هل سبق لك أن راقبت طائرًا يحلق؟
في حركته البسيطة، وفي عودته وهدوئه وهو يرتفع، ثم يهبط، تكمن قدرة غريبة على الانتقال بين الأرض والسماء وكأنها مجرد شهيق وزفير. هذا المشهد يثير فينا التساؤل، ليس عن الطائر، بل عن أنفسنا.
ما الذي يجعلنا نغبط الطيور؟ هل هي قدرتها على الطيران أم خفتها وحريتها؟ أم أن في أعماقنا تكمن ذكرى خافتة لروحنا التي كانت تعرف الطيران يومًا ما، لكنها نسيت؟
يقول جلال الدين الرومي: "الروح طائر، والجسد قفص."
هذه العبارة ليست مجرد تشبيه شعري، بل هي مفتاح لسؤال عميق: هل نحن في سجن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو القيد الحقيقي الذي يحبسنا؟
لطالما اعتقدت أن الخوف هو السجن، هو ما يمنع الروح من التحليق. لكنني اليوم أتساءل: ماذا لو كان الخوف هو الجسر أيضًا؟ الطائر لا يطير لأنه شجاع، بل لأنه لو لم يطر، سيسقط. وبالمثل، نحن لا نبحث عن روحنا هربًا من شيء، بل لأن هناك خطرًا داخليًا يهددنا إذا بقينا على الأرض لفترة طويلة.
ربما لم تُولد الروح حرة، بل وُلدت في جسد وسط عالم مادي، ثم تبدأ رحلة التذكّر عبر الألم والضيق. تتذكر أن لديها أجنحة، وأن الألم ليس عقابًا، بل دافع، وأن القفص ليس قيدًا أبديًا، بل هو اختبار للوعي.
أتأمل كثيرًا هذا السؤال: هل لا يولد وعينا إلا من داخل القفص؟ هل لا نكتشف أعماق روحنا إلا عندما تضيق بنا الحياة، فنلهث بحثًا عن هواء لا يأتي إلا من الأعالي؟
قد يكون هذا هو سر التوازن: أن لا نعيش على الأرض بلا روح، ولا نحلق في السماء دون أن نترك أثرًا. أن نعيش بين العالمين، نحمل أجسادنا برفق، لكن دون أن ننسى أن أرواحنا تعرف طريق العودة.
فالقفص، مهما ضاق، لا يصنع سجينًا، إلا إذا صدّق المرء أنه بلا أجنحة. الحرية ليست في الهروب من الجسد، بل في الحضور الكامل فيه، مع عدم نسيان أن لنا موطنًا آخر.
ربما كان الهدف من كل هذا القفص... أن نشتاق للطيران.
No comments:
Post a Comment