2025/06/03

العمر

"العُمر عَدّى بسرعة قوي..."

جملة عابرة .
بقيت تتردد داخلي، .
لا أدري تحديدًا لماذا أثرت فيّ بهذا الشكل...
أو ربما أدري.
لأنها خرجت من قلب إنسان،
 هو الأقرب إلى قلبي.
لأنها قيلت بصدقٍ مشبعٍ بشيء من الأسى.
لأن فيها شيئًا من قسوة الحقيقة.
كانت نبوءة... بما هو قادم،
بما كنت أرفض تصديقه.
ولأنها ببساطة،
أيقظت في داخلي خوفًا.
خوفًا من الفقد، من مرور الوقت، من أن تفلت اللحظات من بين أيدينا دون أن نشعر.
من أن أصل يومًا إلى نفس الموقف،
 وأنظر إلى حياتي من بعيد وأسأل نفسي:
"كيف مضى العمر؟"
وربما أضيف سؤالًا آخر: "وفيما مضى؟"

قالها والدي...
وكنت حينها أصغر، لا أفهم من الدنيا سوى القليل.
لكنها تركت في داخلي وجعًا ظلّ صامتًا،
لم أعبّر عنه حتى هذه اللحظة.

وبعد عشر سنوات...
دعني أخبرك الآن يا بابا:
نعم...
العُمر يمضي على قضبانٍ سريعة جدًا.
لا يستأذن، لا ينتظر، لا يلتفت إلينا،
ولا يسمعنا إن طلبنا منه أن يتوقف.

 أما نحن؟
فنُشغَل عنه.
لا نلتفت إليه، ولا نعيره اهتمامًا،
وربما لا نلحظ مروره من الأساس.
مثل كل الأشياء المهمة في الحياة،
نتعامل معه وكأنه مضمون،
باقٍ إلى الأبد،
وإن قرر أن يرحل،
 فسنُبلّغ بذلك مسبقًا.

وربما...
نتعامل مع العمر
 بنفس الطريقة التي تعاملتُ بها معك.
ظننتُ أنك دائم، أنك باقٍ، وأن الرحيل لا يشملك.

وربما، يا بابا، جملتك علّمتني:
ألا نُعطي اللحظات أكبر من حجمها،
لكن في الوقت نفسه، ألا نُفرّط فيها.
أن نحيا كما نتمنى،
وأن نترك أثرًا.

أن نفهم أن سرعة الحياة ليست لعنتها،
:بل رسالتها:
أنها أبسط مما نتصور،
وأن كل ما يحدث سيمر
أسرع مما نتوقع...
وأنها في النهاية،
 ستمر دون أن نشعر.
وكأنها بكاملها... مجرد
"لحظة".
لن نشعر بها.

ربما هذا الادراك،
 هو وحده ما سيجعلنا ننتبه إليها.

وربما علّمني رحيلك:
ألا أثق في الحياة كثيرًا،
ألا أضمن بقاء الأشخاص أو الأشياء،
وأن أفهم أن لكل شيء عمرًا،
وتاريخًا للبداية وللنهاية.

ليست نظرة سوداوية،
لكن إدراكها يجعلنا نفهم أن هذه هي طبيعة الحياة الأساسية،

نعم
 قد لا نتحكم في مدة العمر،
لكننا نتحكم في كيف نقضيه،
كيف نشعر به،
وفي الأثر الذي نبقيه.

لذلك، يا بابا،
عُمرك لم يمضِ.
بل امتد...
 امتد إلى عمري، إلى أفكاري، إلى قناعاتي ومبادئي
إلى نظرتي للحياة من حولي
ورغم تكرر أخطائي الا أنني لازلت أحاول.

لذلك، اسمح لي أن أختلف معك:
العُمر ليس سنواتٍ تمضي،
ولا ساعاتٍ، أو لحظات.
ليس مجرد مدة زمنية.

العُمر... هو الأثر.
والأثر... نحن من نقرّر بقاؤه.

ولولا أثرك في حياتي،
لكنتُ اليوم شخصًا آخر تمامًا.

أشعر أن قلمي يريد أن يسحبني إلى حيث لا أريد...
يريدني أن أكتب عنك.
وأنا، كعادتي، أحاول الهرب من الكتابة عنك.
لأن الوجع الذي ظلّ مستترًا،
سيظهر على سطح الشعور.
لأن وجهك سيطل،
واللحظات الأخيرة ستحضر،
والاشتياق سيصبح لا يُحتمل،
والاحتياج إليك سيتفاقم،
والكلمات التي لم يمهلني الوقت لنطقها... ستخنقني.

نعم، يا بابا...
العُمر عدى بسرعة.

لكن، وبعيدًا عن كل ما كتبت...

...يا ليته لم يمضِ.


No comments:

Post a Comment