أيّهما سبق الآخر: الخير أم الرحمة؟
وحين خلقنا الله، أيّهما استقرّ
أولًا في قلوبنا؟
الخير فعل.
قرار نختاره، وعيٌ يُصاحبه، وسعيٌ
نحو نتيجة... أحيانًا دنيوية، وأحيانًا أخروية.
نفعل الخير بدافعٍ ما: أن نبدو
صالحين، أن نحظى برضى الله، أن نُرضي ضميرًا أو نُسكِت قلقًا داخليًا.
أما الرحمة، فهي ليست فعلًا، بل قد تكون
فطرة
ليست نتيجة عقل، بل رغبة القلب.
تسكننا كما تسكن الروح الجسد، لا
تطلب شيئًا، ولا تنتظر مردودًا.
هي الخيرُ في أنقاه، في أرقى حالاته،
قبل أن يتلوّنه الفكر أو تتدخّل فيه النوايا.
الرحمة تلد الخير، لكن الخير لا
يُلزم أن يكون مولودًا منها.
ولهذا، أظنّ أن الرحمة هي الأصل.
هي منبع الخير، وجوهر إنسانيّتنا.
حين تتجذّر فينا، تتغيّر نظرتنا
للعالم.
نرى الألم فنشعر به،
نرى الظلم فننفر منه،
وكأن بيننا وبين الآخر خيطًا غير
مرئي، إذا اهتزّ عنده، شعرنا به نحن.
الرحمة هي ما يجعلنا:
نُسامح
نُعطي دون حساب،
نرأف دون أن نُفكّر إن كان الآخر
"يستحق"،
نُبادر.
هي ليست فقط نقيض القسوة،
بل نقيض الغلظة، والغرور، والرغبة في
الانتصار.
هي اللين، والأنس، والعذر، والصبر،
والغفران.
هي ما يجعلنا نحسن لا لإثبات شيء، بل
لأننا لا نعرف الا أن نفعل ذلك.
نمرّ على القلوب بخفة،
كمن يخشى أن يترك ندبةً في طريقه.
نرجو أن يكون وجودنا خفيفًا، وأثرنا مريحا
كنسمة، لا يرهق أحدًا.
وربما... ما أكتب لا يجد له مكانًا
في عالمٍ يحكمه المنطق، ويقيس به كل شيء.
لكن الرحمة لا تخضع للمنطق، بل
تُخاطب قوانين الروح.
الرحمة فينا، كامنة،
كالقمر حين يطلّ وسط سماءٍ حالكة، لا
يغيّر السواد... لكنه يُضيئه.
لكن، كيف تعود إلينا الرحمة إن
فقدناها؟
ربما تعود حين ننكسر، حين نشهد الظلم
ولا نملك دفعه،
حين نُجرّب القسوة، نختبر شعورها...نعيشها...
فنقرر أن نحمي الاخرين منها.
أو ربما تولد الرحمة من الحب...
الحب غير المشروط،
الحب الذي يرى الإنسان مستحقًا
للحنان لمجرد أنه إنسان.
السؤال ليس فقط:
كيف تأتي الرحمة؟
بل:
كيف ستكون الدنيا... حين تملأها
الرحمة؟
لن أُجيب.
سأترك لك الإجابة،
لأنّ بعض الأسئلة لا تحتاج
تفسيرًا... بل خيالا.
No comments:
Post a Comment