كما نحتاج إلى الخلوة، والهدوء، والعزلة،لنختلي بأنفسنا، نكتشفها، نُزيح الحُجب عنها،فتنبعث فينا الأفكار...ربما، نحتاج أكثر إلى من يُلهمنا.
ولا أعني هنا الإلهام الآتي من الطبيعة،من السماء، أو البحر، أو الموسيقى،ولا من الطرقات الفارغة، أو الشوارع المزدحمة،ولا هدير الموج، أو ملمس الرمل، أو نسيم الهواء على الجلد...لا أقصد كل ذلك.أقصد الإلهام العميق...ذاك الذي يلمس الروح مباشرة،ويأتي عن طريق شخص واحد.أتعرف شعور الإلهام؟أصابع خفيّة تتسلّل إلى أعماقك، تمرّ بلطفٍ على روحك،تلمس مواضع شديدة الخصوصية في نفسك،تشعر بها... بل، تشعر بها جدًا.ومن فرط الإحساس، لا تقوى على الاحتفاظ بما تشعر به في داخلك،فتسعى إلى تحويله إلى شيء واقعي، مادي، ملموس...فتكتب، ترسم، تغنّي،تفعل أي شيء... لتُعبّر.أتعرف شعور الإلهام؟أن تسيطر عليك فكرة بالكامل،ليس لتفكّر أو تحلّل أو تستنتج،بل لأنها — هي وعقلك — صارا كيانًا واحدًا، لا يريد أن ينفصل،فتقرّر أن تُخرجها من عالم اللامرئي إلى شيء تُبصره العين.أتعرف الإلهام؟هو المعَرَّف بالاسم، مجهول الأصل.شيء من الغيب، من الغموض،من ذلك الذي لا يُرى، لكنه موجود.أصوات ليست كلّها منّا،لكنها تأتي لننصت إليها بكامل كياننا.نجوم تتكوّن وتتبعثر في سمائنا،وحين يحين موعد انطفائها،تسقط كالشهب... على الورق،أو على أي وسيلة تعبير نعرفها، وإن لم نُتقنها.الإلهام لا يأتي صدفة.ليس هو الفكرة التي يجب أن تمر،بل الإحساس أو الفكرة التي يجب أن تخرج إلى النور، إلى العلن...أن تتحول من شيء غير موجود، إلى شيء موجود.الإلهام يخرج إلى العلن حين يكون أكبر منّا،أكبر من أن نتجاهله،حين يتفاقم في دواخلنا حتى يفيض إلى خارجنا.ورغم بساطته،لا يُلهمنا إلا ما يفوقنا — شعوريًا، أو فكريًا، أو حسيًا.ما يكون أكبر من قدرتنا على الاحتواء أو الاستيعاب،أوسع من مدارك العقل ومشاعر القلب.هو ما لا يُهضم بسهولة،ما لا يمرّ دون أن يترك أثرًا بداخلنا.يُحرّكنا، يُحرّضنا،هو السرّ الذي يحمل في جوفه الحقيقة.ولا يُؤتى قسرًا.هو حرّ.يأتي متى شاء، وكيفما شاء،ويحمل إلينا ما أراد أن يحمل.لكنه إن أراد أن يغيب،لا نملك أن نُمسك به، ولا أن نُبقيه.نحن نلتقي كل يوم بأشخاص،نسمع أصواتًا، نمرّ بوجوه،نتحدّث، نناقش، نفكّر، نغوص، نتأمّل...لكن قلّما يُلهمنا أحدهم.فمن هو المُلهِم؟
ربما... هو من وارانا يومًا،رآنا، رأى حقيقتنا.رآنا بصدق.نظر إلينا ببصيرته، لا ببصره،اكتشفنا من الداخل، من أغوار النفس، لا من الخارج.فتعلّمنا من خلاله كيف نُبصر ذاتنا الحقيقية.
ربما كان هو سطح الماءالذي ينعكس عليه وجهناويأتي بالإلهام إلينا،لكنّنا لم نكن نعلم بوجود هذا السطح أصلًا...حتى جاء ذلك الشخص،وأرشدنا — فقط — للنظر.وكلّما نظرنا، وجدنا...لهذا... أعلم أن مرور شخصٍ واحدٍ في حياتك،وإلهامه لك،قد يكون أعظم ما قد يصنعه إنسان لإنسان.كـ"شمس" في حياة الرومي،و"جبران" في حياة ميّ.قصص قد تبدو خرافية في ظاهرها،لكنّ أثرها الباقي حتى الآن،يُثبت كم كانت حقيقية.وليس فقط من يُعبّر هو من يبقى أثره،بل الأهم... هو من ألهمه ليُعبّر.فلولا شمس...ما كان الرومي.
2025/07/01
لولا "شمس"... ما كان الرومي.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment