أجلس أمام الورقة البيضاء، أحدّق فيها وتحدّق فيّ… كمرآة.
لا أعرف من أين أبدأ. بياضها يُحاكي بياض أفكاري، وفراغها يُشبه فراغ الكلمات داخلي.
لا أدري كم من الوقت مضى، وأنا جالسة في نفس المكان، أفعل الشيء ذاته: أنظر إلى الورقة أمامي…
لا أفعل شيئًا على الإطلاق.
فقط أجلس، مستمتعة بالهدوء التام من حولي.
بالسكون الذي أحبّه، بل أبحث عنه وسط زحام الأيام.
لا رغبة لي في الحديث مع أحد، ولا في الاستماع لأحاديث لا تعنيني.
منفصلة تمامًا عن الواقع، غارقة في أفكاري، وخيالي، وعالمي الداخلي.
والحقيقة؟
في هذه اللحظة، لم تكن تسيطر عليّ تساؤلات عميقة، ولا أفكار ملحّة تطالب بالخروج.
بل على العكس تمامًا… كانت لحظة هدوء فكري، صمت عقلي،
شرود هادئ في اللاشيء… وتأمّل صامت في كلّ شيء.
لحظة استمتاع نادرة بالوحدة.
وفي مثل هذه الأوقات، أحب أن أستمع إلى الموسيقى.
ليس لأكسر الصمت، بل لأمنحه طبقة أخرى من الراحة.
لأرتّب اللحظة، وأُجمّلها، وأغمرها بمزيد من المتعة.
تلك المتعة البسيطة التي تروق لي كثيرًا.
بدأت بأغاني أم كلثوم التي تتغنّى بالفصحى…
قصائد شعرية تلامس أماكن خفية بداخلي، وتحرّك شيئًا عميقًا في أعماقي.
فمنذ زمن، للكلمات مفعول السحر عليّ.
أعشق الحروف، والبلاغة، والشعر، والكلمات التي تصيب مواضع الإحساس بدقة.
أحب التشبيه، والصدق، والتعبير الصافي.
وكلّما مرّ الزمن، ازداد شغفي بمفردات اللغة، وإعجابي بكلّ من أجاد استخدامها .
أخذت أستمع…
وفجأة،
وجدتني أتساءل:
وجدتني أتساءل:
هل هناك لحظات في الحياة تضاهي هذه اللحظات؟
لحظات نعيشها في هدوء، برِفق، بعيدًا عن ضوضاء الحياة، وفوضى التفاصيل…
بعيدًا عن قصص الآخرين…
أجمل لحظات العمر، تلك التي نقضيها في سلام.
في استرخاء، وهدوء، وتأمل.
لحظات تمرّ ببطء… لكنها تمسّ القلب.
وتساءلت:
لماذا أصبحنا نهرب من البساطة والهدوء؟
لماذا نُجهد أنفسنا في ملء أيامنا بالأحداث، والأشخاص، والأحاديث؟
لماذا نربط البساطة بالملل؟
ولماذا نصعّب على أنفسنا فكرة الخلوة بالنفس؟ لماذا نخشى التأمل؟
لماذا نشغل عقولنا بلا توقّف، ونستنزف أرواحنا بالتكنولوجيا، والركض خلف كل شيء؟
عدت أنظر إلى الورقة البيضاء الفارغة…
وقررت ألا أبذل اليوم مجهود التفكير أو الكتابة.
إن لم تحضر الفكرة، فلن أجبرها على الحضور.
سأستسلم للحظة كما هي… وأستمتع بها كما جاءت.
أغلقت اللابتوب الذي كنت أكتب عليه…
وأخذت أغوص في كلمات الأغنية
وأتأمل الليل… هدوءه… سكونه…
وأتأمل الليل… هدوءه… سكونه…
مشهد السماء، صورة القمر المحببة،
وبحثت بعيني عن النجوم كطفلة تحاول أن تراهم للمرة لأولى.
شعرت بالسكينة، واستمتعت بصوت الأشجار، وهي تتحرّك برفق واستسلام.
شعرت أنّ الطبيعة ربما تسمع الله أكثر منّا…
تستسلم له، وتعيش اللحظة كما هي… دون مقاومة… دون ضجيج.
وبقيت معها…
لا أعلم كم مضى من الوقت، ولا يهم.
كلّ ما أعلمه…
أن دائما تأتي تلك للحظات كواحدة من أجمل لحظات العمر.
No comments:
Post a Comment