هل يمكن للإنسان أن يمنح حبًا بلا شروط؟
أن يعطي دون انتظار، ويخلص دون مقابل؟
نحب أن نعتقد ذلك، وأن نصدق أن لدينا قدرة فطرية على المحبة لأجل المحبة.
لكن الواقع، كما تكشفه النفس البشرية، له رأي آخر.
منذ الطفولة، نتربى على معادلة واضحة: الحب مقابل الحب، والعطاء مقابل الاستحقاق.
نتعلم أن الحب لا يُمنح تلقائيًا، بل وفق شروط: القرب، الشبه، المنفعة، أو حتى الحاجة.
يرى بعض علماء النفس أن الحب في جوهره لا ينفصل عن المنفعة، فهو انعكاس لرغبتنا في الانتماء أو تحقيق الذات من خلال الآخر.
نحن لا نحب الآخر لذاته دائمًا، بل لما يضيفه إلى عالمنا، وكأننا نبحث عن أنفسنا في مرآته. وكأن الحب في كثير من الأحيان فعل أناني.
نراقب ميزان العلاقات، نمد أيدينا وننتظر المقابل.
...حتى من يدعون الحب غير المشروط، كثيرًا ما يربطونه بتبادل شعوري أو بشعور داخلي بالرضا.
السؤال الأهم هو: هل تسللت هذه المعادلة إلى علاقتنا بالله أيضًا؟
ربما نردد أن الله استثناء، وأنه وحده من نحبه دون غاية أو مقابل. لكن عندما نتمعن في سلوكنا، نكتشف أن كثيرًا من حبنا لله مشروط. نذكره حين نحتاج، نلجأ إليه في لحظات الخوف، ونعود إليه وقت الضيق. أما في الرخاء، فغالبًا ما يغيب عن وعينا، لا عن إنكار، بل عن فتور.
كثير منا يتعامل مع الله كطرف في صفقة صامتة. نحب طالما أحب، ونخلص طالما أعطى، ونطمئن طالما استجاب.
لكن ماذا لو لم يُعطِ؟ ماذا لو جاء النقيض؟ ماذا لو خسرنا ابنا، أو ابتُلينا بما لا نطيق صبرًا عليه؟
هل يبقى الحب حينها؟ أم أنه يخفت، يبهت، بل وقد يختفي؟
في تلك اللحظات، يتكشف جوهر الحب غير المشروط.
هو لا يُبنى على العطايا،
بل على قناعة داخلية بأن الحب ليس صفقة،
بل حالة.
أن تحب لأنك اخترت أن تحب، لا لأنك تنال شيئًا في المقابل.
هذا النوع من الحب لا يكون ضعفًا ولا تساهلًا، بل قدرة داخلية.
أن تمارس الحب لا كفعل خارجي،
بل كامتداد لما فيك.
تمامًا كالمطر،
ينزل لأنه اختار أن ينزل، لا يسأل عن الأرض ولا يفرق بين زهرة وشوك. هو لا يوزع ماءه بناءً على استحقاق، بل لأنه قرر أن يعطي.
كذلك حين نحب الله، ليس لأننا ننتظر، بل لأننا نعي أن في الحب ذاته كفايتنا. الله لا يحتاج حبنا، لكننا نحن نتهذب به، نطمئن، ونرتقي من خلاله.
ربما لا نبلغ هذا الحب تمامًا، لكننا نملك أن نقترب منه.
مجرد أن نعي المسافة بين حب المصلحة وحب القرب، بين المشروط والجوهر،
يجعلنا أقرب له....
الحب الخالص لا يعود علينا بمقابل مادي، بل يعود علينا داخليًا،
في شعورنا، في وضوح رؤيتنا، في هدوء نفوسنا، وفي المعنى الأعمق لوجودنا.
أي حياة تكون أكثر سلامًا وسعادة؟
تلك التي نعيشها متأهبين، منتظرين مقابلًا، أم تلك التي نعيشها ونحن نشعر أننا نحب بصدق ودون انتظار شيء،
لأن ما نشعر به هو المقابل والمكافأة التي تشبعنا؟
في النهاية، الحب هو أن تحب، لأنك تفعل ما تريد أن تفعله، ولأنك تجد في الحب منتهى كفايتك.
No comments:
Post a Comment