2025/07/27

لغة العيون أم لغة القلوب...؟

ربما يلزمنا دائمًا التجربة لنفهم، لنستوعب.
ولو أنها لم ترَ اليوم الشمس الحمراء، لربما كذّبت من أخبرها بأن هنالك شمسًا حمراء تؤثر في الفضاء حدّ أن تتلبّس لونه، وأن ذاكرة العيون تحفظها لدهشتها ولكنها قد تناساها.
أما القلب لن ينساها لأنها تركت أثرًا -شعوريا- 
فيه.

-------------------------------------

لم يكن هذا اليوم كباقي الأيام. أرادت الاختباء من صخب الحياة، من ضجيج الوجوه، ومن همس الأحاديث الذي يُشتّت إحساسها، ويُربك هدوءَها ويفصلها عن عالمها...جلست في سكونٍ تام، حضنٍ واسعٍ من السَّكنة والراحة، لحظاتٌ تروق لها كثيرًا، وتبحث عنها كثيرًا، وتصبو لها كثيرًا...

الحقيقة أنها في تلك اللحظات لم تكن تهرب من الناس، بل كانت تسعى للعزلة... ذلك المكان الذي يجمعها بالحياة التي تحبها... وتعيش فيها لحظاتٍ تُشبهها وتُشبع روحها... يتجدد بداخلها الشعور، يزداد الإحساس... تطمئن... تسكن... لحظات تُشبه روحها من الداخل، من الأعماق...

أوقاتٌ كانت تجمعها بذاك الحاضر في صمتها، الساكن في قلب سكونها،
ربما كانت في الحقيقة تختلي بنفسها لتجده...تجد صوته بداخلها، خافتًا ولكن مسموعًا، أثرٌ باقٍ، شعورٌ عميقٌ متأصلٌ غير 
معروف المصدر، ولكنه لا ينفصل عنها...ولهذا كانت تبحث دائمًا عن تلك اللحظات التي تغمرها بهذا الشعور...

وفي غمرة هذا السكون والشعور، وقعت عيناها على مكتبتها المكتظّة بالكتب والدفاتر والأوراق، ومن بين كل الأشياء وقعت عيناها على دفترٍ يتوسط الكتب الأخرى.
اقتربت منه بعناية، وأخرجته بتمهلٍ كي لا تُحرّك الكتب الأخرى...
عادت حيث كانت تجلس، وفتحته على مهل، وبدأت تُقلّب صفحاته.
خربشات، مقاطع نثر، وأوراق ملأتها حبرًا ذات شعور،
أشياء كتبتها يومًا، حفظتها سرًّا، خبأتها عمدًا... سترتها عن كل العيون... وربما عن عينها هي...بعض الأوراق بدا باهتًا، ولكن جميعها احتفظ بالمشاعرالتي كُتب بها.

قرأت عنوان احدى النصوص... فأمسكت تلقائيًا بالورقةٍ، بالقصة، بالشعور، البفكرة، بالحكاية التي أربكتها يوما ما، أخجلتها، فخبأتها بعناية، ربما من نفسها،
وأخذت تقرأ...
ابتسمت.. شعرت وكأنها تعيش نفس لحظة الشعور التي كُتب بها النص يوما...

فجأة، تسلل خيطٌ أحمر دافئ من النافذة الخارجية،
تفاجأت... فرفعت عينيها إليه، لتجد منظرًا لم تره من قبل.
الشمس اليوم كانت فريدة، مختلفة، مذهلة، دائرة ضخمة حمراء، كأن أحدًا أمسك بفرشاةٍ ولونها... بدت وكأنها انخفضت... نزلت من طبقات السماء لتقترب إلى الأرض، اليوم هي أقرب مما سبق...
أو هكذا تبدو على الأقل.
للحظة، تخيلت أنها لو مدّت يدها، لربما لمستها... وهل هي بحاجة لأن تلمسها ليصلها شعورها بها؟
وقفت تتأملها مذهولة، كطفلٍ يرى فراشة لأول مرة، يحاول الإمساك بها وهو لا يعلم أن بعض الأشياء لا تُمسك.

لم تتحرك، بينما شعاع الشمس الأحمر تسلّل وصبّ ضوءه على الورقة التي بين يديها
الورقة التي تحتفظ بحكاية حب... حب يظهر من نظرة عين، نظرة تفضح، لغة تُقال دون كلام... وإحساسٍ يبقى.
تذكرت الورقة... فرفعتها إلى مستوى عينيها، وقرأتها مرة أخيرة، وشعاع الشمس الأحمر ينعكس عليهما (هي والورقة)، يلامس الحروف السوداء فيمتزج بها ويدخل عينيها... فيجعلها ترى الكلمات بلونٍ مختلف...
وللحظة،
 شعرت بأن شيئًا تغيّر في النص... المشاعر كما هي، كما كُتبت، لم تتغيّر،
ولكن...
ربما...
كانت كل تلك السنوات مقدّمة لاكتشاف أن لغة العيون ليست لغة الحب...
وليست اللغة التي تبقى،
وليست اللغة التي تصدق...
 ليست لغة العيون هي اللغة الأعمق
بل
لغة الصمت
والأثر
والتأثير
والبُعد
والقلب
لغة الداخل
لا لغة الخارج =

اللغة التي نشعر بها لا التي نراها.....

لغة العيون قد تُخطئ، قد يختلف تفسيرها من عينٍ لعين... من زاوية رؤية لزاوية اخرى...
قد يُساء فهمها وتأويلها وتحليلها...
أما لغة القلب؟
وإن حيّرت،
فهي لا تكذب...
....وإن اختفى ما يُرى، إلا أن الشعور به يبقى...

...ظلت واقفة... سارحة... ذاهلة مما ترى... من الشعور... من لون الشمس... من تأثيرها في الفضاء وتأثّرها بها...
 وقفت جادة ظاهريًا في موقعها ...
 مندمجة بالكامل حدّ الذوبان في المشهد... وكأنها في تلك اللحظة انفصلت عن الخارج والتحمت بعالم شعوري اخر. ....

..
وحين بدأت الشمس في الغياب أخذت تردد في ذهنها:

ورغم أن الشمس اختفت،
ورغم أن ذاكرة العين قد تنسى ما شاهدت، إلا أن ذاكرة القلب لن تنسى...
ورغم أن العين قد تكذب يومًا ما رأت، إلا أن القلب سيُصدّق دومًا ما شعر...

No comments:

Post a Comment