الحب... ذاك الشعور الذي يشبه الإيمان.
نحن نحب إلهًا لا نراه، لا وجود مادي له في حياتنا، ورغم ذلك نشعر به، نتحدث إليه، نتواصل معه، يسكننا بعمق، ومن فرط قربه قد تقشعر أبداننا حين نناجيه. نحبه حبًّا يفوق حبنا لأي شيء آخر... نسلم له، نأمن به، ونثق فيه.
إنه حبٌّ غير حسي، غير ملموس (ماديًا)، لا يمكن قياسه أو رؤيته أو لمسه أو رصده.
ورغم أن الله لا يُقارن بشيء، ويتعالى عن كل وصف وتشبيه، إلا أن هذا الحب الذي نحمله له يكشف عن أمر بالغ الأهمية: أننا نملك قدرة عجيبة على الحب، قدرة تتجاوز ما نعتقد، تفوق كل ما في الواقع، وتتخطى قوانين الأرض ومدارك العقل وقدرته.
ويثبت أن الحب، في جوهره، لا يُقاس بالزمان أو المكان، لا يخضع لقانون القرب أو البُعد، ولا لحضور أو غياب. لا تحكمه معادلة علمية، ولا يُفكك بمنطق عقلي... يتجاوز الحواس رغم أننا نشعر به بحواسنا... يتجاوز الإدراك رغم أننا ندركه بقلوبنا... يتجاوز أجسادنا رغم أنه يسكن أرواحنا...
إنه إحساس متأصل فينا، عميق كالروح، لا يصنعه العقل، بل يصنعه صانع المعجزات بحكمة إلهية خفية، ولكنه لا يُخطئ.
حتى الأطفال، حين يبدأون بالكلام، يعبرون عن الحب. يقولون "أحبك" ببساطة عجيبة، قبل أن يدركوا معناها في المعجم، أو يحيطوا بمفهومها العقلي، أو يُشرح لهم معنى الكلمة وما المراد منها...
يفهمون الشعور بالفطرة، ويضعونه في الجُمل بدقة، وكأن الحب بالفعل لغة تخرج من القلب...
فهل يكون الحب إذًا فطرة بالفعل؟
أول ما زُرع فينا مع الروح حين نُفِخت؟
ألم نُخلق به؟
أن يكون أول ما وضعه الله في قلوبنا هو الحب... لا يمكن أن يكون صدفة... لا شك أن وراء هذا حكمة وسرًّا.
ولعلنا جميعًا نعرف المغزى، نشعر به، دون حاجة للكلمات.
أن يكون أول ما زرعه الله فينا هو الحب… ليكون وسيلتنا لفهمه، والعودة إليه
الى الله.
لكن ما لا ننتبه له، هو كيف نُطفئ هذه الفطرة بمرور الوقت.
نُخمد نورها، نكبح تلقائيتها، ونتعامل معها كعبء، كعدو، كشيء يجب السيطرة عليه... كي لا تتأثر "الأنا"...
كي نبقى محتفظين بها... مسيطرين عليها... فإما الحب، أو الأنا.
وربما نجهل أن الحب هو إحدى الأشياء التي تُحررنا من تلك الأنا، ونرجع على إثرها لفطرتنا وطبيعتنا وإنسانيتنا...
أما حين نفقد الحب بالكامل، فلا نقول إنه بسببنا أو بسبب "الأنا"، بل نُرجع غياب الحب في حياتنا إلى الآخرين... إلى الواقع... إلى الخارج... إلى الظروف، والأحداث...
ومع الوقت، يتحول الحب من فعل فطري بسيط، إلى جهدٍ نبذله بشقّ النفس،
إما لنَجِده، أو لنوقظه، أو لنبقيه...
نُعقّده، نربطه بما ليس منه، نُخضعه للعقل، ونُخرجه من منبعه الأصلي: القلب.
وندمجه بكل ما هو مادي وعقلاني وأرضي...
لا أدري لماذا نُضيع الأشياء ثم نعود لنبحث عنها؟
هل هذه هي تركيبتنا البشرية؟ نَزهد في ما نملك، ونُمعن في تعقيد البسيط؟
منذ بدء الخليقة، والحب ليس فقط معضلة الإنسان، بل هو ما يحاول - دون وعي - أن يتجنبه، أن يُقصيه، أن يُخمده.
كل ما نفعله، دون إدراك، يقف في وجه الحب...
هو استنزاف لطاقة خُلِقنا بها، طاقة ربما تكون من أعظم ما ميّزنا كبشر، وأعمق ما يربطنا بالله.
حتى أنفسنا... نفقد الحب لها.
أنا مقتنعة أن الحب، كالإيمان، يحفظنا من الكثير من شرور الأرض...
لأنه ليس فقط عكس الكره، بل هو في الأصل ضد الإيذاء...
لذلك، القلب الممتلئ بالحب لن يؤذي، لا روحًا ولا جسدًا ولا عقلا.
هو محرر الروح من "الأنا"، ففيه الخلاص...
هو ما يردعنا، يوقفنا، يهذبنا، ويعلّمنا كيف نعيش بإنسانية كاملة، وكيف نجد الله.
No comments:
Post a Comment