2025/07/24

مرآة، سمكة، وقطار خاطئ

 
هل وقفتَ يومًا أمام مرآة؟
فتحت عينيك حتى آخرهما... حبستَ أنفاسك، علّقتَ البصر طويلًا...
ثم لم تجد شيئًا.
لا وجه، لا ملامح، لا أثر لك.
كأنك لم تكن.
فقط فراغٌ بارد يُحدّق بك.
هل جرّبت أن تنظر... ولا ترى نفسك؟
دعنا نترك المرآة للحظة.
هل حاولت أن تنتشل سمكةً من بحرها؟
أن ترفعها برفق إلى عالمٍ لا تعرفه، لا تفهمه، لا تستطيع التنفّس فيه؟
فتموت في كفّك، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تعرف أين تنتمي... ورفضت البقاء حيث لا تكون.
دع السمكة أيضًا.
هل ركبتَ قطارًا خطأ؟
أدركتَ لحظة تحرك العجلات أنك لست حيث يجب،
لكنك خفتَ أن تقف، أو استسلمتَ للمقعد، أو قلت في سرك: "سأتأقلم"...
فمضى بك القطار،
حتى انتهى بك في اللاشيء.
 هذه ليست مجرد تجارب، 
هذا هو "الكذب الذاتي".
  
 أن تكذب نفسك عليك، وتكذب أنت عليها، فتتناوبان الكذب.
وهنا يبدأ كل شيء: تقف أمام المرآة فلا تراك. 
 يصدر عنك صوت ليس لك، فتصدق أنه صوتك. 
 تكون أفعالك انعكاسًا لهم، للواقع، للآخرين... لا لك. 
 تبتسم مجاملةً لواقعك، بينما عيناك تفضحان دمار روحك. 
 تمضي في الحياة فقط لكي تمضي هي،
 وتلبس الموت رداءً أنيقًا تسميه "التأقلم". 
 تُسمّي كل الأشياء بغير أسمائها،
ليس لتغيّر الحقيقة، بل لتخفي نفسك. 
 أنت لا تخفي الحقيقة... أنت تدفن نفسك حيًا
ثم تنسى أين القبر.
 هل ما أكتبه قاسٍ؟ ربما...
 
 لكنه الحقيقة التي لا أخجل من الاعتراف بأنني عشتها
 وهنا أتساءل دائمًا: هل نفعل ذلك عن قصد ونية؟
هل نمارس الكذب على أنفسنا بوعي؟
أم أننا نفعل ذلك عن جهل؟
هل يمكن أننا في الأصل لا نعرف أنفسنا الحقيقية؟
هل كانت المرآة عكرة بالفعل؟ أم كانت أعيننا مغلقة؟
هل كانت السمكة لا تدرك أنها في البحر؟ أم أننا لم نعي تأثير اخراجها عليها؟
ربما لم يكن القطار بلا لافتة، بل نحن من لم نسأل أين يذهب؟
 كيف نُبدّل شيئًا لا نعرفه؟
كيف نُغيّر وجهًا لم نره يومًا؟
ربما نحن لم نكذب...؟
 
 لكن... حتى لو لم نعرف أنفسنا حق المعرفة، يظل هنالك صوت.همسة خافتة...
صوتٌ داخلي يوشوش... ينبض في أعمق نقطة فيك
ونحن في قرارة أنفسنا نعرف أنه أصدق من كل ضوضاء العالم.
هذا الصوت هو...أنت...
وهنا يكمن شكل الكذب الحقيقي: أننا نسمع هذا الصوت، وندرك أنه الحق..لكننا نصمّ آذاننا عنه.
نخبر أنفسنا أنه يضللنا، ونتجاهله...
فقط لكي لا نتحرك....
 خوفًا من مغادرة الأمان الزائف الذي نخشى فقدانه. ...
والمأساة ليست في جهل الصوت، بل في تجاهله ورفضه...
نسمعه، نعرف صدقه، ثم نُدير له ظهورنا.

 الخلاصة؟
لا تكن مثلي.
تنظر في المرآة فتلوم الزجاج.
تُخرج نفسك من محيطك، وتخنق فطرتك تحت شعار "التأقلم".
تركب القطار الخاطئ، وتُقنع نفسك بأن "القدر أدرى"، لا لأنك مؤمن، بل لأنك خائف.
لا تكن مثلي،
تلبس الزيف ثوب الحكمة، وتغسل الحقيقة بطلاء المجاملة،
ثم تقول لنفسك: "هكذا تسير الحياة".

وتذكّر:
أسوأ الكذب،
هو الذي تُمارسه على نفسك...
لأنك حين يخدعك الغريب، تتوجع..
وحين يخونك من تُحب، تنكسر...
لكن حين تكذب على نفسك 
أنت تختفي.
تدفن ذاتك، وتنسى أين كانت المقبرة.
...........................................

No comments:

Post a Comment