لماذا لم يمنحنا الله القدرة على رؤية باطن البشر؟
لماذا اكتفى بأن يُرينا القشرة، ويَحجب عنّا حقيقة النفوس؟
مهما بدا لنا من الناس، تظل هناك طبقات لا نراها، دوافع لا نعلمها.
فكيف، إذاً، نحكم عليهم؟
نحكم على أفعالهم، على قراراتهم، على مشاعرهم، بل حتى على صمتهم.
نُسقط عليهم معاييرنا، ونقيسهم بمقاييس لا تخصّهم، كأننا نعرف، بينما نحن في الحقيقة نجهل كل شيء عنهم.
نظن أننا لو كنّا مكانهم، لما فعلنا ما فعلوه. لكننا لا نعلم...
وربما، لو كنا في ذات ظروفهم، بنفس الخوف، بنفس الجهل، بنفس الندوب، لفعلنا ما فعلوه....
بل ربما، يومًا ما، سنكون نحن في ذات موقفهم، ونفعل الشيء نفسه الذي حكمنا عليه من قبل
أنا... كنت كذلك.
وقعتُ في الحكم على الاخرين، والظن، والتعالي. منحتُ نفسي سلطة إصدار الأحكام،
ولم أدرك وقتها، أن كل حكم على آخر، هو وجهٌ من وجوه الكبرياء الخفي.
ولم أدرك وقتها، أن كل حكم على آخر، هو وجهٌ من وجوه الكبرياء الخفي.
نظنّ أننا أكثر وعيًا، أو صلاحًا، أو نقاءً.
نظن أن اختياراتنا ستكون أكثر "صوابًا".
حتى تأتي لحظة نتعرّى فيها أمام أنفسنا، وندرك حقيقتنا... أننا لسنا معصومين عن الزلل، ولسنا فوق أحد.
نُخطئ كما يُخطئ غيرنا.
نتعثر، وننكر، ونندم، ونفقد بوصلة الصواب أحيانًا.
نحن لسنا ملائكة نعيش في السماء، بينما الآخرون يتخبطون في الأرض.
الحقيقة أننا كلنا نُجرب، نتألم، والأهم نحاول.
ومنذ ذلك الإدراك، صار سؤالٌ ما يتردد في داخلي
ما الذي يدفعنا إلى الحكم على الآخرين؟
هل هي رغبة خفية في السيطرة؟ في التفوق؟
هل تمنحنا الأحكام شعورًا زائفًا بالقوة والعلو؟
أم أننا نُشغل أنفسنا بالآخرين حتى لا نلتفت إلى أرواحنا؟
نبحث عمّن هم "أسوأ" منا، لا لنساعدهم، بل لنرتاح نحن من جلد الذات.
أدركت :
أن أي حكم بلا علمٍ كامل، هو ظلم.
وحين يتعلّق الحكم بروح إنسان وحياته، يصبح الظلم أثقل وأقسى.
لأن ما خفي عنّا قد يكون هو الحقيقة كلها.
ولأننا مهما رأينا، فنحن لا نرى ولا نعلم بالكامل.
وهنا ربما... أجد جزء من الجواب.
ربما لم يُرِد الله لنا أن نعرف كل شيء،
كي لا نُدِين، كي لا نتكبّر، كي لا نجرح الآخرين باسم الفهم.
ربما لو عرفنا كل شيء، لفقدنا القدرة على الرحمة.
المعرفة الكاملة تقتل التعاطف،
أما الجهل الجزئي، فهو ما يجعلنا نتواضع.
فنحن لا نتعاطف لأننا نعرف، بل لأننا ندرك أننا لا نعرف.
وفي هذا الإدراك، يولد احتمال الخير،
وتولد معه مساحات للرحمة، للتماس الأعذار، للصمت بدل الحكم.
ربما ما لا نراه من الصورة… هو ما يُبرّر كل شيء.
وربما حجب عنا الله الرؤية كي يغلق أمامنا أبواب الحكم
No comments:
Post a Comment