2025/07/31

أن تختار...

أنت تختار أن تبدأ.
لا خرائط في يدك، ولا أذنٌ تصغي للمحاذير.
تمضي، وكأن الإصرار وقودك الأوحد في مواجهة المجهول.

تحت قدميك، يئنُّ الحصى، ثم يغوص في رمالٍ تبتلع الخطى.
تتلوى أمامك الدروب كأفعى سامة، يترنح معها يقينك.
يرتفع في صدرك صوتٌ خفيٌّ يسأل: إلى أين؟ ما هي النهاية؟ هل ستصل إلى شيء أم ستضيع في العدم؟ أكانَ اختيارُكَ صائبًا؟

تحاول أن تصمَّ أذنيك، أن تواصل المسير.
وكلما أثقل التعب كاهلك، احتملتَ حجرًا جديدًا من على الدرب...
 حجارةٌ ثقيلةٌ ظننتها غنائم الرحلة، وثمار الصبر.

وفجأة...
تتوقف.
لا لأنك أردت،
بل لأن المضي صار مستحيلًا.
قدماك تنزفان، والطريق أمامك تلاشى في صحراء من اللاشيء. ظلامٌ يلتهم الأفق، وفراغٌ يملأ الحواس.
وأنت في المنتصف، وحيد.

تنظر إلى ما حملت.
إلى تلك الأحجار التي جلبتها من رحلتك.
بها، قررت أن تبني مأوىً يحميك من هذا الفراغ الموحش.
 لكن يديك المرتجفتين، وخبرتك المكتسبة من الضلال، لم تبنِ إلا جدارًا واحدًا.

تجثو أمامه، تتأمل عملك...
وتتساءل.
وفي تلك اللحظة القاسية من السكون،
تضربك الحقيقة كصاعقة: أنت لم تضل الطريق، بل كان الطريق نفسه ضلالًا.
كانت الخطوة الأولى هي الخطيئة الأصلية، وكل ما تلاها مجرد أصداءٍ لذلك الخطأ.

والحل؟
العودة...
أن تعود أدراجك، أن تتراجع عن كل هذا العناء لتمحو آثار الحاضر.

لكن الجدار الذي بنيته من ثمار رحلتك...
من تعبك وذاكرتك...
يقف الآن حاجزًا بينك وبين الوراء.
هو أثرك الوحيد—هويتكَ—وهو قيدك الأعظم.

أمامك خياران،
كلاهما أصعب: إما أن تواصل السير نحو العدم، فتصبح العودة مع كل خطوة أكثر استحالة،
أو
 أن تهدم ما بنيت، وتتكبد عناءً قد يفتت ما تبقى منك.

وفي لحظة صدقٍ ، تختار الهدم.

ترفع يدك لتهوي على أول حجر، فترتجف.
ليس خوفًا من الجهد، بل من فرط الوجع.
 كل حجر هو ذكرى، هو تعب، هو أملٌ زائف.
ومع كل حجر يسقط، تهوي قطعة من قلبك.
 تهدم مع الحائط أجزاء من حلمك، من ماضيك، ومنك أنت.
 إنه وجعٌ يتجاوز هدم الجماد،
إنه هدمٌ لذاتِك.

وكلما هدمتَ منه،
بدا الجدار أصلب،
كأنما أوهامك تتشبث بجذورها الأخيرة، مقاومةً الزوال.
لكنك تستمر...
تهدم... وتُهدَم.

وحين يسقط آخر حجر،
تعود...
تمشي إلى الوراء.
لتبدأ من النقطة التي ظننتَها بداية، بينما كانت هي النهاية

No comments:

Post a Comment