعلًا النهاية،
أما نحنُ البشر،
فلا نزال نؤمن
بأن بعد النهاية،
فصلًا آخر
لنفس الحكاية.

شعور

 هل نحن صانعو مشاعرنا؟
ربما.

عقولنا ترسم لكل فعلٍ شعورًا
 لكل كلمة،
لكل نظرة،
لكل تجربة مررنا بها.
تحفظها في ذاكرة القلب، فإذا تكررت الظروف عاد الإحساس ذاته.
كأن الشعور ابنُ ذكرى.
حتى الحب، كما قال ديكارت، يرتبط في أذهاننا بصفات معيّنة، فإذا لمحناها في أحد أحببناه.
لكن…
من أين تأتي المشاعر التي لم نعهدها؟
ما مصدر ذلك الشعور المفاجئ الذي يهجم بلا إذن،
قادمًا من موطن غامض في أعماقنا؟ من اللاوعي؟ من الروح؟

هذه المشاعر لا نصنعها ولا نفسّرها
 تفاجئنا وتقتادنا حيث لم نخطط.
نهرب منها فتتسرّب،
نغلق أبواب القلب فتجد شقوقها الخاصة.
نخبئها في الظل بلا هواء ولا نور… فتكبر رغم كل شيء.

فهل المشاعر تكبر لأننا نهملها، أم لأننا نركّز عليها في اللاوعي؟
نظن أن التجاهل يمحوها، كضيف غير مرغوب فيه نغلق الباب بوجهه فيرحل
 لنكتشف أن الطارق لم يغادر. وكلما رفضناه ازداد إلحاحًا، فرفض الشعور يغذيه، أليس كذلك؟.

ما الحل إذن؟
 أن نعترف به، أن نتقبله حتى يتبدل؟
 ...فالمشاعر لا تختفي إلا حين يطغى عليها شعور آخر
الحب يذبل تحت وطأة الكراهية،
والخوف قد يختبئ وراء الغضب،
والألم أحيانًا يغطي على الحب.
ومشاعرنا تتغير
 ما يولد يموت،
وما يموت يمهّد لولادة جديدة.

وهنا يطل السؤال الأكثر وجعا...والذي لا يتركني :
لماذا تموت المشاعر؟
لماذا يخرج شخص من القلب ويصعد آخر مكانه؟
لماذا لا تحفظ قلوبنا أماكن الناس كما هي؟
هل هو نقص في منسوب الوفاء بداخلنا؟
خيانة؟
أعتقد أن هناك نوعان من الوفاء
وفاءٌ للذاكرة... التمسك بصورة ماتت فينا... وفاءٌ لشعورٍ راحل.
ووفاء للحياة... تقبل التغير ورحيل ما انتهى.
ربما الخيانة الحقيقية ليست في أن يتغير الشعور،
بل في أن نكذب على أنفسنا وأن ندعي بقاء شئ قد مات....

ربما...لم يجعل المشاعر ثابتة الا لكي
 تكتمل تجربتنا الإنسانية.
لو ظلت أحاسيسنا جامدة لما عرفنا معنى النمو ولا التوبة ولا المغفرة ولا الأمل ولا الحب.
ثبات المشاعر قد يكون هو موت الروح...

في النهاية...وان كنا نصنع مشاعرنا  بمنطق العقل
إلا أنّها تصنعنا
هي التي تصنع ذاكرتنا،
وتقيس إيقاع حياتنا،
وتمنح الزمن معناه.

ربما بذرة المشاعر مزروعة فينا منذ البداية،
ونحن نخرجها حين يحين أوانها.
وربما هي التي تخرجنا نحن إلى نور الحياة.
فهي التي تجعلنا بشراً...
العقل ينسى،
لكن الشعور يمنحنا إنسانيتنا، ويزيد كثافة وعمقًا مع العمر.
حتى حين تموت المشاعر…
يبقى أثرها فينا
 نذكر أننا أحببنا وخفنا وفرحنا وبكينا وتوجعنا.

2025/08/21

نقطة حبر

كأنك تمشي فوق أرضٍ تبدو ثابتة،
 لكن تحتها جاذبية خفية لا تُرى
 كالرمال المتحركة،
مظهرها ثابت،
ولكنها تخدع...
تمشي فوقها فتسقط بداخلها.
 تظن أنك،
متماسك،
قوي،
 لن تسقط...
ولكنك كلما خطوت،
وحاولت البقاء على السطح،
انزلقت،
وغرقت في الداخل...

هكذا هي بعض المشاعر...

لا تدري: أهي التي جاءت إليك،
أم أنك أنت الذي مشيت نحوها؟
 أيهما سبق الآخر؟
من أين كانت البداية،
وكيف وصلت إلى النتيجة النهائية؟

ولكن... ما الجدوى من السؤال؟
وهل نملك لكل سؤال جواب وتفسير ويقين؟
وهل المنطق هو السيد الوحيد المتحكِّم في هذا الكون،
أم أن الحياة تثبت لنا بين الحين والآخر
أن هنالك أسرارًا لا تُفسَّر،
وعقول لا تجيب،

وأن هنالك مشاعر قد تطلّ فجأة
 فتظل بداخلنا لا تغيب؟
...

تأتي المشاعر أحيانًا كقطرة حبرتسقط في ماء صافٍ،
تبدو في البدء بذرة صغيرة
تكاد ترى
أو تحدث أي تأثير

ثم في لحظة
 تنتشر ،
تندمج مع الماء،
... فيصبحان شيئًا واحدًا لا يمكن فصله

هنالك مشاعر تقتحمك فتقحمك في عالمها،
 فتذوب فيك، أو تذوب أنت فيها

لا فرق.

ومهما احتميت بدروعٍ،
أو تواريت وراء حواجز،
فستأتي لحظة لا تقررها،
تسقط فيها كل دفاعاتك،
وتجد نفسك أعزل،
بلا حماية
تتوقف عن المقاومة،

وتستسلم

استسلامًا لا يُشبه هزيمة الضعف،
بل هو التسليم لما لا حيلة لك في مقاومته.

وحين تغوص أبعد
تكتشف أن الخروج أصعب ،
وأن قرار الرجوع الى السطح لم يعد قرارك،

عندها يغدو العقل عبثًا،
والمنطق بلا جدوى،
وتصبح تلك المشاعر متحكمة في كامل كيانك.

2025/08/19

لعبة البازل

 قد تكون الكثير من مشاكلنا مع الدنيا والعالم والمحيط نابعة من فكرة واحدة: الاستنتاج. 

نحن نستنتج الإجابة قبل أن تُقال.
نستنتج سبب الفعل،
وما وراء الصمت،
وحتى مشاعر الآخرين.
ونستنتج ما سيحدث لنا بعد كل خطوة نخطوها.
حتى اختياراتنا غالبًا ما تُبنى على استنتاج: كيف سيكون شكل المستقبل بعد هذا القرار؟
نؤوّل حدوث الأشياء مسبقًا.
نستنتج أن الآخر "يعرف"، فلا نشرح ولا نوضّح.
نستنتج أن مقصدنا واضح، فلا نسترسل.

 فنعيش بعقول مثقلة بالافتراضات، نسقطها على أنفسنا وعلى الآخرين.

لكن... ما هو الاستنتاج أصلًا؟ وكيف يحدث؟
هل هو مجرد ربط شيئين ليقودا إلى ثالث؟
أم أنه وليد خبرات سابقة وصور متكررة جعلتنا نظن أن تكرارها يعني ثبات نتيجتها؟
وما الفرق بين "الاستنتاج" و"النتيجة"؟ أهما الشيء ذاته؟
أم أن الاستنتاج مجرد عملية ذهنية نسعى بها إلى النتيجة؟
 وهل جزء من الاستنتاج هو البحث في الغيب؟ لأننا لا نستنتج إلا ما خفي عنا؟

 الموضوع أقرب إلى لوحة بازل: نضع قطعًا متناثرة من أفعال وأحداث، ثم نحاول أن نوصلها ببعضها لنصنع صورة. لكن الفارق أنّ البازل صورة حقيقية مكتملة، بينما الاستنتاج صورة ذهنية لا تحكمها حقائق مطلقة، ولهذا تبقى عرضة لأن تخطأ أمام مفاجآت الواقع.
فالواقع - على عكس البازل والمعادلات - لا يخضع لقواعد ثابتة.
قد يتكرر الحدث ذاته، لكنه يقود مرة إلى نتيجة، ومرة أخرى إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
ولهذا كثيرًا ما ينتهي بنا الاستنتاج إلى خيبة.
نحن لا نُخذل لأن الحياة وعدت ثم أخلفت، بل لأن عقولنا رسمت صورة وظنناها الحقيقة.
وعندما اصطدمنا بالواقع، اكتشفنا أنها لم تكن إلا خيالًا...شيئا صنعناه نحن....

وأنا شخصيًا كثيرًا ما أقع في هذا الفخ.
حتى في كتاباتي أستنتج، وأرتّب الأفكار كما لو كنت أصل إلى "حقيقة".
لكنني أعترف: مهما بدا الاستنتاج منطقيًا، فهو أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع. 

وكلما تشبثنا باستنتاجاتنا، ازددنا عرضة للخذلان.
 ليس لنقصٍ فينا، بل لأن الحياة ببساطة... لا قواعد لها. 

وأتعرف ما الأدهى؟
أن استنتاجاتنا لا تتأثر بالمنطق وحده، بل بأهوائنا أيضًا.
فنحن لا نستنتج دائمًا ما هو عقلاني، بل ما نرغب في حدوثه، ما نتمنى أن يكون.
 نُعيد ترتيب الوقائع بما يرضينا ويمنحنا شعورًا بالقوة والسيطرة، فنطمئن للحظة. لكن حين يكشف الواقع وجهًا مختلفًا، يكون الخذلان أقسى.

إذن… ما الحل؟
الحل أن نعترف: الاستنتاج ليس أكثر من احتمال، قد يصدق وقد يخطئ. أن نُميّز بين ما يبنيه العقل على الوقائع، وبين ما يختلقه الهوى من صور. أن نقرّ أننا نتوقع ونراهن ونلعب لعبة في خيالنا بقطع لا وجود لها.

وربما عندها نصل إلى الاستنتاج الأهم:
أن الغيب ليس لنا، وأن التسليم أرحم من الوهم.
الحقيقة لا تُستنتج… بل تُكشف حين يحين وقتها.

2025/08/18

أمانينا

 كيف تتشكّل الأماني في عقولنا؟
كيف تولد؟
وهل هي وليدة اللحظة أم أن هناك أسسًا وحقائق وأشياء وراءها قد لا نعيها أو نفهمها؟

قد نظن أن الأمنية تنبع من شعورٍ عابر أو فكرة طارئة، لكنها في الغالب أعمق من ذلك.
فهي قد تُبنى من شعورٍ يتحوّل إلى فكرة، لكنها تترسّخ أكثر بالشعور لا بالعقل.
...ليست فقط بعقلٍ يدرك أهمية الشيء، بل بالشعور الذي نتخيّل أننا سنحصل عليه عند تحقيق الأمنية.

نمضي في الحياة كأننا نسير في طريق طويل نحو أمنية كبيرة نحاول أن نحقّقها

لكن من أين تأتي الأماني ؟

أحيانًا تُبنى من الفقد: من رغبتنا فيما لا نملك.
وأحيانًا من النقيض: نرفض واقعًا أو جانبًا منه، فنصنع له عكسًا نحلم به.
وأحيانًا من المقارنة: نرى شيئًا عند غيرنا، فنكتشف فجأة أنه أصبح أمنية لنا أيضًا.
وربما لم تكن أمانينا من صُنع أفكارنا ومشاعرنا فقط، بل من صُنع نواقصنا؟
هي تكشف عن دوافعنا، عن ضعفنا، عن الفراغات التي لم تمتلئ بداخلنا.

لذلك، الأماني ليست مجرد مشاعر وأفكار، بل مرآة تعكس ما ينقصنا، وما لم نكتشفه في ذواتنا بعد.
إنها طريقٌ نحو معرفة الذات وإدراك ما جهلناه عنها.
لكن... هل كل الأماني صادقة؟
قد تكون بعض الأماني انعكاسًا لذواتنا الحقيقية،
بينما أخرى لا تعبّر عمّا نريد حقا،
 بل عمّا نريد أن يرانا الآخرون عليه.
في هذه الحالة يصبح محرّكها "الأنا"، لا "الذات".

حينها
قد نجد أنفسنا مثل الأسد الذي لا يسعى إلى الطعام، بل إلى مزيد من الفراء يغطي به جسده، رغم أنه مغطّى بما يكفي. يريد أن يبدو أضخم، فتتسبّب أمنيته في أن يموت جوعًا.

لذلك يبقى السؤال الأهم: كيف نعرف أن الأمنية التي نمضي نحوها... تلائمنا وتستحق؟
أعتقد أن الفيصل هو ألا نتشبّث بأي أمنية لمجرّد أنها جاءت من مشاعرنا أو أفكارنا.
بل أن نجلس معها،
 ننظر إليها بتمعّن،
 ونسأل: لماذا جاءت؟ وما دافعها؟
هل هو أنا حقًا... أم الآخرون؟
فالإجابة على هذا السؤال تؤكد لك أحيانًا أن تحقيق الأمنية ليس هو الهدف، بل معرفة لماذا هذه الأمنية بالذات نريد أن نحققها...



2025/08/17

النتيجة

 ويخيفنا جدًا،
يقلقنا،
تربكنا
فكرة أن يطّلع أحد على أعماقنا
بهذا القدر،
بهذا القرب.
أن يلبس أحدهم سترة الغوص فيغوص بداخلنا،
فيقترب،
بل يقترب جدًا،
حدّ أن يلامس كل مناطقنا الخاصّة المخبّأة،
المخفيّة خلف ألف غطاء وقناع
.
يقترب ليس فقط حدّ الرؤية،
 بل حدّ اللّمس
...
يمرّر أصابعه فوقها...
يستشعرها...
 يراها وهو ملتصق بها
...
يعرف،
 يفهم،
 يُدرك
ربما ما لا نراه نحن عن أنفسنا
.
يطّلع علينا كما لم نطّلع نحن على أرواحنا...
كمن يقرأ كتاب مفتوح ،
يسهل مطالعته
...
فيبصرنا بلا حجب، بلا غطاء...
وفجأة ننكشف بالكامل،
وتسقط في يده الأسرار
...

تخيفنا جدًا فكرة أن أحدهم استطاع الوصول إلى هذا الحدّ منّا...
الوصول إلى حقيقتنا...
سبح درجات... حتى تعمّق... حتى غاص بالكامل...

تربكنا فكرة أن أحدًا تفحّصنا ليس بنظرات،
 أو كشاف ضوء،
أو عدسات مكبّرة،
بل عرفنا بتمام الشعور...
ففهم ما يختبئ خلف الصمت،
ما يدور في الذهن،
واستوعب ماهيّة عقولنا،
وعلى ماذا تستند أرواحنا،
ومواطن الشعور بداخلنا...
وربما فهم "الماذا" وراء كل ذلك...

وربما...
ربما ما يُخيفنا،
ما يقلقنا في كل ما كتبت،
هو فكرة "معرفة الحقيقة
"...
فلماذا نخشى ظهور حقيقتنا إلى هذا الحد؟
لماذا نبذل جهدًا في المداراة والاختباء، وجهدًا مضاعفًا كي لا ننكشف؟

هل هي "نتيجة" ظهور الحقيقة ما نخشاه؟

لعل ما يخيفنا،
ما يقلقنا في كل ذلك،
هو فكرة النتيجة.
فهل ستعجبنا حقيقتنا بعد أن نراها من خلال عيون من غاص فينا؟ وهل سيخيب الظن فينا؟


2025/08/14

خذلان

 

من أصعب المشاعر الإنسانية هما مشاعر الخذلان والإحباط، ولا أعلم إن كانا وجهين لعملة واحدة، كلمتين تحملان نفس المعنى والشعور؟ أم أن أحدهما يؤدي إلى الآخر؟
ربما الخذلان يؤدي إلى الإحباط؟
فهل جرّبت الخذلان؟ وكيف يأتي؟ كيف يحدث؟
هل هو مرتبط بالأشخاص الأكثر حساسية وشعورًا؟ أم أن الجميع يشعر به بنفس الدرجة وبنفس الثقل؟
وكيف نحمي قلوبنا منه؟ هل بهجر الناس؟ أم بسوء الظن؟ أم بتجنب فعل الخير؟
وهل أولئك الذين يسيئون الظن ولا يُقدِمون على الخير هم الأكثر خذلانًا؟ أشخاص أُحبِطوا في الآخرين كثيرًا فصنعوا لأنفسهم درعًا يحميهم من المزيد من الخذلان؟
وماذا عن الذين ما زالوا يؤثرون الخير رغم تكرار الخذلان وتراكمه؟ هل أولئك هم الساذجون ؟

ولكن، ماذا إذا تأملنا فوجدنا أن الخذلان، ذلك الشعور الذي نخافه ونبتعد عنه، هو في الحقيقة نتيجة للكثير من المشاعر؟ أليس هو نتيجة الحب، الثقة، الإحسان، وحسن التوقعات؟
ألسنا نُخذل بقدر ما أعطينا من خير، بقدر ما أحببنا، وثقنا، وأحسنا؟ فحين يقابل السيئُ الخيرَ، يتحول الشعور نفسه من خير إلى سيئ، من حب إلى خذلان… ثم إلى إحباط.

وما هو الإحباط؟
هو أن تفقد إيمانك ويقينك وعقيدتك بالخير كفعل، بل تظن أن الخير والحب والإحسان لا يؤدون في النهاية إلا إلى وجع ، إلى مشاعر سلبية تنقضّ عليك.
فتقول لنفسك إن عليك أن تتغير كي لا تتكرر الكرّة ولا يتكرر الشعور، فتتجنب تلك المشاعر الإيجابية، وتصنع درع حماية يحميك منها.

لكن… هل الخذلان حقًا نتيجة فعل الخير؟
أم هو نتيجة انتظار المقابل؟
نفعل الخير بقلوبنا، لكن عيوننا تترقّب، وعقولنا تحسب… فإذا جاء العائد مختلفًا عمّا حلمنا، شعرنا بالخسارة، ووقعنا في الخذلان.

ربما إذًا، ليس الخذلان وليد المشاعر الطيبة، بل وليد توقّع العائد منها.
وحين لا يتحقق ما ننتظر
يأتي الخذلان،
ثم الإحباط،
ثم الوجع

وربما، لا يريد الخذلان أن يعلّمنا التراجع عن الخير، ولا أن نبني الحواجز… بل يريد أن يعلّمنا أن نعطي دون انتظار، أن نحب بلا حساب، أن نفعل الخير لأنفسنا لا لردود الأفعال..لا للمقابل...

قد يكون هذا ضد طبيعتنا البشرية، ضد تكويننا، ضد الفطرة… وربما كذلك.
لكنني، بعد تجارب كثيرة، وجدت أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يساعد في تقليل شعور الخذلان....

الحل ليس أن أتغيّر أو أن أقابل السيئ بالسيئ، ولا أن أسيء الظن أو أن أهجر الاخرين.
الحل أن أبقى كما أنا… وأدع العالم كما هو… وأدع الناس كما هم، يتفاعلون مع مشاعري وأفعالي كما يشاؤون...

فليخذلنا الناس
ولنحاول نحن ألا نخذل أنفسنا...وألا نتغير