2025/06/19

الحقيقة

 


الحيرة...

واحدة من أكثر المشاعر الإنسانية قسوة.
أن تفعل عكس ما تشعر، لأنك لست متأكداً.
أن تصدّق ما تراه، وتكذّب ما يُخبرك به حدسك.
أن تبحث عن أدلّة، تحلّل، تستنتج، تقنع نفسك أن الخيال مجرد خيال،
وأن الحدس وهم،
وأن ما يراه الجميع هو ما ينبغي أن تراه.

أن تفقد — عن وعي — ثقتك بإحساسك، بحدسك، بنفسك.
أن تُحاصر في منطقة رمادية:
لا أرض، ولا سماء... لا نور، ولا ظلام...
فقط الانتظار.
تتلوّن أيامك بلونٍ باهت،

شيئًا فشيئًا، تجد نفسك تعيش في مساحة غير مؤهلة للحياة،
وكأنك تبتعد عن نفسك، أكثر من ابتعادك عن الآخرين.

الحيرة... لا تأتي وحيدة.
تجرّ خلفها الشك، والتيه، والبعد عن الحياة، وفقدان اليقين.
تحجب عنك الحقيقة،
فتعيش الظلم،
وتشك في أنه ظلم،

نحن لا نحب الحيرة،
لكننا، في لحظات كثيرة، نخاف الحقيقة.
نهرب منها، لا نبحث عنها، نرفضها، نكذبها.
نكره الألم الذي يأتي معها،
فنغوص أكثر في الحيرة...

الحيرة قد تكون الجهل المتعمّد...
ذلك الأذى الصامت الذي نظنه آمنًا.
في أحيان كثيرة، تكون إجابة السؤال الذي يحيرنا معروفة في أعماقنا،
لكنها تخالف رغباتنا،
فنختار أن نبقى متحيّرين، رغم أننا نعرف.

الحيرة... غطاء ذهني للحقيقة التي لا نريد رؤيتها.
فنختبئ منها.

وأنا...
عشت الحيرة.
وعشت الحقيقة.
عرفت قسوتهما،
لكنني لم أتوصل إلى نتيجة:
أيهما أشد قسوة؟
أم أن كليهما يحمل وجعه بطريقته؟
فالأولى تقصينا عن الحياة،
والثانية تُعيدنا إليها لتُقصي الحياة في داخلنا.


أتذكّر المشهد الأخير...
ليس حين انتهت القصة،
بل حين انتهت الحيرة.

أتذكّر يومًا شتويًّا مشمسًا،
جاء بعد ليالٍ طويلة من الظلام الدامس...
ليالٍ قضيتها بين صوت داخلي يُؤكّد،
وأصوات خارجية تُكذّب.
بين يقين صامت، وإنكار صارخ.
بين تيه... وضياع... وفقدان بوصلة الطريق.
بين حياة خارج الحياة، وذهن شارد،
ومشاعر تحترق، وقلب يُبصر، وحدس يصرخ،
وروح لا أشعر بها.

كنت أعيش داخل مشهدٍ مبهم، مليء بالألغاز.
فاخترت أن أكتفي بالسطح...
ألا أحلّل، ولا أنظر خلف الرموز.

لكن رغم الاكتفاء بالقشرة الخارجية،
تسللت أعماق المشهد دون عني إلى داخلي.
ترسّبت...
ثم تكاثفت،
حتى أحدثت ندوبًا لم تختفِ.

عشت الحيرة...
ذلك الظلام الذي طال،
حتى ظننت أن الكون خُلق بلا شمس،
بلا نهار،
وأنني أخطأت حين ظننت بوجود النور.

ثم... جاء النهار.
ظهرت الشمس...
لكنها لم تأتِ كما تمنّيت.
جاءت كما يأتي الموت الرحيم:
هادئة، باردة، وقاسية.
لحظة تبقى في الذاكرة كنقطة تحوّل،
لا ننسى بعدها شيئًا.
وكيف ننسى؟
والوجع يضرب من القلب حتى الجسد،
فيمرضه مرضًا لا دواء له.

لم أعِش التجربة كما أكتبها فقط...
بل لن أكتبها كما عشتها...
.
ظلمة الحيرة، وحرقة الحقيقة.
تلك الحرقة التي تشبه شمس أغسطس:
لا تبقى في السماء،
بل تهبط إلى الأرض،
تصل إليك،
تلمسك،
ثم تحرقك بالكامل.

ومن شدّة نورها...
تفقد الرؤية.
فتدخل في ظلام من نوع آخر.
تُكذّب الحقيقة،
تهرب منها،
لا تواجه، لا تُفكّر، لا تُصارح نفسك.

لكن، في قلب كل ذلك...
تبدأ كرامتك بالعودة،
تسترد ثقتك بذاتك،
تدرك أنك لم تكن مجنونًا،
ولا ضعيفًا،
ولا واهمًا.
كان حدسك صادقًا.
كنت على صواب،
حتى وإن لم يُصِب ظنك في الآخرين.

ولأنك إنسان...
كنت تتمنى أن يُخطئ حدسك،
وأن يصدقوا هم.


لكن بعد كل ذلك...
خلّفت الحيرة سؤالًا جديدًا:
أيهما أقسى؟
أن تتحيّر؟
أم أن تقتلك الحقيقة؟

واليوم أقول:

الحقيقة تسكن داخل الحيرة، لكنها تنتظر الشجاعة.
تخرج حين نملك القوة لمواجهتها،
أو حين نُجبَر على استقبالها.
تظهر قدريًّا...
تسقط فجأة...
أو تنفجر.

والحيرة...
أشد إيذاءً من الحقيقة،
وأكثر قسوة،
لأنها تُخرجنا من الحياة،
وتُبعدنا عن أنفسنا.

فحين نقترب من ذواتنا،
نرى كل شيء بوضوح،
ولا نتحيّر.

الحيرة ضعف...
والحقيقة قوة.
الحيرة خوف...
والحقيقة شجاعة.

والحياة...
لا نشعر بها ولا نعيشها الا حين تكون
"حقيقية"

No comments:

Post a Comment