2025/07/05

المنزل

واليوم، أتساءل:

ما الفرق بين موت الدنيا وموت الروح؟
هل يمكن أن نموت ونحن على قيد الحياة؟
وأن نعيش بينما نحن في الحقيقة أموات؟

نعم... هناك فرقٌ شاسع بين أن تموت الدنيا في عينيك،
وأن تموت أنت في عين نفسك.

حين تموت الدنيا في عينيك، لا يعني أنك أغمضتهما غضبًا أو زهدًا،
بل كأنها تلاشت بهدوء، من تلقاء نفسها.
فقدت ألوانها الصاخبة، وأصواتها المدوّية،
لم يعد لها ذاك البريق الذي يشدّ الأبصار.
هدأت داخلك،
وتحوّلت من محور يدور حوله وجودك، إلى مجرد خلفية باهتة لا تستثيرك.

ينسحب اهتمامك من سطحها المتقلّب،
ويغوص في عمق روحك المتصلة بالسماء.
تتغيّر بوصلة الشعور،
فلا تعود تقلباتها تحرّكك،
ولا تلهث وراء سرابها.
تصبح مكتفيًا، ممتلئًا بالله.
قلبك ينبض بحقائق أعمق،
وروحك تجعلك تدرك سرّ وجودك،
فتصبح هادئًا وسط ضجيج عالم لم يعد يعنيك.

ما أكتبه ليس زهدًا،
ولا قنوطًا من الدنيا،
ولا غضبًا منها،
ولا هروبًا...
بل على العكس، هو إدراك.
هو يقين.
هو شعورٌ أكيد بأنها لا تستحق أن نُحييها في داخلنا بهذه الكثافة.

أما حين تموت الروح وتحيا الدنيا في عينيك،
تتبدل المعادلة تمامًا.

تشعر بأن شيئًا فيك قد تجمّد،
كأنك توقفت عن الإحساس.
لا تتفاعل، لا تنفعل، لا تتحرك...
تصبح كمن فقد روحه.

تتحول إلى جمادٍ يلهث خلف ما يظنه تعويضًا:
تشتري، تكتنز، تركض، تسافر...
لكنّك لا تمتلئ،
وروحك تظل نائمة، أو بالأحرى: غائبة.

ورغم هذا الخدر،
تظل رهينًا لتقلبات الدنيا؛
تغضب من أحداثها،
تُستفز من تفاصيلها،
وتتأرجح مع صخبها.

لا تعرف للهدوء سبيلاً.
تظن أنك تحيا،
لكن الحقيقة أن "الحياة" هي من تحيا فيك.
تستحوذ عليك،
تغرسك في ترابها،
وتسيطر على أنفاسك،
حتى تفقد اتصالك الحقيقي بذاتك.

فأيهما إذًا تختار؟
أن تموت الدنيا في عينيك، وتظل أنت حيًّا؟
أم تحيا الدنيا في عينيك، وتموت أنت؟

لا تختار
فربما... أخطأتُ في السؤال
.

فالحياة أشبه بهيكل المنزل،
والروح... هي الأسمنت والبناء،
والله هو روح المنزل
الحياة بيت،
الروح بناؤه،
والله... هو النور الذي يملؤه،
والهواء الذي يُحييه،
والمعنى الذي يبرّر وجوده.

فإن دخل الله إلى منزلك، منحك كل شيء:
السكينة، الثبات، السلام، الحب، الأمان، الاطمئنان.
منحك الدفء... والهدوء،
وملأ الفراغ الذي قضيتَ عمرك تحاول أن تملأه، دون جدوى.

فهل يمكن أن تحيا بلا منزل؟
وهل يكفي أن تسكن بيتًا بلا روح؟
هل يكفي أن تعيش دون أن تتنفس؟
هيكل البيت، وبناؤه، وحياته...
كلّها معًا تُشكّل الحياة.
ولا ينبغي أن يموت أيٌّ منها.
ولكن أن تعرف أهمية كل منها

وربما حين تصل إلى هذه المعادلة،
يتغير كل شيء،
وتندمج النقيضات.
تصبح عيناك مفتوحتين،
لكن على ما هو أعمق من الظاهر.

مشاعرك تشتعل،
قلبك ينبض بحياة لم يعرفها من قبل،
يرقّ، يذوب، يفيض...

روحك تتحرك وتتوق،
تغوص في الأعماق، كالمياه الجارية التي تلامس كل ما فيك.
تعيش وتتفاعل،
لكن دون أن تنشغل وتُشغلك التفاصيل الصغيرة.

لا تلهث،
ولا تبحث عن ما يملأ فراغًا لم يعد موجودًا.
بل تهدأ،
وترتاح،
وتطمئن،
وتسكن...
وتستكين

بينما تصبح الحياة في منزلك أفضل مما كانت عليه.. 

No comments:

Post a Comment