في نسيج الحياة، لا توجد حقائق مطلقة. كل شيء يحمل في طياته نقيضه، لكن هذا
"النقيض" لا يظهر دائمًا على السطح، بل غالبًا ما يختبئ في كواليس ما لا
نرى. ما يضمره الكون وتخفيه الأنفس، قد يكون هو الجوهر الذي لم نكتشفه بعد. هذه
الفكرة، على الرغم من كونها مقلقة للوهلة الأولى، إلا أنها دعوة دائمة للبحث
والتساؤل.
أنا أؤمن أن الحقيقة تتجلى دائمًا،
لكنها غالبًا ما تفعل ذلك من وراء حجاب. لهذا، أبحث في خفايا الصورة، ولا أكتفي
بالأفعال الظاهرة وحدها. فالفعل قد لا يعكس بالضرورة نية الفاعل الحقيقية، وربما
كان مجرد زلة. حتى أمام أكثر الأشياء وضوحًا، تلك التي لا تحمل بذرة شك، أجد نفسي
أبحث عن جانب خفي، حتى لو كان احتمال وجوده لا يتجاوز 1% في نظر المنطق.
لكن، لا أخفيك سرًا، هذا النمط من
التفكير يضعني في مأزق حقيقي داخل مجتمع مقتنع بأنه يرى كل شيء، ويعرف كل شيء،
ويرى الحقائق جلية، وأن أحكامه لا تُخطئ. هذا المجتمع غالبًا لن يفهم سعينا الدائم
في الأماكن المظلمة، والأشياء المخفية، والجزء الآخر من الصورة الذي لا يُرى. لن
يفهم تساؤلاتنا المتكررة:
"ماذا لو؟"،
"ماذا إذا؟"
لن يفهم أن مخالفتنا للرأي السائد ليست رغبة في التمرد، بل نداء داخلي يخبرنا: "ربما هناك شيء آخر غير مرئي... ربما الحقيقة لم تظهر بعد... ربما الصورة غير مكتملة." إنها محاولة للاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان، حتى لو لم نستطع الإمساك بها بشكل كامل.
ربما خلف المسلمات والقناعات
الجماعية والأفكار السائدة والحقائق المطلقة، توجد حقائق وصور أخرى لم ترَ النور
بعد. ربما لم نأتِ إلى الحياة لنتبنى
أفكار من جاء قبلنا، بل لنصنع أفكارنا وحقائقنا، وأن نرى الحياة بأعيننا. فحين
نغادر، نغادر بتجربة عشناها بالفعل، بعد أن رأينا الحياة من منظورنا الخاص، لا من
أعينهم.
لم نأتِ إلى الدنيا لنعبد الله فقط
لأننا وجدنا قومًا قبلنا يعبدونه، فتعلمنا أن نعبده. لم نأتِ إلى الحياة لنعيش من
الخارج: نأكل ونشرب ونعمل، فقط لأنهم أخبرونا أن هكذا تُحيا الحياة.
وربما لم يكن هناك لونان في الدنيا
كما عشت أعوامًا أردد. ربما الأبيض والأسود لم يكونا يومًا ألوانًا، بل مجرد انعكاس
ضوء، ورؤية مشروطة بزاوية معينة. لهذا، من الأهمية بمكان أن نبحث في الجزء المظلم من
الأشياء، تلك الزوايا التي لم ترها العيون ولم يسلط عليها الضوء. لعلنا بهذا البحث
نعدّل رؤيتنا، نحايد....ونعطي كل جانب حقه في الظهور والفهم.
كثيرا ما اتسائل:
كيف يعتقد معظم الناس أنهم مُلمّون بالحقيقة ومُدركون لكل شيء؟
أعتقد أن الأمر يتجاوز مجرد الإدراك الحسي، فالقلب الذي يرى ببصيرته يدرك أنه لا
يرى كل شيء.
ربما يتعلق الأمر بما يُسمى "الغرور الأنا" (Ego)،
ذلك الغرور الذي يجعلنا نُصر على أننا نرى كل شيء، وأننا لا نخطئ التفسير، وأننا
نملك من الذكاء والحكمة ما يكفي لرؤية كل شيء بوضوح تام. الفكرة بأننا قد لا نرى
الحقيقة كاملة تُربكنا، وقد تُشعرنا بفقدان السيطرة، مما يدفعنا إلى التشبث
بآرائنا ورفض النظر إلى ما وراء الصورة المباشرة.
لكن كيف لنا أن ندعي الإحاطة بكل
شيء، والحياة قد خُلقت على مبدأ الغيب والغموض؟ على مبدأ التضامر والاختلاف
والتناقض والعمق؟ هناك سبع سماوات لا نرى منها إلا سطح أولها، وسبع طبقات من
الأرض لا نعيش إلا على جزء صغير منها. بحار ومحيطات وعوالم وكائنات لا نرى منها
سوى ذرة، ولا نعرف عنها إلا ما أُخبرنا به. فكيف لنا
أن نظن أننا نملك حقيقة أي شيء؟
الحقيقة التي نراها -في أوقات كثير- هي مجرد انعكاس
الأشياء في عقولنا.
إنها ما يفسره عقلنا لما يراه ببصره.
هذا التفسير هو ما نُطلق عليه "الحقيقة"، لكنها في النهاية قد تكون مجرد
حقيقة مبادئنا وتجاربنا.
إنها دائرتنا الخاصة، إنها
"نحن" وليس "العالم".
وربما لهذا نكتب. لأن العالم من حولنا قد لا يسمع، وإن سمع، فربما لن يتقبل.
الغاية من الكتابة ليست دائمًا الرغبة في التأثير، بل قد تكون حاجة ملحّة
للتعبير، للتنفيس، ولإخلاء مساحة بداخلنا كي نتمكن من أبسط أفعال الحياة:
التنفس. فحين تمتلئ أرواحنا بالأفكار والمشاعر، يصبح حتى النفس مجهودًا يحدث
بصعوبة.
وحين نكتب، قد نجد أنفسنا نسأل،
فتتوالد في أذهاننا أسئلة أخرى، وكأن هناك على الطرف الآخر من يرد. فنحن نتلبس
الطرف الآخر، ونستكشف الردود المحتملة التي قد نصل إليها. ربما تساعدنا الكتابة
على طرق جميع الأبواب، واكتشاف مختلف وجهات النظر.
وإن بدت الكتابة "وحدة"، فهي أجمل أنواع الوحدة. تلك الوحدة التي لا تحمل نقيضًا بداخلها، بل تتسع لنا، وتفتح لنا فضاءها الخاص، وتساعدنا على أن نُنبش، ونكتشف جميع الجوانب والجهات، وتجبرنا لأن نفكر....
No comments:
Post a Comment