2025/07/17

طبقات الروح

أتعرف؟ كلما تعمّقتُ في رؤية الحياة، ازداد يقيني أننا، نحن البشر، نحمل في جوهرنا أسرار الأرض، اتساع السماء، وعمق البحر. أعماقنا ليست طبقة واحدة، بل متاهات متداخلة من الوجود، طبقات تتكشف بلا نهاية معلومة. قد يحددها البعض بسبع، وقد يراها آخرون بلا عدّ، أو حتى ينكرون وجودها. ماذا عنك، في رأيك كم عددها؟

لكن العدد، ربما، لا يهم بقدر الرحلة نحو اكتشافها.

الغوص الحقيقي، مثله مثل استكشاف أعماق المحيط أو التحليق في الفضاء، لا يحدث دفعة واحدة. إنه صعود سلم داخلي غير مرئي، يُبنى بخطوة تلو الأخرى، بوعي يقظ، رغبة صادقة، وصدق نية لا يتزعزع. هذا الغوص في الذات ليس مصادفة ولا فطرة، بل هو علم يُكتسب، واختيار قاسٍ أحيانًا. لحظة طرقك لأول طبقة هي نقطة اللاعودة فجاذبية السطح تتلاشى، لتحل محلها جاذبية أخرى أكثر قوة: جاذبية المعرفة، جاذبية العمق.

مع كل كشف لطبقة جديدة، تتصدع الطبقة التي سبقتها، ويصبح الرجوع ضربًا من الوهم. تستمر في الهبوط، تفتح أبوابًا لم تكن تتخيل وجودها، وتُبصر ما لم تكن لتعتقد أنك قادر على رؤيته. وفي خضم هذا التكشف، قد تنكسر أجزاء منك، فتجد نفسك في نقطة تجهل فيها هويتك القديمة تمامًا.

كثيرًا ما تساءلتُ: متى تبدأ هذه الرحلة العميقة؟ هل هي لحظة قدرية مكتوبة، أم نقطة تحول واضحة؟ أحيانًا، نعم. هي لحظة نضوج مفاجئ، كأن ترفع يديك عن عينيك لأول مرة وتُبصر الحقيقة . وأحيانًا أخرى، لا تملك اختيارًا فالأرض تهتز من تحتك، تنهار، وتجد نفسك تهوي في سقوط لا مفر منه. لم تختر السقوط، لكن شيئًا عميقًا فيك دفعك نحو حافة الهاوية. ومن تلك الهاوية، تبدأ الرحلة الحقيقية، ولن يعود السطح مألوفًا لك أبدًا.

يكتشف الغواصون قانونًا لا رجعة فيه: كلما اخترقت طبقة، اجتذبتك التي تليها بقوة أكبر، وكلما تعمّقتَ، انهدم خلفك طريق العودة. إنها رحلة باتجاه واحد تدخلها بالكاد تفهم، وتعود — إن عدت — شخصًا آخر تمامًا، وقد تبدّل كل شيء فيك.

أحيانًا، أرى فينا شبَهًا أعمق بالأرض ذاتها. فمنها خرجنا وإليها سنعود، وربما لهذا السبب تحمل أرواحنا طبقاتها المتراكمة. ومن يجرؤ على الغوص في أرض ذاته الداخلية، قد لا يجد طريقًا للخروج إلى ما كان عليه سابقًا.

فما هي طبقات هذه الروح؟ 

السطح: حيث تسيطر المظاهر، وقلق الصورة، ورأي الناس، والحياة كما تبدو للعيان. 

النفس: موطن الأهواء المتلاطمة، والتقلبات العنيفة، وصراع الرغبات المتضاربة. 

الروح الصامتة: الشاهدة الصامتة على كل شيء، تلك التي ترى وتدرك دون أن تصدر حكماً، وتبقى في سكونها العميق. 

عمق الروح الطالبة: الباحث الذي لا يهدأ، يلح بالسؤال، لا يستكين حتى يجدها. 

الروح البصيرة: حيث تسقط الحجب، وتُكشف الحقائق، فترى بالبصيرة ما كان مخبأ عنها طويلًا. 

الروح الساكنة: حيث الهدوء المطلق،الله... المستقر الأخير.

وربما هناك طبقات تتجاوز إدراكي الحالي. 

لكن، على كل حال...هذا الطريق، ليس مستقيمًا ولا سهلًا. ستتأرجح فيه، تضعف، تتمرد، تواجه أعمق مخاوفك، تصمت طويلًا. ستجرفك الأمواج، وستخذلك خطواتك أحيانًا. ومع ذلك، شيء أعمق منك، سيواصل الغوص قدمًا.

وفي النهاية... حتى لو لم تدرك وجهة هذه الرحلة، حتى لو بقيت تائهًا، تبحث دون أن تجد إجابة نهائية، فربما كان خوضها بحد ذاته هو المغزى الحقيقي من الحياة. وربما كان هذا هو السبب الجوهري لقدومنا إلى هذا الوجود: أن نغوص في بحرنا الداخلي، أن نرتفع في سماء وعينا، وأن نهبط إلى أعمق نقطة في أرواحنا ...    حتى وان لم نعود ابدا الى أرضنا



 

No comments:

Post a Comment