هل فطرتنا الضعف أم القوة؟
حين يُخلق الإنسان، هل يولد وفي داخله ضعف أم قوة؟
وأيهما يتجلّى فيه أولًا؟
وما الغاية من أن نُخلق ضعفاء؟
لقد خلقنا الله "ضعفاء".
وربما السبب، ببساطة، أن هذا الضعف هو دافع فطريّ للبحث...
للبحث عمّن نلجأ إليه، نستقوي به، نطلب منه الحماية.
هو دافع داخلي للشعور بأن هناك شيئًا آخر... أكبر، أقوى، مهيمن.
هو المحرك الذي يدفعنا لخوض الحياة،
فحين نشعر بالضعف، نحاول جاهدين أن نتخلّص منه.
نرغب بشدّة أن نستشعر نقيضه أن نختبر شعور القوة، السطوة، السيطرة، القدرة، والتحكم.
نفعل كل ما بوسعنا للوصول إلى ذلك الشعور.
في البداية
نبحث في كل ما هو دنيوي، سطحي، قريب،
نبحث في كل ما هو دنيوي، سطحي، قريب،
كل ما تراه أعيننا، وكل ما نرى الآخرين يفعلونه.
نقترب ممّا نظن أنه سيمنحنا القوة: المال، الأشخاص، الأدوار الاجتماعية، المناصب...
وتُصبح هذه الأشياء مصدرًا لقوتنا الظاهرية،
وتتشكّل على اثرها "الأنا الزائفة"… ذلك الكيان الوهمي الذي نبني عليه هويتنا،
غطاء نُخفي تحته ضعفنا (الذي مازال موجود).
ولكن، وكما يحدث غالبًا في الحياة مع كل ما هو غير حقيقي...
تأتي لحظة فقد.
نخسر فيها ،
ويسقط غطاء القوة الذي ارتديناه طويلًا دون أن نتوقع سقوطه.
وحينها نصطدم بالحقيقة.
تتكشف الروح، وتصبح عارية تمامًا في مهبّ رياح الحياة...
هي الان في حاجة عميقة إلى غطاء، إلى حماية، إلى ما يقوّيها.
تصبح الروح أشبه بجلد مفتوح يظهر تحته اللحم.
وفي تلك اللحظة بالتحديد... نفهم.
نفهم أن كل ما استعنا به من قبل لم يمنحنا شيئًا حقيقيًا،
وأن تلك الأشياء لم تكن سوى صور لا طائل منها.
فنعود ونبحث مرة أخرى،ولكن بقلب مبصر.
نُفتّش في كل ما هو دنيوي، ونصل إلى خلاصة...
قد نكون سمعناها كثيرًا، وقرأناها، وتكررت أمامنا حتى أصبحت كليشيه:
القوة لا تكون إلا في الله.
في تلك اللحظة نجد الله.
ونصل إلى اجابة سؤال "لماذا خلقنا الله خلقنا ضعفاء.
نحن نولد هشّين، مفتقرين، والضعف فينا خام... لا زيف فيه، ولا أقنعة.
ضعف صادق، يبحث، يتوق، يتعلّق...
يريد أمانًا لا يجده في نفسه.
ويخلقنا الله على هذا الحال، وفي هذه الصورة،
كي نبحث عن نقيض الضعف— القوة.
فنكتشف أنها لا تكون إلا فيه.
فنتشبث به، ونتعلّق، ونأمن له.
وحين نجد الله.
ونكتشف أن القوة الحقيقية لم تكن يومًا فينا،
بل كانت دائمًا فيه.
وأننا كنا نبحث عنه دون أن ندري.
حينها فقط نصبح أقوياء—
بالله، وإلى الله، وعند الله.
ويتحوّل ذلك الضعف الذي وُلدنا به،
إلى قوة حقيقية،قوة من نوع آخر… لا تخاف، لا تنكسر، ولا تُغريها الزينة ولا يُرهقها الطريق.
قوة لا يشوبها التعلق ولا تدنّسها الأنا.
هذه الحقيقة، التي قد تبدو للقارئ معروفة أو مكررة،
لا تُفهم بالكلمات… بل بالتجربة.
بأن تخوض عمق الضعف الحقيقي،
ثم تجد القوة الوحيدة الحقيقية.
قوة لا تعرف مصدرها ولا كُنهها،
لكنها حين تملأ القلب،
تجعلك صلبًا... لا شيء يزعزعك، لا شيء يحطّمك، لا شيء يُضعفك.
ربما خلقنا الله ضعفاء لأنه مطّلع على نفوسنا،
ويعلم أننا لا نرضى بسهولة، ولا نقنع.
يعلم أننا لن نخضع لضعفنا، بل سنقاوم، ونبحث، ونتشبّث بأي نقيض،
حتى لا يبقى لنا إلا هو… القوي الوحيد الذي نعود إليه.
No comments:
Post a Comment