2025/07/31

أن تختار...

أنت تختار أن تبدأ.
لا خرائط في يدك، ولا أذنٌ تصغي للمحاذير.
تمضي، وكأن الإصرار وقودك الأوحد في مواجهة المجهول.

تحت قدميك، يئنُّ الحصى، ثم يغوص في رمالٍ تبتلع الخطى.
تتلوى أمامك الدروب كأفعى سامة، يترنح معها يقينك.
يرتفع في صدرك صوتٌ خفيٌّ يسأل: إلى أين؟ ما هي النهاية؟ هل ستصل إلى شيء أم ستضيع في العدم؟ أكانَ اختيارُكَ صائبًا؟

تحاول أن تصمَّ أذنيك، أن تواصل المسير.
وكلما أثقل التعب كاهلك، احتملتَ حجرًا جديدًا من على الدرب...
 حجارةٌ ثقيلةٌ ظننتها غنائم الرحلة، وثمار الصبر.

وفجأة...
تتوقف.
لا لأنك أردت،
بل لأن المضي صار مستحيلًا.
قدماك تنزفان، والطريق أمامك تلاشى في صحراء من اللاشيء. ظلامٌ يلتهم الأفق، وفراغٌ يملأ الحواس.
وأنت في المنتصف، وحيد.

تنظر إلى ما حملت.
إلى تلك الأحجار التي جلبتها من رحلتك.
بها، قررت أن تبني مأوىً يحميك من هذا الفراغ الموحش.
 لكن يديك المرتجفتين، وخبرتك المكتسبة من الضلال، لم تبنِ إلا جدارًا واحدًا.

تجثو أمامه، تتأمل عملك...
وتتساءل.
وفي تلك اللحظة القاسية من السكون،
تضربك الحقيقة كصاعقة: أنت لم تضل الطريق، بل كان الطريق نفسه ضلالًا.
كانت الخطوة الأولى هي الخطيئة الأصلية، وكل ما تلاها مجرد أصداءٍ لذلك الخطأ.

والحل؟
العودة...
أن تعود أدراجك، أن تتراجع عن كل هذا العناء لتمحو آثار الحاضر.

لكن الجدار الذي بنيته من ثمار رحلتك...
من تعبك وذاكرتك...
يقف الآن حاجزًا بينك وبين الوراء.
هو أثرك الوحيد—هويتكَ—وهو قيدك الأعظم.

أمامك خياران،
كلاهما أصعب: إما أن تواصل السير نحو العدم، فتصبح العودة مع كل خطوة أكثر استحالة،
أو
 أن تهدم ما بنيت، وتتكبد عناءً قد يفتت ما تبقى منك.

وفي لحظة صدقٍ ، تختار الهدم.

ترفع يدك لتهوي على أول حجر، فترتجف.
ليس خوفًا من الجهد، بل من فرط الوجع.
 كل حجر هو ذكرى، هو تعب، هو أملٌ زائف.
ومع كل حجر يسقط، تهوي قطعة من قلبك.
 تهدم مع الحائط أجزاء من حلمك، من ماضيك، ومنك أنت.
 إنه وجعٌ يتجاوز هدم الجماد،
إنه هدمٌ لذاتِك.

وكلما هدمتَ منه،
بدا الجدار أصلب،
كأنما أوهامك تتشبث بجذورها الأخيرة، مقاومةً الزوال.
لكنك تستمر...
تهدم... وتُهدَم.

وحين يسقط آخر حجر،
تعود...
تمشي إلى الوراء.
لتبدأ من النقطة التي ظننتَها بداية، بينما كانت هي النهاية

2025/07/30

الحب المشروط... حين نحب الله كما نحب الناس

هل يمكن للإنسان أن يمنح حبًا بلا شروط؟
أن يعطي دون انتظار، ويخلص دون مقابل؟

نحب أن نعتقد ذلك، وأن نصدق أن لدينا قدرة فطرية على المحبة لأجل المحبة.
لكن الواقع، كما تكشفه النفس البشرية، له رأي آخر.

منذ الطفولة، نتربى على معادلة واضحة: الحب مقابل الحب، والعطاء مقابل الاستحقاق.
نتعلم أن الحب لا يُمنح تلقائيًا، بل وفق شروط: القرب، الشبه، المنفعة، أو حتى الحاجة.
 يرى بعض علماء النفس أن الحب في جوهره لا ينفصل عن المنفعة، فهو انعكاس لرغبتنا في الانتماء أو تحقيق الذات من خلال الآخر.
نحن لا نحب الآخر لذاته دائمًا، بل لما يضيفه إلى عالمنا، وكأننا نبحث عن أنفسنا في مرآته. وكأن الحب في كثير من الأحيان فعل أناني.

نراقب ميزان العلاقات، نمد أيدينا وننتظر المقابل.
...حتى من يدعون الحب غير المشروط، كثيرًا ما يربطونه بتبادل شعوري أو بشعور داخلي بالرضا.

السؤال الأهم هو: هل تسللت هذه المعادلة إلى علاقتنا بالله أيضًا؟

ربما نردد أن الله استثناء، وأنه وحده من نحبه دون غاية أو مقابل. لكن عندما نتمعن في سلوكنا، نكتشف أن كثيرًا من حبنا لله مشروط. نذكره حين نحتاج، نلجأ إليه في لحظات الخوف، ونعود إليه وقت الضيق. أما في الرخاء، فغالبًا ما يغيب عن وعينا، لا عن إنكار، بل عن فتور.

كثير منا يتعامل مع الله كطرف في صفقة صامتة. نحب طالما أحب، ونخلص طالما أعطى، ونطمئن طالما استجاب.

لكن ماذا لو لم يُعطِ؟ ماذا لو جاء النقيض؟ ماذا لو خسرنا ابنا، أو ابتُلينا بما لا نطيق صبرًا عليه؟
هل يبقى الحب حينها؟ أم أنه يخفت، يبهت، بل وقد يختفي؟

في تلك اللحظات، يتكشف جوهر الحب غير المشروط.
هو لا يُبنى على العطايا،
بل على قناعة داخلية بأن الحب ليس صفقة،
بل حالة.
أن تحب لأنك اخترت أن تحب، لا لأنك تنال شيئًا في المقابل.

هذا النوع من الحب لا يكون ضعفًا ولا تساهلًا، بل قدرة داخلية.
أن تمارس الحب لا كفعل خارجي،
 بل كامتداد لما فيك.
تمامًا كالمطر،
ينزل لأنه اختار أن ينزل، لا يسأل عن الأرض ولا يفرق بين زهرة وشوك. هو لا يوزع ماءه بناءً على استحقاق، بل لأنه قرر أن يعطي.

كذلك حين نحب الله، ليس لأننا ننتظر، بل لأننا نعي أن في الحب ذاته كفايتنا. الله لا يحتاج حبنا، لكننا نحن نتهذب به، نطمئن، ونرتقي من خلاله.

ربما لا نبلغ هذا الحب تمامًا، لكننا نملك أن نقترب منه.
مجرد أن نعي المسافة بين حب المصلحة وحب القرب، بين المشروط والجوهر،
يجعلنا أقرب له....

الحب الخالص لا يعود علينا بمقابل مادي، بل يعود علينا داخليًا،
في شعورنا، في وضوح رؤيتنا، في هدوء نفوسنا، وفي المعنى الأعمق لوجودنا.

أي حياة تكون أكثر سلامًا وسعادة؟
تلك التي نعيشها متأهبين، منتظرين مقابلًا، أم تلك التي نعيشها ونحن نشعر أننا نحب بصدق ودون انتظار شيء،
لأن ما نشعر به هو المقابل والمكافأة التي تشبعنا؟

في النهاية، الحب هو أن تحب، لأنك تفعل ما تريد أن تفعله، ولأنك تجد في الحب منتهى كفايتك.

أن تحب الله في الرخاء، وفي الفقد.
أن تقول "أنا أحبك" حتى حين تبدو الحياة، بكل وجوهها، كأنها لا تحبك.
...هو أصدق اختبار للحب..


2025/07/29

لماذا نكتب؟

في نسيج الحياة، لا توجد حقائق مطلقة. كل شيء يحمل في طياته نقيضه، لكن هذا "النقيض" لا يظهر دائمًا على السطح، بل غالبًا ما يختبئ في كواليس ما لا نرى. ما يضمره الكون وتخفيه الأنفس، قد يكون هو الجوهر الذي لم نكتشفه بعد. هذه الفكرة، على الرغم من كونها مقلقة للوهلة الأولى، إلا أنها دعوة دائمة للبحث والتساؤل.

أنا أؤمن أن الحقيقة تتجلى دائمًا، لكنها غالبًا ما تفعل ذلك من وراء حجاب. لهذا، أبحث في خفايا الصورة، ولا أكتفي بالأفعال الظاهرة وحدها. فالفعل قد لا يعكس بالضرورة نية الفاعل الحقيقية، وربما كان مجرد زلة. حتى أمام أكثر الأشياء وضوحًا، تلك التي لا تحمل بذرة شك، أجد نفسي أبحث عن جانب خفي، حتى لو كان احتمال وجوده لا يتجاوز 1% في نظر المنطق.

لكن، لا أخفيك سرًا، هذا النمط من التفكير يضعني في مأزق حقيقي داخل مجتمع مقتنع بأنه يرى كل شيء، ويعرف كل شيء، ويرى الحقائق جلية، وأن أحكامه لا تُخطئ. هذا المجتمع غالبًا لن يفهم سعينا الدائم في الأماكن المظلمة، والأشياء المخفية، والجزء الآخر من الصورة الذي لا يُرى. لن يفهم تساؤلاتنا المتكررة: "ماذا لو؟"، "ماذا إذا؟"

لن يفهم أن مخالفتنا للرأي السائد ليست رغبة في التمرد، بل نداء داخلي يخبرنا: "ربما هناك شيء آخر غير مرئي... ربما الحقيقة لم تظهر بعد... ربما الصورة غير مكتملة." إنها محاولة للاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان، حتى لو لم نستطع الإمساك بها بشكل كامل.

ربما خلف المسلمات والقناعات الجماعية والأفكار السائدة والحقائق المطلقة، توجد حقائق وصور أخرى لم ترَ النور بعد. ربما لم نأتِ إلى الحياة لنتبنى أفكار من جاء قبلنا، بل لنصنع أفكارنا وحقائقنا، وأن نرى الحياة بأعيننا. فحين نغادر، نغادر بتجربة عشناها بالفعل، بعد أن رأينا الحياة من منظورنا الخاص، لا من أعينهم.

لم نأتِ إلى الدنيا لنعبد الله فقط لأننا وجدنا قومًا قبلنا يعبدونه، فتعلمنا أن نعبده. لم نأتِ إلى الحياة لنعيش من الخارج: نأكل ونشرب ونعمل، فقط لأنهم أخبرونا أن هكذا تُحيا الحياة.

وربما لم يكن هناك لونان في الدنيا كما عشت أعوامًا أردد. ربما الأبيض والأسود لم يكونا يومًا ألوانًا، بل مجرد انعكاس ضوء، ورؤية مشروطة بزاوية معينة. لهذا، من الأهمية بمكان أن نبحث في الجزء المظلم من الأشياء، تلك الزوايا التي لم ترها العيون ولم يسلط عليها الضوء. لعلنا بهذا البحث نعدّل رؤيتنا، نحايد....ونعطي كل جانب حقه في الظهور والفهم.

كثيرا ما اتسائل:
كيف يعتقد معظم الناس أنهم مُلمّون بالحقيقة ومُدركون لكل شيء؟
أعتقد أن الأمر يتجاوز مجرد الإدراك الحسي، فالقلب الذي يرى ببصيرته يدرك أنه لا يرى كل شيء
.

ربما يتعلق الأمر بما يُسمى "الغرور الأنا" (Ego)، ذلك الغرور الذي يجعلنا نُصر على أننا نرى كل شيء، وأننا لا نخطئ التفسير، وأننا نملك من الذكاء والحكمة ما يكفي لرؤية كل شيء بوضوح تام. الفكرة بأننا قد لا نرى الحقيقة كاملة تُربكنا، وقد تُشعرنا بفقدان السيطرة، مما يدفعنا إلى التشبث بآرائنا ورفض النظر إلى ما وراء الصورة المباشرة.

لكن كيف لنا أن ندعي الإحاطة بكل شيء، والحياة قد خُلقت على مبدأ الغيب والغموض؟ على مبدأ التضامر والاختلاف والتناقض والعمق؟ هناك سبع سماوات لا نرى منها إلا سطح أولها، وسبع طبقات من الأرض لا نعيش إلا على جزء صغير منها. بحار ومحيطات وعوالم وكائنات لا نرى منها سوى ذرة، ولا نعرف عنها إلا ما أُخبرنا به. فكيف لنا أن نظن أننا نملك حقيقة أي شيء؟

الحقيقة التي نراها -في أوقات كثير- هي مجرد انعكاس الأشياء في عقولنا. إنها ما يفسره عقلنا لما يراه ببصره. هذا التفسير هو ما نُطلق عليه "الحقيقة"، لكنها في النهاية قد تكون مجرد حقيقة مبادئنا وتجاربنا. إنها دائرتنا الخاصة، إنها "نحن" وليس "العالم".

وربما لهذا نكتب. لأن العالم من حولنا قد لا يسمع، وإن سمع، فربما لن يتقبل.
 الغاية من الكتابة ليست دائمًا الرغبة في التأثير، بل قد تكون حاجة ملحّة للتعبير، للتنفيس، ولإخلاء مساحة بداخلنا كي نتمكن من أبسط أفعال الحياة: التنفس. فحين تمتلئ أرواحنا بالأفكار والمشاعر، يصبح حتى النفس مجهودًا يحدث بصعوبة
.

وحين نكتب، قد نجد أنفسنا نسأل، فتتوالد في أذهاننا أسئلة أخرى، وكأن هناك على الطرف الآخر من يرد. فنحن نتلبس الطرف الآخر، ونستكشف الردود المحتملة التي قد نصل إليها. ربما تساعدنا الكتابة على طرق جميع الأبواب، واكتشاف مختلف وجهات النظر.

وإن بدت الكتابة "وحدة"، فهي أجمل أنواع الوحدة. تلك الوحدة التي لا تحمل نقيضًا بداخلها، بل تتسع لنا، وتفتح لنا فضاءها الخاص، وتساعدنا على أن نُنبش، ونكتشف جميع الجوانب والجهات، وتجبرنا لأن نفكر.... 

2025/07/27

لغة العيون أم لغة القلوب...؟

ربما يلزمنا دائمًا التجربة لنفهم، لنستوعب.
ولو أنها لم ترَ اليوم الشمس الحمراء، لربما كذّبت من أخبرها بأن هنالك شمسًا حمراء تؤثر في الفضاء حدّ أن تتلبّس لونه، وأن ذاكرة العيون تحفظها لدهشتها ولكنها قد تناساها.
أما القلب لن ينساها لأنها تركت أثرًا -شعوريا- 
فيه.

-------------------------------------

لم يكن هذا اليوم كباقي الأيام. أرادت الاختباء من صخب الحياة، من ضجيج الوجوه، ومن همس الأحاديث الذي يُشتّت إحساسها، ويُربك هدوءَها ويفصلها عن عالمها...جلست في سكونٍ تام، حضنٍ واسعٍ من السَّكنة والراحة، لحظاتٌ تروق لها كثيرًا، وتبحث عنها كثيرًا، وتصبو لها كثيرًا...

الحقيقة أنها في تلك اللحظات لم تكن تهرب من الناس، بل كانت تسعى للعزلة... ذلك المكان الذي يجمعها بالحياة التي تحبها... وتعيش فيها لحظاتٍ تُشبهها وتُشبع روحها... يتجدد بداخلها الشعور، يزداد الإحساس... تطمئن... تسكن... لحظات تُشبه روحها من الداخل، من الأعماق...

أوقاتٌ كانت تجمعها بذاك الحاضر في صمتها، الساكن في قلب سكونها،
ربما كانت في الحقيقة تختلي بنفسها لتجده...تجد صوته بداخلها، خافتًا ولكن مسموعًا، أثرٌ باقٍ، شعورٌ عميقٌ متأصلٌ غير 
معروف المصدر، ولكنه لا ينفصل عنها...ولهذا كانت تبحث دائمًا عن تلك اللحظات التي تغمرها بهذا الشعور...

وفي غمرة هذا السكون والشعور، وقعت عيناها على مكتبتها المكتظّة بالكتب والدفاتر والأوراق، ومن بين كل الأشياء وقعت عيناها على دفترٍ يتوسط الكتب الأخرى.
اقتربت منه بعناية، وأخرجته بتمهلٍ كي لا تُحرّك الكتب الأخرى...
عادت حيث كانت تجلس، وفتحته على مهل، وبدأت تُقلّب صفحاته.
خربشات، مقاطع نثر، وأوراق ملأتها حبرًا ذات شعور،
أشياء كتبتها يومًا، حفظتها سرًّا، خبأتها عمدًا... سترتها عن كل العيون... وربما عن عينها هي...بعض الأوراق بدا باهتًا، ولكن جميعها احتفظ بالمشاعرالتي كُتب بها.

قرأت عنوان احدى النصوص... فأمسكت تلقائيًا بالورقةٍ، بالقصة، بالشعور، البفكرة، بالحكاية التي أربكتها يوما ما، أخجلتها، فخبأتها بعناية، ربما من نفسها،
وأخذت تقرأ...
ابتسمت.. شعرت وكأنها تعيش نفس لحظة الشعور التي كُتب بها النص يوما...

فجأة، تسلل خيطٌ أحمر دافئ من النافذة الخارجية،
تفاجأت... فرفعت عينيها إليه، لتجد منظرًا لم تره من قبل.
الشمس اليوم كانت فريدة، مختلفة، مذهلة، دائرة ضخمة حمراء، كأن أحدًا أمسك بفرشاةٍ ولونها... بدت وكأنها انخفضت... نزلت من طبقات السماء لتقترب إلى الأرض، اليوم هي أقرب مما سبق...
أو هكذا تبدو على الأقل.
للحظة، تخيلت أنها لو مدّت يدها، لربما لمستها... وهل هي بحاجة لأن تلمسها ليصلها شعورها بها؟
وقفت تتأملها مذهولة، كطفلٍ يرى فراشة لأول مرة، يحاول الإمساك بها وهو لا يعلم أن بعض الأشياء لا تُمسك.

لم تتحرك، بينما شعاع الشمس الأحمر تسلّل وصبّ ضوءه على الورقة التي بين يديها
الورقة التي تحتفظ بحكاية حب... حب يظهر من نظرة عين، نظرة تفضح، لغة تُقال دون كلام... وإحساسٍ يبقى.
تذكرت الورقة... فرفعتها إلى مستوى عينيها، وقرأتها مرة أخيرة، وشعاع الشمس الأحمر ينعكس عليهما (هي والورقة)، يلامس الحروف السوداء فيمتزج بها ويدخل عينيها... فيجعلها ترى الكلمات بلونٍ مختلف...
وللحظة،
 شعرت بأن شيئًا تغيّر في النص... المشاعر كما هي، كما كُتبت، لم تتغيّر،
ولكن...
ربما...
كانت كل تلك السنوات مقدّمة لاكتشاف أن لغة العيون ليست لغة الحب...
وليست اللغة التي تبقى،
وليست اللغة التي تصدق...
 ليست لغة العيون هي اللغة الأعمق
بل
لغة الصمت
والأثر
والتأثير
والبُعد
والقلب
لغة الداخل
لا لغة الخارج =

اللغة التي نشعر بها لا التي نراها.....

لغة العيون قد تُخطئ، قد يختلف تفسيرها من عينٍ لعين... من زاوية رؤية لزاوية اخرى...
قد يُساء فهمها وتأويلها وتحليلها...
أما لغة القلب؟
وإن حيّرت،
فهي لا تكذب...
....وإن اختفى ما يُرى، إلا أن الشعور به يبقى...

...ظلت واقفة... سارحة... ذاهلة مما ترى... من الشعور... من لون الشمس... من تأثيرها في الفضاء وتأثّرها بها...
 وقفت جادة ظاهريًا في موقعها ...
 مندمجة بالكامل حدّ الذوبان في المشهد... وكأنها في تلك اللحظة انفصلت عن الخارج والتحمت بعالم شعوري اخر. ....

..
وحين بدأت الشمس في الغياب أخذت تردد في ذهنها:

ورغم أن الشمس اختفت،
ورغم أن ذاكرة العين قد تنسى ما شاهدت، إلا أن ذاكرة القلب لن تنسى...
ورغم أن العين قد تكذب يومًا ما رأت، إلا أن القلب سيُصدّق دومًا ما شعر...

2025/07/26

الظلم - تصحيح بصر البصيرة

أصبحت أرى أن اجتنابنا للظلم ليس دومًا بدافع الصلاح أو التقوى، بل كثيرًا ما يكون بدافع الخوف. نخشى أن تعود بنا الأيام، وتتشابه المواقف، ونتبدل من موقع القوي إلى موقع الضعيف، من الظالم إلى المظلوم. هذا الخوف لا يأتي من فراغ، بل من تجارب شاهدناها تتكرر مرارًا في وجوه متعددة: من ظلم يعود على صاحبه، ومن قوة تنقلب إلى ضعف، ومن ظلمٍ لا ينسى.

تأثير الظلم على النفس، كما أراه، أشد وأبقى من أثره على من وقع عليه. فحين نكون نحن الظالمين، نزرع في داخلنا بذرة قلق لا تموت، حتى لو خفيت عنا لبعض الوقت.

لهذا السبب، أشفق على الظالم. ليس من باب التبرير، بل من باب الإدراك:  أن ما ارتكبه سيعود إليه بطريقة تفوق تصوره. قوته اليوم ستهوي، ويده الباطشة ستُكف، وسيجد نفسه ذات يوم في الموقف ذاته الذي أساء فيه، لكن في الجهة المقابلة... في موضع الضحية. وهنا، قد يُظلم فعلًا، وقد يكون ما يحدث له ثمنًا مستحقًا، ونحن ـــ حتى إن رأيناه مظلومًا ـــ لن نملك الجزم.

لكن، كل هذا ليس هو لبّ المعضلة.

المأزق الحقيقي يبدأ حين يتلبس الحق بالباطل

هناك مساحة شديدة الخطورة، ضبابية، رمادية، تلك التي لا نستطيع أن نميز فيها بين الظلم والحق. حيث يكون الخط الفاصل بينهما دقيقًا لدرجة أنه يكاد يتلاشى. هناك، يظن الظالم أنه على صواب. يواصل طريقه بقلب مطمئن، دون قلق، دون تردد، لأن عقله أقنعه أنه لا يقترب من موضع الخطيئة.

هذا النوع من الظلم هو الأخطر: ظلم مغلف بقناعة داخلية راسخة، لا شك فيها. ظلم لا يرى صاحبه أنه ظلم أصلًا. ومن يعيش في هذه البقعة المظلمة قد لا يفيق منها أبدًا، لأنه لا يرى نورًا ليقصد إليه، ولا يشك بما يفعل، بل ربما يظن أنه مأجور عليه.

لعل هؤلاء هم من وصفهم الله: "وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، لأن ظلمهم خرج من جهلٍ مركّب، وظلمة داخلية حالت بينهم وبين إدراك أفعالهم.

فكيف يمكن إنقاذهم؟ وهل نملك أن نمد إليهم يدًا؟ هل نضيء لهم الغرفة المظلمة، ونرشدهم ليروا أنفسهم كما هي؟ أم أن الظلمة ترعبنا نحن فنفر منها، ونتركهم يغرقون في وحلها وحدهم؟

وما الذي يحدث لو مددنا يدنا، وأعطينا كل ما نملك، ثم أصرّوا على البقاء؟ لا عن قصد، بل عن جهل؟
ماذا لو كنا في أماكنهم؟ هل كنا سنتمسك بما نعرف، حتى لو كان ظلمة، لأننا لم نذق النور؟

وربما، مارسنا الظلم نحن أيضًا...

ربما ظلمنا أحدًا بكلمة لم نُدرك أثرها.
أو بحكم أطلقناه .
ربما بصمتنا في موقفٍ كان يجب أن يُقال فيه الحق.
أو خوفًا، أو تقليدًا، أو عادة…

ولكنني متأكدة أن تلك الأفعال ـــ مهما كانت صغيرة ـــ قد عادت إلينا بشكلٍ ما، في وقتٍ ما.

أين البوصلة إذن؟

كيف نميّز الظلم من الحق حين يكتنف الضباب كل شيء؟
هل العقل كافٍ؟
لا أظنه كذلك. العقل بارع في التزييف، ومهارته في تبرير الأهواء لا تقل عن قدرته على التفكير.
هل النفس دليل موثوق؟
 لا أظن ذلك أيضًا. فهي تتلون، وتميل، وتضل.

ربما الحل يكمن في ما يشبه "تصحيح البصر"، ولكن ليس للعين… بل للبصيرة.

ألا يستخدم طبيب العيون مشرطًا دقيقًا لتعديل الرؤية؟
قد نحتاج نحن مشرطًا من نوعٍ آخر: التجربة.
أن نُظلم.أن نختبر هول الفعل، لا نظريًا، بل واقعيًا.
عندها، ينشأ بيننا وبين الظلم حاجز عميق، ليس خوفًا من ارتداده فقط، بل كراهية جوهرية له، تجعلنا نعيد النظر في كل فعل، في كل كلمة، لنتأكد أنها لا تحمل ظلًا من ظلم لأحد.

في تلك اللحظة، تصبح البصيرة درعًا. نتحاشى الظلم لا خوفًا لأن يعود الينا، بل نفورًا.
نرفضه لا لأننا نخشاه، بل لأننا لا نطيق صورته.

...لكن 

هل عمليات تصحيح النظر تدوم للأبد؟
لا أظن.
كذلك البصيرة، قد تبهت. قد يخفت نورها.
فما الذي يبقيها مشتعلة؟

...ربما الجواب الوحيد -الذي أعرفه حتىهذه اللحظة-: دوام الوعي، بدوام الشك

وربما هنالك اجابة اخرى لم اتوصل اليها؟....

الحب...الحرية

قرأتُ كثيرًا تلك المقولة التي تجزم بأن:
"الحبّ يُحرّر"...

لكنني لم أفهمها.
لم يستوعبها عقلي،
لم تصل إليّ،
لم أتّصل بها،
لم أتوحّد مع الفكرة،
وربما... لم أتقبّلها.

كيف للحب أن يحرّر،
وهو في جوهره ارتباط وامتلاك؟

أليس هو تملّك واحتواء؟
اندماجٌ في المحبوب،
سعيٌ للاقتراب،
وتلاشٍ في الآخر؟
كيف لشيء نتمسّك به، ويتمسّك بنا، أن يكون خلاصًا؟
كيف لما يأسرنا، ويشدّنا، ويغمرنا، ويتملّكنا... أن يحرّرنا؟

لكن... في حبك، فهمت.
أدركت،
أيقنت،
أن الحبّ لا يعني القيد،
بل هو،
 في جوهره،
  تحرّر.

هو إطلاقٌ لا تقييد،
هو فسحة، لا سجن.
هو أن ترى مصلحة الآخر بعقلك،
لا بتهوّر مشاعرك.
هو أن تفتح الأبواب كلّها لمن تحب،
أن تراقبه وهو يطير،
وألا تمسك به،
ولا تلحقه،
ولا تلاحقه...

ليس لأن الحب ناقص،
بل لأنه كامل.
غامر،
وإذا سُمح له،
سيفيض على الدنيا بأكملها...

لكنك لا تريد أن تكون قيدًا،
ولا نهاية،
ولا حبلًا يشدّه إلى الأرض،
ولا ذريعة لقصّ جناحيه باسم الحب.

بل تريده أن يحلّق،
أن يرتفع،
أن يستمر،
أن يرى العالم من الأعالي،
ويراه العالم يعلو.
حتى إن ابتعد،
حتى إن غاب،
حتى إن لم تعُد تراه.

فالحب الحقيقي لا يعرف الأنانية.
لا يقول: "أنا أولًا"،
بل يقول: "من أحبّ... أولًا، دائمًا."

الحبّ الحقيقي لا يمنع الطيران،
بل يفتح لك السماء،
يشير إلى الأفق،
ويبتسم لك،
حتى لو كان قلبه يتمزّق،
فلن يُريك ألمه،
كي لا تُقفل جناحيك،
وتتوقّف عن الطيران.

الحب الحقيقي يحرّر،
يحرّر المُحب أيضًا.

ينسف مفهوم الحب المؤذي،
ذلك الذي يتّكئ على التعلّق،
ويستند إلى الحاجة والاحتياج.

هو الحبّ كما يجب أن يكون:
خلاص،
وإخلاص،
بلا غاية،
ولا مردود،
ولا سبب...

هو الحب الذي يحرّرك من نفسك،
من أفكارك،
من تعلّقاتك،
لأنك، حين تحرّر هذا الحب،
تدرك أنك قد أطلقت سراح أهمّ شيء في حياتك.
فهل ثمة ما هو أعظم لتتمسّك به؟

نعم، تلزمنا التجربة.
تلزمني -أنا- دائمًا لأقتنع،
فأنا لا أُؤمن بالكلمات وحدها،
ولا بالأمثال أو الحكم،
أو النصائح
بل أحتاج أن أخوض،
أن أشعر،
أن أندمج،
لأفهم...
وأرى...
 ثم أبني قناعاتي 

والآن فقط، اقتنعت.
أن الحبّ يحرّر.
ولكن
سأضيف ما لم يخبروننا به:
... الحب، وإن حرّر، لا يُطفئ أثر الوجع الذي خلّفه...حين حرر.

2025/07/24

مرآة، سمكة، وقطار خاطئ

 
هل وقفتَ يومًا أمام مرآة؟
فتحت عينيك حتى آخرهما... حبستَ أنفاسك، علّقتَ البصر طويلًا...
ثم لم تجد شيئًا.
لا وجه، لا ملامح، لا أثر لك.
كأنك لم تكن.
فقط فراغٌ بارد يُحدّق بك.
هل جرّبت أن تنظر... ولا ترى نفسك؟
دعنا نترك المرآة للحظة.
هل حاولت أن تنتشل سمكةً من بحرها؟
أن ترفعها برفق إلى عالمٍ لا تعرفه، لا تفهمه، لا تستطيع التنفّس فيه؟
فتموت في كفّك، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تعرف أين تنتمي... ورفضت البقاء حيث لا تكون.
دع السمكة أيضًا.
هل ركبتَ قطارًا خطأ؟
أدركتَ لحظة تحرك العجلات أنك لست حيث يجب،
لكنك خفتَ أن تقف، أو استسلمتَ للمقعد، أو قلت في سرك: "سأتأقلم"...
فمضى بك القطار،
حتى انتهى بك في اللاشيء.
 هذه ليست مجرد تجارب، 
هذا هو "الكذب الذاتي".
  
 أن تكذب نفسك عليك، وتكذب أنت عليها، فتتناوبان الكذب.
وهنا يبدأ كل شيء: تقف أمام المرآة فلا تراك. 
 يصدر عنك صوت ليس لك، فتصدق أنه صوتك. 
 تكون أفعالك انعكاسًا لهم، للواقع، للآخرين... لا لك. 
 تبتسم مجاملةً لواقعك، بينما عيناك تفضحان دمار روحك. 
 تمضي في الحياة فقط لكي تمضي هي،
 وتلبس الموت رداءً أنيقًا تسميه "التأقلم". 
 تُسمّي كل الأشياء بغير أسمائها،
ليس لتغيّر الحقيقة، بل لتخفي نفسك. 
 أنت لا تخفي الحقيقة... أنت تدفن نفسك حيًا
ثم تنسى أين القبر.
 هل ما أكتبه قاسٍ؟ ربما...
 
 لكنه الحقيقة التي لا أخجل من الاعتراف بأنني عشتها
 وهنا أتساءل دائمًا: هل نفعل ذلك عن قصد ونية؟
هل نمارس الكذب على أنفسنا بوعي؟
أم أننا نفعل ذلك عن جهل؟
هل يمكن أننا في الأصل لا نعرف أنفسنا الحقيقية؟
هل كانت المرآة عكرة بالفعل؟ أم كانت أعيننا مغلقة؟
هل كانت السمكة لا تدرك أنها في البحر؟ أم أننا لم نعي تأثير اخراجها عليها؟
ربما لم يكن القطار بلا لافتة، بل نحن من لم نسأل أين يذهب؟
 كيف نُبدّل شيئًا لا نعرفه؟
كيف نُغيّر وجهًا لم نره يومًا؟
ربما نحن لم نكذب...؟
 
 لكن... حتى لو لم نعرف أنفسنا حق المعرفة، يظل هنالك صوت.همسة خافتة...
صوتٌ داخلي يوشوش... ينبض في أعمق نقطة فيك
ونحن في قرارة أنفسنا نعرف أنه أصدق من كل ضوضاء العالم.
هذا الصوت هو...أنت...
وهنا يكمن شكل الكذب الحقيقي: أننا نسمع هذا الصوت، وندرك أنه الحق..لكننا نصمّ آذاننا عنه.
نخبر أنفسنا أنه يضللنا، ونتجاهله...
فقط لكي لا نتحرك....
 خوفًا من مغادرة الأمان الزائف الذي نخشى فقدانه. ...
والمأساة ليست في جهل الصوت، بل في تجاهله ورفضه...
نسمعه، نعرف صدقه، ثم نُدير له ظهورنا.

 الخلاصة؟
لا تكن مثلي.
تنظر في المرآة فتلوم الزجاج.
تُخرج نفسك من محيطك، وتخنق فطرتك تحت شعار "التأقلم".
تركب القطار الخاطئ، وتُقنع نفسك بأن "القدر أدرى"، لا لأنك مؤمن، بل لأنك خائف.
لا تكن مثلي،
تلبس الزيف ثوب الحكمة، وتغسل الحقيقة بطلاء المجاملة،
ثم تقول لنفسك: "هكذا تسير الحياة".

وتذكّر:
أسوأ الكذب،
هو الذي تُمارسه على نفسك...
لأنك حين يخدعك الغريب، تتوجع..
وحين يخونك من تُحب، تنكسر...
لكن حين تكذب على نفسك 
أنت تختفي.
تدفن ذاتك، وتنسى أين كانت المقبرة.
...........................................

2025/07/23

الخير فطرة، والشر؟

أي أذى يبقى أثره أطول؟
أهو الجسدي الذي يترك ندبة، أم النفسي الذي يغور في الروح؟

إن السؤال بهذه الصيغة يضللنا عن الحقيقة.
فالفيصل ليس في نوع الأذى، بل في نية من أوقعه.
الأذى الناتج عن خطأ عابر أو زلة، قد يجرح، لكنه جرح يلتئم ، لأن لم يكن القصد منه الإضرار.

لكن ماذا عن الأذى الذي يُصمَّم بوعي بارد؟
 ذلك الذي يراك فيه الفاعل مجرد أداة لغايته، ويدرك تمامًا حجم الألم الذي سيلحقه بك، ورغم ذلك يُقدم عليه؟
هذا هو الأذى الذي لا يندمل.
 إنه لا يؤلمنا لأنه وقع،
بل لأنه كان مقصودًا.
 "هنا، لا يعود الألم مجرد شعور، بل يصبح برهانًا على أننا كنا في حضرة "الشر.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ما هو الشر؟
هل هو فعل يرتكبه شخص "مُدرِك" لما يفعل؟
أم أن هناك فرقًا جوهريًا بين الإدراك والوعي؟

الإدراك هو رؤية السطح.
المُدرِك يرى الفعل، يرى أسبابه المباشرة، ويحسب نتائجه المادية. هو يرى "ماذا" يفعل، وقد يبرره لنفسه كـ"رد فعل" أو "وسيلة لغاية". لكنه في هذه اللحظة أعمى عن نفسه، هو يرى الفعل منعزلًا، لا يرى صورته هو في مرآة هذا الفعل. إنه  يمارس الأذى وهو "مُدرِك"، لكنه ليس "واعيًا أو مبصرا".

أما الوعي، فهو الغوص في العمق.
هو أن ترى الفعل وترى ذاتك معه في آنٍ واحد. هو أن تدرك ليس فقط "ماذا" تفعل، بل "لماذا"، وما هو ثمنه على روحك أنت، وعلى روح الآخر. الوعي هو حضور الضمير، هو رؤية وجه الإنسان بل وجه الله فيمن تؤذيه، والشعور بصدى ألمه في داخلك.

إذًا، الشر ليس بالضرورة غيابًا للإدراك، بل هو انطفاء للوعي.
الشخص الذي يؤذي عن عمد ليس فاقدًا لعقله، بل هو "منسلخ عن روحه". إنه سجين اللحظة، محبوس في قفص رغبة أو فكرة أو غاية ، منعزل تمامًا عن حقيقته الأعمق.

وهنا نبتعد عن التفسير القائل بأن الشر هو مجرد "غياب للخير".
فالأمر أدق من ذلك.
بذرة الخير الفطرية موجودة داخلنا جميعا وداخل الشخص المؤذي ،ليست غائبة، بل هي "غير مضاءة". لم يكتشفها، لم يلامسها، وبالتالي لم يفعّلها.
هو يعيش على سطح الحياة، منهمكًا في أهوائه ومتطلبات دنياه، وهذه السطحية هي الباب الأوسع للشر، لأنها تحجب عنه رؤية روحه والله ورؤية الآخر ككيان "مثله، شبيه له" يستحق ألا يؤذى .

فما السبيل إذن؟
السبيل هو
تفعيل فطرة الخير عبر رحلة العودة إلى الذات.
حين يقترب الإنسان من روحه الحقيقية، ويصغي إلى صوته الداخلي، فإنه يُشعل مصباح الوعي.
وحين يشتعل هذا المصباح، تبزغ البصيرة. ويفعل الخير
 صاحب البصيرة لا يمكن أن يؤذي عن عمد، لأنه يرى نفسه في كل كائن. فلا يتبع قطيعًا ويرفض أن يكون أداة في يد أحد، فقد أصبح سيدًا لنفسه، معتزًا بتلك الروح الواعية التي تحيا بداخله ولا يريدها أن تتأذلى بأذى شخص اخر، تلك الروح التي تأنف من إلحاق الظلم بنفسها.
قبل أن تلحقه بالآخرين.

 فأليس الشر، في جوهره، هو أذى يلحقه الإنسان بروحه أولاً
ثم ينعكس على العالم من حوله؟

اذا....

الخير فطرة، والشر هو أن تكون مُدرك لكل شيء، إلا ذاتك
----------------.

هل توافقني الرأي أم أن لديك فكرة اخرى ربما تكون أكثر دقة مما كتبت؟ 

2025/07/22

القفص

هل سبق لك أن راقبت طائرًا يحلق؟

في حركته البسيطة، وفي عودته وهدوئه وهو يرتفع، ثم يهبط، تكمن قدرة غريبة على الانتقال بين الأرض والسماء وكأنها مجرد شهيق وزفير. هذا المشهد يثير فينا التساؤل، ليس عن الطائر، بل عن أنفسنا.

ما الذي يجعلنا نغبط الطيور؟ هل هي قدرتها على الطيران أم خفتها وحريتها؟ أم أن في أعماقنا تكمن ذكرى خافتة لروحنا التي كانت تعرف الطيران يومًا ما، لكنها نسيت؟

يقول جلال الدين الرومي: "الروح طائر، والجسد قفص."

هذه العبارة ليست مجرد تشبيه شعري، بل هي مفتاح لسؤال عميق: هل نحن في سجن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو القيد الحقيقي الذي يحبسنا؟

لطالما اعتقدت أن الخوف هو السجن، هو ما يمنع الروح من التحليق. لكنني اليوم أتساءل: ماذا لو كان الخوف هو الجسر أيضًا؟ الطائر لا يطير لأنه شجاع، بل لأنه لو لم يطر، سيسقط. وبالمثل، نحن لا نبحث عن روحنا هربًا من شيء، بل لأن هناك خطرًا داخليًا يهددنا إذا بقينا على الأرض لفترة طويلة.

ربما لم تُولد الروح حرة، بل وُلدت في جسد وسط عالم مادي، ثم تبدأ رحلة التذكّر عبر الألم والضيق. تتذكر أن لديها أجنحة، وأن الألم ليس عقابًا، بل دافع، وأن القفص ليس قيدًا أبديًا، بل هو اختبار للوعي.

أتأمل كثيرًا هذا السؤال: هل لا يولد وعينا إلا من داخل القفص؟ هل لا نكتشف أعماق روحنا إلا عندما تضيق بنا الحياة، فنلهث بحثًا عن هواء لا يأتي إلا من الأعالي؟

قد يكون هذا هو سر التوازن: أن لا نعيش على الأرض بلا روح، ولا نحلق في السماء دون أن نترك أثرًا. أن نعيش بين العالمين، نحمل أجسادنا برفق، لكن دون أن ننسى أن أرواحنا تعرف طريق العودة.

فالقفص، مهما ضاق، لا يصنع سجينًا، إلا إذا صدّق المرء أنه بلا أجنحة. الحرية ليست في الهروب من الجسد، بل في الحضور الكامل فيه، مع عدم نسيان أن لنا موطنًا آخر.

ربما كان الهدف من كل هذا القفص... أن نشتاق للطيران.

2025/07/20

هل الاشتياق مرتبطٌ بالتجربة؟

هل الاشتياق مرتبطٌ بالتجربة؟
مرهونٌ بما عشناه؟
مقترنٌ بما نعرف؟

 نحن لا نشتاق عبثًا.
نشتاق لشعورٍ اختبرناه،
لتجربةٍ مررنا بها،
لمشهدٍ احتُبس في الذاكرة ولم يغادرنا.
لصورة،
للمسة،
لوجه،
للحظة،
لفكرة،
لكلمة،
لرائحة،
للقاء،
لالتفاتة،

لكن، كيف نشتاق لما لم نتوقف عنده؟
لما مررنا به مرورًا عابرًا،
كأن أعيننا لم تلتفت،
رغم أن شيئًا خفيًّا فينا كان قد فعل...

كيف يهفو القلب لمن نظرنا إليه من بعيد،
لكننا لم نقترب؟
كيف نشتاق لمن لم نمشِ معهم على ذات الأرض،
ولم يجمعنا بهم طريق،
ولا ذكرى،
ولا صورة،
ولا مشهد؟

كل ما بيننا وبينهم:
المسافة...
وفرط الاستحالة.

كيف نشتاق لما نجهل؟
أهو العقل، يرسم صورةً من الخيال، ثم يبحث عنها في الواقع وكأنها كانت دائمًا هناك؟
أهو الحنين للغموض؟
للأسرار؟
لما لم يُكتشف بعد؟

أهو فضولنا الإنساني،
ذلك الذي يعشق الأبواب المغلقة،
والصور الضبابية،
والحكايات التي لم تُكمل؟

أم هي أرواحنا،
ترى ما لا نراه،
وتطلب ما لا نفهمه،
وتتمرد على قراراتنا،
وتُشعل فينا نيران شوقٍ
لا نعرف سببه،
ولا نملك له تفسيرًا؟

نعم، كتبت عن الاشتياق...
وها أنا أكتب من جديد.
وأشعر أن المعاني تتكرر،
وأن الصور تتشابه،
وأن المجاز يعيد نفسه.

لكن، هنالك نصوص لا تُكتب لأننا أردنا كتابتها،
بل لأنها أصرّت أن تُكتب.
قرعت الداخل،
وألحت،
فاستجبنا.

وربما لا شيء يُجبرنا على الكتابة،
سوى شئ بداخلنا،
 يلحّ على الإفصاح.

نعم، هنالك من نشتاق إليهم
إلى حدّ أن القلم يجرّنا نحوهم،
فنكتب،
ونسهر،
ونفكر،
ونغوص،
ثم نعود في النهاية إلى السؤال ذاته:

كيف نشتاق لمن لا نعرف؟
هل الاشتياق حكرٌ على ما عُرف؟
أم أن التجربة ذاتها تُثبت أنه بلا قاعدة،
وأن الاشتياق، في حقيقته، مجرّد نتيجة؟

ما زلت، بعد كل هذا الوقت،
أتساءل عن ماهية الشوق:
كيف يأتي؟
والأهم... متى يرحل؟

وهل أريده فعلًا أن يرحل؟
أم أن شيئًا في داخلي يسعد بقدومه،
كأنني، في العمق،
أشتاق إلى شعور الاشتياق نفسه؟

أهو الشعور ما نبحث عنه؟
أم من تلبّس الشعور،
فصار هو والشعور شيئًا واحدًا،
لا انفصال بينهما،
ولا اختلاف؟

لا أعرف...
وأتعرف؟
هنالك أشياء لا تستوجب المعرفة،
كماهية الأشواق،
وسببها،
وأصلها.

ربما يجب أن أقتنع أن ليس كل ما في الحياة،
ولا كل ما نعيشه،
يستحق التحليل أو يحتاج تفسيرًا.
وأن التجربة وحدها أحيانًا
هي أصدق برهان،
حتى إن خذلها المنطق،
أو رفضها العقل.

ولذلك، أعود إلى السؤال ذاته،
لكن هذه المرة، بإجابة:

هل الاشتياق مرتبطٌ بالتجربة؟
...نعم، لكن بتجربةٍ تنسف أنه مرهون فقط بما عشنا.

2025/07/18

هل ضل سعينا؟

"الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا"

ليست الآية عن الضياع فحسب، بل عن الوهم... عن الضياع المتنكّر في صورة الصواب.
عن ذاك السعي الذي يبدو نبيلاً، ويُزهر في أعين الناس، لكنه ينحرف عن جذر الحقيقة، عن الله.

من هم؟
وهل نكون نحن؟
أنا؟ أنت؟ الجميع؟

وكيف يُدرك التائه أنه تائه، إن كان طريقه مفروشًا بالاقتناع والطمأنينة؟
وإن كان قلبه مطمئنًا إلى ما يفعل، هل تكون تلك الطمأنينة من الله؟ أم من هوى ألبس نفسه ثوب الرضا؟

لطالما أرعبتني هذه الآية،
لا لأنها تُشير إلى من ضلّ،
بل لأنها تصف من ضلّ وهو لا يشعر...
من زاغ وهو يظن أنه يُبصر،
من اختلط عليه الضياء بالظلّ، فمشى في العتمة وهو يظنها نورا.

ألسنا نُربّى على أن الخير ساطع؟
أن الحق يُرى من أول نظرة؟
لكنّ الضلال لا يأتي دائمًا شرير الوجه...
قد يتحدث باسم الفضيلة، وقد يَظهر في صورة النصح، أو الاجتهاد، أو حتى العبادة.

فما هو السعي الضال؟
هل هو ما يُثمر في الدنيا ويذبل في الآخرة؟
أم هو ما يُرضي الناس ويُغضب الله؟
هل هو ما نعرف – في أعماقنا – أنه زائف، لكننا نُزيّنه لأنفسنا؟
نعيد تسميته، نُبرّره، نُلبسه لباسًا آخر ليمرّ...؟

ربما كانت الآية دعوة لا لليقين، بل للمراجعة.
دعوة للشكّ في الصواب المريح، وللرجوع إلى صوتٍ خافت في الداخل.
ربما كانت نداءً للبصيرة،
لأن الحقّ لا يُرى بالعين وحدها... بل بالبصيرة الحيّة، والضمير اليقظ، والنية الصادقة.

أظن أن من أبقى ضميره حيًا، وإن ضلّ، سيعود.
لأن الضلال الكامل لا يسكن القلوب الصادقة طويلًا.
لأن الله لا يُضيع من نوى وجهه، وإن التبس عليه الطريق.

بين النور والتراب

لا، ليس كما تظن...

لا أتصوّر أننا جئنا إلى هذه الدنيا لنكون ملائكة تمشي على الأرض.
أدرك الفرق، وأعرف أن الله خلقنا على اختلافنا...
خلقنا بشرًا، وجعل فينا الخير والشر، النور والهوى، الرغبة والضعف، الصواب والخطأ.
لم يخلقنا نورًا مطلقًا كالملائكة، ولو شاء لخلقنا مثلهم.
لكنهم، وهم أهلٌ للنور، لم يُهبطوا إلى الأرض.
أما نحن، من تراب، فقد ظهرنا عليها.

لماذا؟
هل لأن الله شاء أن يرى فينا شيئًا لا يُرى في الملائكة؟
أن نُمنح القدرة على الشر، ثم نمنع أنفسنا عنه؟
أن نُخطئ، ثم نعود، فنفهم أن الخير ليس فرضًا، بل فيه خلاص؟
هل أرادنا أن نكتشف بأنفسنا أن نور الخير أجمل؟
أن نذوق الظلمة، فنختار الضوء... بل لأننا أحببناه؟

لو كنا من نور فقط، لما عرفنا قيمة النور...
ولما انجذبنا إليه.
أليس الشيء يُدرَك بنقيضه؟
لما اكتشفنا أن وجه الخير فيه شيء من الله،
وأن الحب، لا الخوف، هو ما يدفعنا نحوه.

فربما لم يُردنا أن نُقصي الشر تمامًا،
بل أن نراه، نستبصره، نفهمه، فنتجاوزه، ونختار عكسه بوعي...
أن نقف في تلك المنطقة الوسطى،
بين الخير والشر...
لسنا مقيّدين أو مدفوعين في أي جهة،
بل نحن مخيّرون،
مواجهون،
مطلّعون على الجانبين،
عارفون...

وربما... في كل شيء حولنا،
في كل تفصيلة من تفاصيل الخلق،
كان الله يدفعنا لأن نبصر،
أن نرى خلف الظواهر والصورة،
أن نُزيح غطاء السطح، وننظر تحت سجادة الدنيا عمّا خفي في العمق:
عن الأسرار، عن المعاني، عن أوجه الخير وأوجه الشر في كل شيء.

ربما لم يكن الغرض العقوبة، ولا الثواب، بل الإدراك...
أن نجرّب الطريقين، لنستدل على الطريق الذي يلائمنا.
أن نبصر الخير من خلال الشعور بغيابه،
وأن نجرّب الشر فننفر منه، بعدما نواجه عواقبه وإحساسه...
وأن نمشي في الخير، فنرى نور الله يظهر لنا كلّما مشينا.
فنُحبّ الله، لا لأنه أمرنا،
بل لأن قلوبنا ذاقت الحياة دونه، واستطعمت الحياة بوجوده...
... فعرفته... وعرفت الخير من خلاله... فأحبّته.

في كل شيء...
لم يُردنا الله مثاليين،
بل أرادنا أحرارًا،
واعين،
مدركين،
نفهم... فنختار.
نجده، أو نعود إليه، لا عبر الشرح والإلزام أو الفرض،
بل عبر التجربة،
لأن تأثير التجربة يفوق تأثير أي شيء آخر.

أحيانًا نسأل: ما الخير؟ وما الشر؟
لكن ربما السؤال الأعمق:
من الذي في داخلي يزن هذا؟
هل هي النفس التي تهوى؟ فتهوي بنا إلى الشر؟
أم الناس الذين يضعون قوانين الأرض؟ فيُضلّوننا؟
أم الروح التي تُحب الله حبًا صادقًا،
فتختار ما يُرضيه، لا لأنها تخافه، بل لأنها ببساطة تريد الاقتراب منه؟

خلقنا الله بشرًا...
نُخطئ ونُصيب، يسكننا الخير والشر.
وفي هذا الخليط، في هذا التناقض، يكمن سرّنا الحقيقي،
وإنسانيتنا،
وربما... سبب وجودنا.

فالخير يقودنا، أحرارًا، إلى الله،

أما الشر... فيسجننا، ويُقيّدنا، ويبقينا في الأرض. 

2025/07/17

طبقات الروح

أتعرف؟ كلما تعمّقتُ في رؤية الحياة، ازداد يقيني أننا، نحن البشر، نحمل في جوهرنا أسرار الأرض، اتساع السماء، وعمق البحر. أعماقنا ليست طبقة واحدة، بل متاهات متداخلة من الوجود، طبقات تتكشف بلا نهاية معلومة. قد يحددها البعض بسبع، وقد يراها آخرون بلا عدّ، أو حتى ينكرون وجودها. ماذا عنك، في رأيك كم عددها؟

لكن العدد، ربما، لا يهم بقدر الرحلة نحو اكتشافها.

الغوص الحقيقي، مثله مثل استكشاف أعماق المحيط أو التحليق في الفضاء، لا يحدث دفعة واحدة. إنه صعود سلم داخلي غير مرئي، يُبنى بخطوة تلو الأخرى، بوعي يقظ، رغبة صادقة، وصدق نية لا يتزعزع. هذا الغوص في الذات ليس مصادفة ولا فطرة، بل هو علم يُكتسب، واختيار قاسٍ أحيانًا. لحظة طرقك لأول طبقة هي نقطة اللاعودة فجاذبية السطح تتلاشى، لتحل محلها جاذبية أخرى أكثر قوة: جاذبية المعرفة، جاذبية العمق.

مع كل كشف لطبقة جديدة، تتصدع الطبقة التي سبقتها، ويصبح الرجوع ضربًا من الوهم. تستمر في الهبوط، تفتح أبوابًا لم تكن تتخيل وجودها، وتُبصر ما لم تكن لتعتقد أنك قادر على رؤيته. وفي خضم هذا التكشف، قد تنكسر أجزاء منك، فتجد نفسك في نقطة تجهل فيها هويتك القديمة تمامًا.

كثيرًا ما تساءلتُ: متى تبدأ هذه الرحلة العميقة؟ هل هي لحظة قدرية مكتوبة، أم نقطة تحول واضحة؟ أحيانًا، نعم. هي لحظة نضوج مفاجئ، كأن ترفع يديك عن عينيك لأول مرة وتُبصر الحقيقة . وأحيانًا أخرى، لا تملك اختيارًا فالأرض تهتز من تحتك، تنهار، وتجد نفسك تهوي في سقوط لا مفر منه. لم تختر السقوط، لكن شيئًا عميقًا فيك دفعك نحو حافة الهاوية. ومن تلك الهاوية، تبدأ الرحلة الحقيقية، ولن يعود السطح مألوفًا لك أبدًا.

يكتشف الغواصون قانونًا لا رجعة فيه: كلما اخترقت طبقة، اجتذبتك التي تليها بقوة أكبر، وكلما تعمّقتَ، انهدم خلفك طريق العودة. إنها رحلة باتجاه واحد تدخلها بالكاد تفهم، وتعود — إن عدت — شخصًا آخر تمامًا، وقد تبدّل كل شيء فيك.

أحيانًا، أرى فينا شبَهًا أعمق بالأرض ذاتها. فمنها خرجنا وإليها سنعود، وربما لهذا السبب تحمل أرواحنا طبقاتها المتراكمة. ومن يجرؤ على الغوص في أرض ذاته الداخلية، قد لا يجد طريقًا للخروج إلى ما كان عليه سابقًا.

فما هي طبقات هذه الروح؟ 

السطح: حيث تسيطر المظاهر، وقلق الصورة، ورأي الناس، والحياة كما تبدو للعيان. 

النفس: موطن الأهواء المتلاطمة، والتقلبات العنيفة، وصراع الرغبات المتضاربة. 

الروح الصامتة: الشاهدة الصامتة على كل شيء، تلك التي ترى وتدرك دون أن تصدر حكماً، وتبقى في سكونها العميق. 

عمق الروح الطالبة: الباحث الذي لا يهدأ، يلح بالسؤال، لا يستكين حتى يجدها. 

الروح البصيرة: حيث تسقط الحجب، وتُكشف الحقائق، فترى بالبصيرة ما كان مخبأ عنها طويلًا. 

الروح الساكنة: حيث الهدوء المطلق،الله... المستقر الأخير.

وربما هناك طبقات تتجاوز إدراكي الحالي. 

لكن، على كل حال...هذا الطريق، ليس مستقيمًا ولا سهلًا. ستتأرجح فيه، تضعف، تتمرد، تواجه أعمق مخاوفك، تصمت طويلًا. ستجرفك الأمواج، وستخذلك خطواتك أحيانًا. ومع ذلك، شيء أعمق منك، سيواصل الغوص قدمًا.

وفي النهاية... حتى لو لم تدرك وجهة هذه الرحلة، حتى لو بقيت تائهًا، تبحث دون أن تجد إجابة نهائية، فربما كان خوضها بحد ذاته هو المغزى الحقيقي من الحياة. وربما كان هذا هو السبب الجوهري لقدومنا إلى هذا الوجود: أن نغوص في بحرنا الداخلي، أن نرتفع في سماء وعينا، وأن نهبط إلى أعمق نقطة في أرواحنا ...    حتى وان لم نعود ابدا الى أرضنا