2025/07/26

الظلم - تصحيح بصر البصيرة

أصبحت أرى أن اجتنابنا للظلم ليس دومًا بدافع الصلاح أو التقوى، بل كثيرًا ما يكون بدافع الخوف. نخشى أن تعود بنا الأيام، وتتشابه المواقف، ونتبدل من موقع القوي إلى موقع الضعيف، من الظالم إلى المظلوم. هذا الخوف لا يأتي من فراغ، بل من تجارب شاهدناها تتكرر مرارًا في وجوه متعددة: من ظلم يعود على صاحبه، ومن قوة تنقلب إلى ضعف، ومن ظلمٍ لا ينسى.

تأثير الظلم على النفس، كما أراه، أشد وأبقى من أثره على من وقع عليه. فحين نكون نحن الظالمين، نزرع في داخلنا بذرة قلق لا تموت، حتى لو خفيت عنا لبعض الوقت.

لهذا السبب، أشفق على الظالم. ليس من باب التبرير، بل من باب الإدراك:  أن ما ارتكبه سيعود إليه بطريقة تفوق تصوره. قوته اليوم ستهوي، ويده الباطشة ستُكف، وسيجد نفسه ذات يوم في الموقف ذاته الذي أساء فيه، لكن في الجهة المقابلة... في موضع الضحية. وهنا، قد يُظلم فعلًا، وقد يكون ما يحدث له ثمنًا مستحقًا، ونحن ـــ حتى إن رأيناه مظلومًا ـــ لن نملك الجزم.

لكن، كل هذا ليس هو لبّ المعضلة.

المأزق الحقيقي يبدأ حين يتلبس الحق بالباطل

هناك مساحة شديدة الخطورة، ضبابية، رمادية، تلك التي لا نستطيع أن نميز فيها بين الظلم والحق. حيث يكون الخط الفاصل بينهما دقيقًا لدرجة أنه يكاد يتلاشى. هناك، يظن الظالم أنه على صواب. يواصل طريقه بقلب مطمئن، دون قلق، دون تردد، لأن عقله أقنعه أنه لا يقترب من موضع الخطيئة.

هذا النوع من الظلم هو الأخطر: ظلم مغلف بقناعة داخلية راسخة، لا شك فيها. ظلم لا يرى صاحبه أنه ظلم أصلًا. ومن يعيش في هذه البقعة المظلمة قد لا يفيق منها أبدًا، لأنه لا يرى نورًا ليقصد إليه، ولا يشك بما يفعل، بل ربما يظن أنه مأجور عليه.

لعل هؤلاء هم من وصفهم الله: "وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، لأن ظلمهم خرج من جهلٍ مركّب، وظلمة داخلية حالت بينهم وبين إدراك أفعالهم.

فكيف يمكن إنقاذهم؟ وهل نملك أن نمد إليهم يدًا؟ هل نضيء لهم الغرفة المظلمة، ونرشدهم ليروا أنفسهم كما هي؟ أم أن الظلمة ترعبنا نحن فنفر منها، ونتركهم يغرقون في وحلها وحدهم؟

وما الذي يحدث لو مددنا يدنا، وأعطينا كل ما نملك، ثم أصرّوا على البقاء؟ لا عن قصد، بل عن جهل؟
ماذا لو كنا في أماكنهم؟ هل كنا سنتمسك بما نعرف، حتى لو كان ظلمة، لأننا لم نذق النور؟

وربما، مارسنا الظلم نحن أيضًا...

ربما ظلمنا أحدًا بكلمة لم نُدرك أثرها.
أو بحكم أطلقناه .
ربما بصمتنا في موقفٍ كان يجب أن يُقال فيه الحق.
أو خوفًا، أو تقليدًا، أو عادة…

ولكنني متأكدة أن تلك الأفعال ـــ مهما كانت صغيرة ـــ قد عادت إلينا بشكلٍ ما، في وقتٍ ما.

أين البوصلة إذن؟

كيف نميّز الظلم من الحق حين يكتنف الضباب كل شيء؟
هل العقل كافٍ؟
لا أظنه كذلك. العقل بارع في التزييف، ومهارته في تبرير الأهواء لا تقل عن قدرته على التفكير.
هل النفس دليل موثوق؟
 لا أظن ذلك أيضًا. فهي تتلون، وتميل، وتضل.

ربما الحل يكمن في ما يشبه "تصحيح البصر"، ولكن ليس للعين… بل للبصيرة.

ألا يستخدم طبيب العيون مشرطًا دقيقًا لتعديل الرؤية؟
قد نحتاج نحن مشرطًا من نوعٍ آخر: التجربة.
أن نُظلم.أن نختبر هول الفعل، لا نظريًا، بل واقعيًا.
عندها، ينشأ بيننا وبين الظلم حاجز عميق، ليس خوفًا من ارتداده فقط، بل كراهية جوهرية له، تجعلنا نعيد النظر في كل فعل، في كل كلمة، لنتأكد أنها لا تحمل ظلًا من ظلم لأحد.

في تلك اللحظة، تصبح البصيرة درعًا. نتحاشى الظلم لا خوفًا لأن يعود الينا، بل نفورًا.
نرفضه لا لأننا نخشاه، بل لأننا لا نطيق صورته.

...لكن 

هل عمليات تصحيح النظر تدوم للأبد؟
لا أظن.
كذلك البصيرة، قد تبهت. قد يخفت نورها.
فما الذي يبقيها مشتعلة؟

...ربما الجواب الوحيد -الذي أعرفه حتىهذه اللحظة-: دوام الوعي، بدوام الشك

وربما هنالك اجابة اخرى لم اتوصل اليها؟....

No comments:

Post a Comment