بُنيت الحياة على مبدأ التناقض.
يولد النور من الظلمة، ويخرج السلام
من رحم الحرب، وينبثق الحب أحيانًا من أكثر الأماكن قسوةً وجفافًا.
نعرف ذلك بالفطرة، دون أن نقرأه في
الكتب أو نتعلمه من أحد.
كأن كل شيء في الكون يحمل داخله
نقيضه، وكل شعور يسكن في ظله شعورٌ معاكس، وأن النفس — مثل الحياة — تضمر الأبيض
والأسود معًا، الخير والشر، الفرح والحزن، الأمل واليأس... كل شيء وعكسه.
لطالما سألت نفسي: لماذا خلق الله
الحياة بهذه الصورة؟
لماذا لا يأتي الفرح إلا بعد حزن؟
لماذا لا ندرك قيمة الأشياء إلا حين
نفقدها؟
ولماذا لا نشعر بوجودنا الحقيقي إلا
إذا اقتربنا من حافة الفقد؟
خلق الله الليل والنهار، النور
والظلمة، الأرض والسماء، الماء والنار، القلب والعقل...
خلق لكل شيء ظله، ولكل نور عتمته،
ولكل بداية نهايتهاولكل شئ نقيضه
ما الحكمة من كل هذا التناقض؟ وما
الغاية؟
وبعيدًا عن التفسيرات الفيزيائية
والعلمية، أؤمن أن الله، من خلال هذا التنوع الهائل، أراد أن يُعلّمنا مبدأ القبول،
أن نفهم كيف يمكن للأضداد أن تتكامل، لا أن تتنافر.
أراد أن نُدرك أن التناقض ليس خللًا،
بل ضرورة.
أن نعي كيف يمكن لزوجين مختلفين أن
يكمّل أحدهما الآخر، كيف يمكن للّيل أن يمنح النهار معناه، وللحزن أن يُبرز قيمة
الفرح.
أن نفهم أن "الاختلاف" لا
يعني "الصراع"، بل هو وجهٌ من وجوه التكامل، وأن التناقض ليس شرًا، بل
هو ما يمنح الحياة توازنها.
فلماذا إذًا لا نتّخذ من الحياة
أُسوة؟
لماذا نرفض التناقض في أنفسنا وفي
غيرنا، ونبحث دائمًا عن صورة واحدة، ثابتة، مثالية، في عالم لم يُخلق إلا بالتغيير
والتنوع والتناقض؟
الحياة لم تُبنَ على الثبات.
الثبات وهم.
الحركة هي الحقيقة.
والتغيير هو القاعدة التي يقوم عليها
كل شيء في هذا الكون، لا شيء دائم، لا شيء مضمون.
وكل ما يحدث في الكون من حولنا
يتبدّل بسرعة الضوء، بينما نحن نظن أن الأشياء باقية، فنرتب حياتنا على هذا الوهم.
نرفض التغيير، نرتبك عند أول تحوّل،
نُفزع من أول خسارة، نصرخ في وجه الزمن إذا انتزع منا شيئًا كنا نظنه دائمًا.
لكن لو كان الكون نفسه يحتج على
التغيير، لانتهى في لحظة... ولما بقي منه شيء.
حتى مشاعرنا تدور في داخلنا ككواكب...
ترانا يومًا نضحك، ويومًا آخر نحزن،
ومهما طال الحزن أو امتدّ الفرح، لا شيء يبقى كما هو.
ورغم كل هذا... لم نفهم حكمة الكون.
لم نتعلّم منه شيئًا.
لا زلنا نُسلّم قلوبنا للأمان
الكاذب، نُفاجأ بالفقد وكأن الحياة وعدتنا بالبقاء. والدوام
لا زلنا لا نتقبّل الاختلاف، فنحوّله
إلى خلاف.
ولا زلنا نتمرد على التغيير، كأنه
عدو، بينما هو طبيعة الحياة.
أظهر الله لنا أهم حكم الحياة في الكون
من حولنا...بمنتهى الوضوح ومنتهى البساطة
لكن عيوننا اكتفت بالنظر وعقولنا لم تدرك ما وراء الصورة...
No comments:
Post a Comment