أنظر إلى الأعلى، فيملأ اللون الأزرق
المشهد. ألتفتُ حولي، حيث أنا، فأجده يغمرني... هدوءٌ وسكينة وراحة لا متناهية.
يطمئنني ملمس الماء، ويبعث في نفسي سعادة غامرة،
وأنا أترك الأمواج تحركني كيفما
شاءت. للحظةٍ، تمنيتُ ألا أغادر هذا المكان أبدًا.
لكنني أتذكّر... لم آتِ اليوم لأبقى
على السطح.
كم من الوقت عشتُ هكذا؟ أطفو حيث
يأخذني الموج، أواكب وأتغير وأتلون، أتمسك بكل ما هو مألوف ومعروف، تمامًا مثلما
أتشبث الآن بهذا السطح. لطالما أحببتُ البحر، سكنتُ بجانبه وتأملته طويلًا، لكنني
بقيتُ بعيدة، خائفةً من الإبحار في داخله. أترى، حتى الأشياء التي نحبها، قد يظل
فينا خوفٌ خفيّ يمنعنا عنها.
لكنني اليوم أتيت لأتجاوز الصورة،
لأرى ما وراء المعروف، لأخوض تجربة مع الغيب الذي طالما خشيتُ أن يبتلعني لو
اقتربت. اليوم، جئت لأكتشف الأعماق.
أقول لنفسي "سأغوص"،
فيتفاقم الخوف في صدري ليصل إلى ذروته. أعرف أن هناك قرارات لو فكرنا فيها مليًا،
لما قمنا بها أبدًا. لذا، قبل أن أتراجع، أغمضتُ عينيّ لأغوص... ثم تساءلت فجأة:
كيف أغوص بعينين مغمضتين، والغاية من الغوص أن أرى؟ إذن، فلتكن شجاعة مضاعفة.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وغصتُ سريعًا.
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنني أصبحت "كلّيًا في الداخل"، فتحتُ عينيّ. السطح
جميل، لا شك. لكن الداخل... أكثر تفرّدًا. عالمٌ يعجّ بالحكايات. كائنات تمضي
لهدف، تبحث، تخاف، تقترب، وتبتعد. كلٌّ يحيا ويموت في بحره، بحرٌ يحاكي أرضنا
تمامًا.
وفجأة، صعقتني الحقيقة: أعماق هذا
البحر ليست سوى مرآة لأعماق أرواحنا.
لكن الفارق أنهم، على عكسنا، لا
يحنّون إلى السطح. بل يهربون منه، يتشبّثون بالعمق ويحتمون فيه، كأنهم بفطرتهم
أدركوا أن الباطن هو الوطن. أما نحن، فننبهر بالسطح، ننشده ونتمسك به، جاهلين أن
الأمان الذي نتوهمه عليه هو قمة الخطر. جاهلين أن هنالك حياة كاملة تحت أقدامنا
نخشاها.
عندها أدركتُ أن الشجاعة ليست غياب
الخوف، بل هي هذا الفعل تحديداً: أن تأخذ نفساً عميقاً رغم الرعب، وتفتح عينيك في
الأعماق لترى ما هو غير مرئي، وتكتشف أن الحياة الحقيقية كلها مخفية هناك، في
الجوهر لا في الظاهر.
لقد علمتني هذه التجربة شيئاً
واحداً: من فتح عينيه مرة ليرى جمال العمق، لن يبهره بريق السطح مجدداً.
ارتفعتُ بجسدي إلى السطح مرة أخرى.
نظرتُ حولي... ولم أنبهر كما كان يحدث عادةً. فبعدما رأيتُ روح الأزرق في أعماقه،
لم أعد أرى جماله في سطحه.
ومنذ تلك اللحظة، تحولت قصة حبي للبحر... من سطحه إلى عمقه.
No comments:
Post a Comment