2025/06/23

مخيرون...مسيرون

في عمق كلّ إنسان، سؤالٌ قديم...
سؤالٌ لم يملّ العقل من تفكيكه،
ولا سئمت النفس من إعادة طرحه بأشكالٍ لا تُحصى:
هل نحن مُسيَّرون أم مُخيَّرون؟
هل نختار فعلاً، أم أن اختياراتنا مشاهد من سيناريو كُتب مسبقًا؟
هل نسير بإرادتنا، أم أن الطريق هو من يسير بنا؟

لكن هذا النص لا يحاول فضّ الاشتباك،
ولا ينحاز إلى طرفٍ في هذا الجدل الطويل،
بل يفتح بابًا لاحتمال ثالث:
أن تكون الحياة أوسع من هذه الثنائية،
وأن يكمن السلام لا في الوصول إلى إجابة،
بل في طريقة عيش السؤال.

نحن نختار —
نفكّر، نقرّر، نثور، نرفض، نقبل،
نحبّ وننفر، نتقدّم ونتراجع...
ولكن،
ماذا لو كان كل اختيار نقوم به
نتيجة حتمية لسلسلة خفية من العوامل؟
عوامل لم نخترها أصلًا:
البيئة، التربية، الجينات، الصدمات،
وحتى "الأهواء" التي لا نعرف من أين أتت.

فهل نكون أحرارًا حقًّا؟
أم أن الفعل نفسه — حتى لو جهلنا أسبابه —
هو شكلٌ من أشكال الحرية التي مُنحت لنا؟
ربما، يكفي أن نملك القدرة على الاختيار... حتى ولو كانت محدودة.


وهكذا نحن،
نعيش بين طرفين:

طرفٌ يُلقي كل شيء على القدر،
ليهرب من المسؤولية.

وطرفٌ يحمل نفسه فوق طاقتها،
ليتوهم أنه يتحكم بكل شيء.

نسأل باستمرار: من المسؤول؟
نحن؟ الظروف؟ الله؟ الآخرون؟
لكن ربما...
ليست الإشكالية في "الجواب"، بل في السؤال نفسه.


الجواب — إن وُجد —
يشبه من يقود سيارة:
يمسك المقود، يختار الطريق، يتحكم بالسرعة،
ويظن أنه يتحكم بكل شيء...

لكن الطريق فيه منعطفات لا تُرى،
ومنحدرات غير متوقعة،
والقدر قد يداهمه من زاوية عمياء،
فتتبدل وجهته في لحظة،
وتتلاشى سيطرته التي ظنّها مطلقة.

فكّر للحظة:
لو جاءك الجواب الآن، حاسمًا، لا شكّ فيه —
أنك مُسيّر بالكامل، أو حرّ تمامًا —
ما الذي سيتغيّر؟

هل ستكفّ عن المحاولة؟
عن الحلم؟ عن الخطأ؟ عن المضي؟

على الأرجح لا.
كنت ستواصل القيادة،
بوعي، وتحكم، وتأمل...
مع تسليمٍ صادق لما يتجاوزك من أحداث.

نختار، نتحرك، نقرر،
ثم نُسلّم لما لا حيلة لنا فيه.
ربما هذا هو التوازن الوحيد الممكن.

وربما —
الأجدى من كل ذلك،
أن نقود… دون أن نُثقل الرحلة بالسؤال.

No comments:

Post a Comment