أي أذى يبقى أثره أطول؟
أهو الجسدي الذي يترك ندبة، أم النفسي الذي يغور في الروح؟
إن السؤال بهذه الصيغة يضللنا عن الحقيقة.
فالفيصل ليس في نوع الأذى، بل في نية من أوقعه.
الأذى الناتج عن خطأ عابر أو زلة، قد يجرح، لكنه جرح يلتئم ، لأن لم يكن القصد منه الإضرار.
لكن ماذا عن الأذى الذي يُصمَّم بوعي بارد؟
ذلك الذي يراك فيه الفاعل مجرد أداة لغايته، ويدرك تمامًا حجم الألم الذي سيلحقه بك، ورغم ذلك يُقدم عليه؟
هذا هو الأذى الذي لا يندمل.
إنه لا يؤلمنا لأنه وقع،
بل لأنه كان مقصودًا.
"هنا، لا يعود الألم مجرد شعور، بل يصبح برهانًا على أننا كنا في حضرة "الشر.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ما هو الشر؟
هل هو فعل يرتكبه شخص "مُدرِك" لما يفعل؟
أم أن هناك فرقًا جوهريًا بين الإدراك والوعي؟
الإدراك هو رؤية السطح.
المُدرِك يرى الفعل، يرى أسبابه المباشرة، ويحسب نتائجه المادية. هو يرى "ماذا" يفعل، وقد يبرره لنفسه كـ"رد فعل" أو "وسيلة لغاية". لكنه في هذه اللحظة أعمى عن نفسه، هو يرى الفعل منعزلًا، لا يرى صورته هو في مرآة هذا الفعل. إنه يمارس الأذى وهو "مُدرِك"، لكنه ليس "واعيًا أو مبصرا".
أما الوعي، فهو الغوص في العمق.
هو أن ترى الفعل وترى ذاتك معه في آنٍ واحد. هو أن تدرك ليس فقط "ماذا" تفعل، بل "لماذا"، وما هو ثمنه على روحك أنت، وعلى روح الآخر. الوعي هو حضور الضمير، هو رؤية وجه الإنسان بل وجه الله فيمن تؤذيه، والشعور بصدى ألمه في داخلك.
إذًا، الشر ليس بالضرورة غيابًا للإدراك، بل هو انطفاء للوعي.
الشخص الذي يؤذي عن عمد ليس فاقدًا لعقله، بل هو "منسلخ عن روحه". إنه سجين اللحظة، محبوس في قفص رغبة أو فكرة أو غاية ، منعزل تمامًا عن حقيقته الأعمق.
وهنا نبتعد عن التفسير القائل بأن الشر هو مجرد "غياب للخير".
فالأمر أدق من ذلك.
بذرة الخير الفطرية موجودة داخلنا جميعا وداخل الشخص المؤذي ،ليست غائبة، بل هي "غير مضاءة". لم يكتشفها، لم يلامسها، وبالتالي لم يفعّلها.
هو يعيش على سطح الحياة، منهمكًا في أهوائه ومتطلبات دنياه، وهذه السطحية هي الباب الأوسع للشر، لأنها تحجب عنه رؤية روحه والله ورؤية الآخر ككيان "مثله، شبيه له" يستحق ألا يؤذى .
فما السبيل إذن؟
السبيل هو تفعيل فطرة الخير عبر رحلة العودة إلى الذات.
حين يقترب الإنسان من روحه الحقيقية، ويصغي إلى صوته الداخلي، فإنه يُشعل مصباح الوعي.
وحين يشتعل هذا المصباح، تبزغ البصيرة. ويفعل الخير
صاحب البصيرة لا يمكن أن يؤذي عن عمد، لأنه يرى نفسه في كل كائن. فلا يتبع قطيعًا ويرفض أن يكون أداة في يد أحد، فقد أصبح سيدًا لنفسه، معتزًا بتلك الروح الواعية التي تحيا بداخله ولا يريدها أن تتأذلى بأذى شخص اخر، تلك الروح التي تأنف من إلحاق الظلم بنفسها.
قبل أن تلحقه بالآخرين.
فأليس الشر، في جوهره، هو أذى يلحقه الإنسان بروحه أولاً
ثم ينعكس على العالم من حوله؟
اذا....
الخير فطرة، والشر هو أن تكون مُدرك لكل شيء، إلا ذاتك
----------------.
هل توافقني الرأي أم أن لديك فكرة اخرى ربما تكون أكثر دقة مما كتبت؟
No comments:
Post a Comment