لا، ليس كما تظن...
لا أتصوّر أننا جئنا إلى هذه الدنيا لنكون ملائكة تمشي على الأرض.
أدرك الفرق، وأعرف أن الله خلقنا على اختلافنا...
خلقنا بشرًا، وجعل فينا الخير والشر، النور والهوى، الرغبة والضعف، الصواب والخطأ.
لم يخلقنا نورًا مطلقًا كالملائكة، ولو شاء لخلقنا مثلهم.
لكنهم، وهم أهلٌ للنور، لم يُهبطوا إلى الأرض.
أما نحن، من تراب، فقد ظهرنا عليها.
لماذا؟
هل لأن الله شاء أن يرى فينا شيئًا لا يُرى في الملائكة؟
أن نُمنح القدرة على الشر، ثم نمنع أنفسنا عنه؟
أن نُخطئ، ثم نعود، فنفهم أن الخير ليس فرضًا، بل فيه خلاص؟
هل أرادنا أن نكتشف بأنفسنا أن نور الخير أجمل؟
أن نذوق الظلمة، فنختار الضوء... بل لأننا أحببناه؟
لو كنا من نور فقط، لما عرفنا قيمة النور...
ولما انجذبنا إليه.
أليس الشيء يُدرَك بنقيضه؟
لما اكتشفنا أن وجه الخير فيه شيء من الله،
وأن الحب، لا الخوف، هو ما يدفعنا نحوه.
فربما لم يُردنا أن نُقصي الشر تمامًا،
بل أن نراه، نستبصره، نفهمه، فنتجاوزه، ونختار عكسه بوعي...
أن نقف في تلك المنطقة الوسطى،
بين الخير والشر...
لسنا مقيّدين أو مدفوعين في أي جهة،
بل نحن مخيّرون،
مواجهون،
مطلّعون على الجانبين،
عارفون...
وربما... في كل شيء حولنا،
في كل تفصيلة من تفاصيل الخلق،
كان الله يدفعنا لأن نبصر،
أن نرى خلف الظواهر والصورة،
أن نُزيح غطاء السطح، وننظر تحت سجادة الدنيا عمّا خفي في العمق:
عن الأسرار، عن المعاني، عن أوجه الخير وأوجه الشر في كل شيء.
ربما لم يكن الغرض العقوبة، ولا الثواب، بل الإدراك...
أن نجرّب الطريقين، لنستدل على الطريق الذي يلائمنا.
أن نبصر الخير من خلال الشعور بغيابه،
وأن نجرّب الشر فننفر منه، بعدما نواجه عواقبه وإحساسه...
وأن نمشي في الخير، فنرى نور الله يظهر لنا كلّما مشينا.
فنُحبّ الله، لا لأنه أمرنا،
بل لأن قلوبنا ذاقت الحياة دونه، واستطعمت الحياة بوجوده...
... فعرفته... وعرفت الخير من خلاله... فأحبّته.
في كل شيء...
لم يُردنا الله مثاليين،
بل أرادنا أحرارًا،
واعين،
مدركين،
نفهم... فنختار.
نجده، أو نعود إليه، لا عبر الشرح والإلزام أو الفرض،
بل عبر التجربة،
لأن تأثير التجربة يفوق تأثير أي شيء آخر.
أحيانًا نسأل: ما الخير؟ وما الشر؟
لكن ربما السؤال الأعمق:
من الذي في داخلي يزن هذا؟
هل هي النفس التي تهوى؟ فتهوي بنا إلى الشر؟
أم الناس الذين يضعون قوانين الأرض؟ فيُضلّوننا؟
أم الروح التي تُحب الله حبًا صادقًا،
فتختار ما يُرضيه، لا لأنها تخافه، بل لأنها ببساطة تريد الاقتراب منه؟
خلقنا الله بشرًا...
نُخطئ ونُصيب، يسكننا الخير والشر.
وفي هذا الخليط، في هذا التناقض، يكمن سرّنا الحقيقي،
وإنسانيتنا،
وربما... سبب وجودنا.
فالخير يقودنا، أحرارًا، إلى الله،
أما الشر... فيسجننا، ويُقيّدنا، ويبقينا في الأرض.
No comments:
Post a Comment