2025/06/03

أتعرف السلام؟

أتعرف السلام؟
ليس الفعل، بل الشعور…
تلك الفطرة التي خُلقنا بها، ثم انصرفنا عنها.
أم تراها هي التي انصرفت عنا؟ لا أدري.

أتعرف السلام؟
تلك الغاية التي يقولون إن إدراكها صعب…
الكلمة التي تُشتق منها السِّلم، والتسليم، والاستسلام.

لكن السلام ليس شيئًا نراه من حولنا،
بل إحساس داخلي خالص،
يشبه لحظة الفجر الأولى،
حين تكون السماء صافية تمامًا،
لم يغادرها القمر بعد، ولم تسطع الشمس،
وصوت النقشبندي يخرج من المذياع،
ورائحة الزرع تعبق في المكان،
ونسمة باردة تحمل شيئًا من الحياة،
وقشعريرة الدعاء في الصلاة…

ذلك المشهد نفسه… لكنه في داخلك.
كأن كل ما فيك أصبح متناغمًا، هادئًا، ساكنًا،
لا براكين مشاعر،
لا صراع بين القلب والعقل،
ولا بين ما تريده نفسك وما تخشاه.

فقط… هدوء حقيقي.
كأنك تسمع هدير الماء في داخلك،
وينعكس صفاؤك على العالم من حولك.
فتراه أكثر بساطة، وعمقًا، وهدوءًا.

فلا تهزّك الانفعالات،
ولا تقلقك الصراعات،
ولا تُخيفك الحياة.

هل نولد بهذا السلام؟ أم نكتسبه؟
هل تمنحنا الحياة إياه؟ أم ننتزعه منها؟
وهل نصل إليه بالاستسلام؟ أم بالمواجهة؟

لطالما كان "السلام" أولويتي.
لم أردد الكلمة فقط، بل عشتها كفكرة.
وكنت مستعدة للتخلي عن أي شيء، وكل شيء، لأجلها.

لا أريد سوى الهدوء…
أن أتجنب الخلافات، المواجهات، المشاكل… قدر المستطاع.
حتى لو كلّفني ذلك بعض التنازلات، أو التفريط… أو حتى الهروب.
أليس هذا هو السلام؟

كنت أظن أنني أبذل جهدي لأحيا بسلام،
لكنني فوجئت بالعكس تمامًا.
ما سعيت إليه لم أصل اليه،
وما تمنيتُه لم يتحقق.
بل اندلعت الحروب في حياتي،

توقفت، وتسائلت:

لقد بذلتُ جهدي منذ زمن لا أذكر بدايته،
ولم أطلب من الحياة سوى السلام.
فلماذا لم يُعطَ لي؟
أليس من المفترض أن نحصد بقدر ما نسعى؟
فلماذا خالفت النتيجة كل توقعاتي؟

لكن السؤال الأصدق كان:
هل كنت أسعى حقًا؟
وأي نوع من السعي كنت أبذل؟
وما الاستراتيجية التي اتبعت؟
والأهم…
أي خطأ ارتكبت؟

ثم أدركت الحقيقة.

أنا لم أكن أسعى للسلام…
كنت فقط أريد أن أبقى.
أن أعيش بلا مشقة، بلا تعب، بلا مخاطرة،
كنت أبحث عن حياة ناعمة، لا تجرحني، ولا تطلب مني الكثير.
وكنت، ببساطة، أخدع نفسي بمصطلحات غير صادقة.
ما كنت أسميه "سلامًا" لم يكن سوى ضعف.
كان خوفًا متخفّيًا، وهروبًا مغلفًا بشعار "البحث عن الهدوء".

لم أكن أريد السلام… كنت أتهرّب من الحياة.
ظننت أن الابتعاد عن مشاكلها سيحميني.
لكن الواقع؟
الواقع لا يتغيّر بالهروب، بل يبتلع الهاربين.

وجراح الحياة لا تُشفى بالمسكنات… بل تتورّم وتعمق.
قانون الحياة لا يتغير:
كل ما نحاول تسكينه… سينفجر يومًا.
كل ما نهرب منه… سيلحق بنا.
كل ما نستسلم له… سنمنحه سلطة علينا.

تعلمت:
الاستسلام لا يقود إلى السلام، بل العكس.
والتسليم حين ينبع من خوف، لا يجلب الطمأنينة… بل يُدخلنا في العجز.

رغم أن السلام فطرة نولد بها،
إلا أننا نفقده في زحمة الحياة… دون أن ننتبه.
وحين نفقده، لا يُمنح لنا من جديد…
بل علينا أن ننتزعه، من قلب المعارك.

السلام لا يأتي بالانعزال، بل بالمواجهة.
أن تواجه نفسك أولًا،
ثم تواجه محيطك، ومخاوفك، وواقعك…
كل ما كنت تهرب منه.

اكتشفت أن الحرب ليست نقيض السلام كما ظننت،
بل الطريق إليه.
فلا شيء يُمنح بلا ثمن.

وحين قال الله إنه لا يحب المستضعفين،
لم يكن يقصد الضعف الإنساني،
بل من رضي أن يُستضعف… حتى لو باسم المسالمة.

السلام الحقيقي لا يُمنح للمنعزلين، ولا للمنسحبين،
ولا للمختبئين خلف الخوف…
بل هو نصيب من واجه، وسقط، ثم وقف.
السلام… حصاد الشجعان. لا العكس.

وأما الخوف؟
فهو العدو الحقيقي للسلام… لا الحرب.

السلام لا يأتي برفع الراية البيضاء،
بل حين ترفع نفسك، وتواجه، بثبات.
حين تنظر للحياة بعينين مفتوحتين، لا مهزومتين.
السلام لا يُولد بلا ألم،
ولا يُفهم إلا بعد الحرب.

لكن حين تخوض معركتك، وتسعى، وتصل إلى السلام الحقيقي…
لن تتنازل عنه مجددًا.
ولن تدخل معارك عبثية…
لا لأنك خائف،
بل لأنك وصلت إلى السلام…
وسلّمت عن قوة، لا عن ضعف.

عندها، يصبح السلام شعورًا داخليًا خالصًا،
لا تحتاج لإثباته،
ولا لاظهاره،
لأنه ببساطة:
أصبح واقعك الذي -ولأول مرة- لا تريد أن تهرب منه...

No comments:

Post a Comment