2025/06/30

كيف نتغير؟

كيف نتغير؟

بالحب.

كنت أظن أن التغيير لا يحدث إلا حين نكره أنفسنا، ونرفض واقعنا، ونغضب من الحياة ومن كلّ ما حولنا.
ظننت أن الغضب، والضيق، وعدم التقبّل، هم ما يدفعون الإنسان نحو التغيير.
بل حتى بعض علماء النفس يؤكدون أن التغيير يحدث عندما يصبح الألم أشد من احتماله، وأثقل من الجهد المطلوب للتغيير،
حينها لا يكون أمام النفس مهرب سوى أن تتغير، كغريزة نجاة.

لكن بعد التجربة
أدركت شيئًا مختلفًا.
فهمت أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من مشاعر الغضب أو الكراهية، بل من الحب.

حين نحب، يبدأ السؤال.
وحين نسأل، تنفتح أبواب في أرواحنا لم نكن نعلم بوجودها.
تستيقظ فينا حركة داخلية لا يمكن تفسيرها،
كأن شيئًا عميقًا استفاق
ولم يعد يرضى أن يُحسَب من الأموات.

تبدأ رحلتك في التساؤل:
من أين جاء هذا الحب؟
لماذا الآن؟
كيف أثّر فيّ بهذا الشكل؟
هل سينتهي؟ وهل منه مفرّ؟

في البداية، تظن أنك تبحث عن أجوبة تخص هذا "الضيف الحبيب" الذي استوطن قلبك
لكنك تكتشف لاحقًا أنك لن تجد ما يخصه تحديدًا.
بل ستحصل على شيء اخر:
إضاءات، إشارات، خيوط نور إن تبعتها،
قادتك نحو أعماق روحك،
نحو سبب وجودك،
نحو غايتك في هذه الحياة.

الحب الحقيقي لا يجيب فقط عن الأسئلة… بل يخلق أسئلة جديدة.
أسئلة تشعل فيك رغبات قديمة، توقظ جراحًا نسيت وجودها،
تستخرج من أعماقك أشياء دفنتها يومًا بإرادتك.

وهكذا، دون أن تقصد، تبدأ رحلة التغيير.
رحلة لا تخطط لها، ولا تعرف أنك تسلكها أصلًا،
لكنها تمضي بك شيئًا فشيئًا
حتى تجد نفسك تمشي في نفق غامض،
تخطو في الظلام،
في الغيب
في المجهول

وفي كل خطوة… تقترب من النور.

وعندما تصل،
تدرك أنك لم تعد كما كنت.
وتسأل نفسك:
كيف تغيرت؟
ما الذي حدث لي؟
كيف بلغ الحب بي هذا المدى؟

وتكون الإجابة ببساطة:
لقد تغيرت في الطريق
وبداية الطريق كانت شعلة الحب.

مشاعر خرجت من أعماق القلب، فأحيت قلبك، فأيقظ قلبك روحك،
وأعادت إليك إنسانيتك… بعد أن غابت عنك دون أن تشعر.

نعم… كتبت كثيرًا عن الحب، وسأظل أكتب.
لأنني أؤمن بهذه القوة العظيمة،
التي لا يضاهيها شيء في الوجود.
الحب هو البصيرة.
هو ما يجعلنا نرى، نسأل، نشك، نفهم، نصدق، ونمشي بثقة في طريق مجهول.

-----------------------------------------------------

نحن لا نتغير فقط لأننا "قررنا" أن نتغير،
نحن نتغير حين تصدق النية.
وحين تضيء النية بشعلة الحب.

الحب هو الدافع النقي.
هو ما يجعلنا نرغب في
أن نعيش في سلام مع أنفسنا، مع الله، مع من ألهمنا التغيير.

أما الغضب، أو الرغبة في إثبات شيء للآخرين،
فغالبًا ما تكون دوافعها مشوشة، ونيّاتها غير مكتملة.
ولهذا لا يتحقق وعد الله:

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

لأن النية شرط،
والنية لا تصدق -في معظم الأحيان- إلا بالحب.

حين تحب نفسك بصدق، تتغير من أجلها.
وحين تحب الله، تتغير طلبًا لرضاه.
وحين تحب إنسانًا بصدق، تجد في حبه نورًا يُريك الطريق إلى نفسك من جديد.

التغيير من أصعب ما يمر به الإنسان.
هو إعادة برمجه  لعقله، ومشاعره، ونظرته إلى العالم.

ولكي تخوض هذه الرحلة وتنجو،
لا بد أن يكون دافعك نقيًا
صادقا

دافعًا قويًا
بحجم الحب.

 


2025/06/27

هل فطرتنا الضعف أم القوة؟

هل فطرتنا الضعف أم القوة؟
حين يُخلق الإنسان، هل يولد وفي داخله ضعف أم قوة؟
وأيهما يتجلّى فيه أولًا؟
وما الغاية من أن نُخلق ضعفاء؟ 

لقد خلقنا الله "ضعفاء".

وربما السبب، ببساطة، أن هذا الضعف هو دافع فطريّ للبحث...
للبحث عمّن نلجأ إليه، نستقوي به، نطلب منه الحماية.
هو دافع داخلي للشعور بأن هناك شيئًا آخر... أكبر، أقوى، مهيمن.
هو المحرك الذي يدفعنا لخوض الحياة،
فحين نشعر بالضعف، نحاول جاهدين أن نتخلّص منه.
نرغب بشدّة أن نستشعر نقيضه أن نختبر شعور القوة، السطوة، السيطرة، القدرة، والتحكم.

نفعل كل ما بوسعنا للوصول إلى ذلك الشعور.

في البداية
نبحث في كل ما هو دنيوي، سطحي، قريب،
كل ما تراه أعيننا، وكل ما نرى الآخرين يفعلونه.
نقترب ممّا نظن أنه سيمنحنا القوة: المال، الأشخاص، الأدوار الاجتماعية، المناصب...
وتُصبح هذه الأشياء مصدرًا لقوتنا الظاهرية،
وتتشكّل على اثرها "الأنا الزائفة"… ذلك الكيان الوهمي الذي نبني عليه هويتنا،
 غطاء نُخفي تحته ضعفنا (الذي مازال موجود).

 ولكن، وكما يحدث غالبًا في الحياة مع كل ما هو غير حقيقي...
تأتي لحظة فقد.
نخسر فيها ،
ويسقط غطاء القوة الذي ارتديناه طويلًا دون أن نتوقع سقوطه.
وحينها نصطدم بالحقيقة.
تتكشف الروح، وتصبح عارية تمامًا في مهبّ رياح الحياة...
هي الان في حاجة عميقة إلى غطاء، إلى حماية، إلى ما يقوّيها.

تصبح الروح أشبه بجلد مفتوح يظهر تحته اللحم.
وفي تلك اللحظة بالتحديد... نفهم.
نفهم أن كل ما استعنا به من قبل لم يمنحنا شيئًا حقيقيًا،
وأن تلك الأشياء لم تكن سوى صور لا طائل منها.
فنعود ونبحث مرة أخرى،ولكن بقلب مبصر.
نُفتّش في كل ما هو دنيوي، ونصل إلى خلاصة...
قد نكون سمعناها كثيرًا، وقرأناها، وتكررت أمامنا حتى أصبحت كليشيه:
القوة لا تكون إلا في الله.

في تلك اللحظة نجد الله.
ونصل إلى اجابة سؤال "لماذا خلقنا الله خلقنا ضعفاء.

نحن نولد هشّين، مفتقرين، والضعف فينا خام... لا زيف فيه، ولا أقنعة.
ضعف صادق، يبحث، يتوق، يتعلّق...
يريد أمانًا لا يجده في نفسه.
ويخلقنا الله على هذا الحال، وفي هذه الصورة،
كي نبحث عن نقيض الضعف— القوة.
فنكتشف أنها لا تكون إلا فيه.
فنتشبث به، ونتعلّق، ونأمن له.

وحين نجد الله.
ونكتشف أن القوة الحقيقية لم تكن يومًا فينا،
بل كانت دائمًا فيه.
وأننا كنا نبحث عنه دون أن ندري.

حينها فقط نصبح أقوياء—
بالله، وإلى الله، وعند الله.

ويتحوّل ذلك الضعف الذي وُلدنا به،
 إلى قوة حقيقية،قوة من نوع آخر… لا تخاف، لا تنكسر، ولا تُغريها الزينة ولا يُرهقها الطريق.
قوة لا يشوبها التعلق ولا تدنّسها الأنا.

هذه الحقيقة، التي قد تبدو للقارئ معروفة أو مكررة،
لا تُفهم بالكلمات… بل بالتجربة.
بأن تخوض عمق الضعف الحقيقي،
ثم تجد القوة الوحيدة الحقيقية.
قوة لا تعرف مصدرها ولا كُنهها،
لكنها حين تملأ القلب،
تجعلك صلبًا... لا شيء يزعزعك، لا شيء يحطّمك، لا شيء يُضعفك.

ربما خلقنا الله ضعفاء لأنه مطّلع على نفوسنا،
ويعلم أننا لا نرضى بسهولة، ولا نقنع.
يعلم أننا لن نخضع لضعفنا، بل سنقاوم، ونبحث، ونتشبّث بأي نقيض،

حتى لا يبقى لنا إلا هو… القوي الوحيد الذي نعود إليه. 

2025/06/26

الحب الإيمان

الحب... ذاك الشعور الذي يشبه الإيمان.
نحن نحب إلهًا لا نراه، لا وجود مادي له في حياتنا، ورغم ذلك نشعر به، نتحدث إليه، نتواصل معه، يسكننا بعمق، ومن فرط قربه قد تقشعر أبداننا حين نناجيه. نحبه حبًّا يفوق حبنا لأي شيء آخر... نسلم له، نأمن به، ونثق فيه.
إنه حبٌّ غير حسي، غير ملموس (ماديًا)، لا يمكن قياسه أو رؤيته أو لمسه أو رصده.

ورغم أن الله لا يُقارن بشيء، ويتعالى عن كل وصف وتشبيه، إلا أن هذا الحب الذي نحمله له يكشف عن أمر بالغ الأهمية: أننا نملك قدرة عجيبة على الحب، قدرة تتجاوز ما نعتقد، تفوق كل ما في الواقع، وتتخطى قوانين الأرض ومدارك العقل وقدرته.
ويثبت أن الحب، في جوهره، لا يُقاس بالزمان أو المكان، لا يخضع لقانون القرب أو البُعد، ولا لحضور أو غياب. لا تحكمه معادلة علمية، ولا يُفكك بمنطق عقلي... يتجاوز الحواس رغم أننا نشعر به بحواسنا... يتجاوز الإدراك رغم أننا ندركه بقلوبنا... يتجاوز أجسادنا رغم أنه يسكن أرواحنا...
إنه إحساس متأصل فينا، عميق كالروح، لا يصنعه العقل، بل يصنعه صانع المعجزات بحكمة إلهية خفية، ولكنه لا يُخطئ.

حتى الأطفال، حين يبدأون بالكلام، يعبرون عن الحب. يقولون "أحبك" ببساطة عجيبة، قبل أن يدركوا معناها في المعجم، أو يحيطوا بمفهومها العقلي، أو يُشرح لهم معنى الكلمة وما المراد منها...
يفهمون الشعور بالفطرة، ويضعونه في الجُمل بدقة، وكأن الحب بالفعل لغة تخرج من القلب...
فهل يكون الحب إذًا فطرة بالفعل؟
أول ما زُرع فينا مع الروح حين نُفِخت؟
ألم نُخلق به؟
أن يكون أول ما وضعه الله في قلوبنا هو الحب... لا يمكن أن يكون صدفة... لا شك أن وراء هذا حكمة وسرًّا.
ولعلنا جميعًا نعرف المغزى، نشعر به، دون حاجة للكلمات.

أن يكون أول ما زرعه الله فينا هو الحب… ليكون وسيلتنا لفهمه، والعودة إليه
الى الله.

لكن ما لا ننتبه له، هو كيف نُطفئ هذه الفطرة بمرور الوقت.
نُخمد نورها، نكبح تلقائيتها، ونتعامل معها كعبء، كعدو، كشيء يجب السيطرة عليه... كي لا تتأثر "الأنا"...
كي نبقى محتفظين بها... مسيطرين عليها... فإما الحب، أو الأنا.
وربما نجهل أن الحب هو إحدى الأشياء التي تُحررنا من تلك الأنا، ونرجع على إثرها لفطرتنا وطبيعتنا وإنسانيتنا...

أما حين نفقد الحب بالكامل، فلا نقول إنه بسببنا أو بسبب "الأنا"، بل نُرجع غياب الحب في حياتنا إلى الآخرين... إلى الواقع... إلى الخارج... إلى الظروف، والأحداث...
ومع الوقت، يتحول الحب من فعل فطري بسيط، إلى جهدٍ نبذله بشقّ النفس،
إما لنَجِده، أو لنوقظه، أو لنبقيه...
نُعقّده، نربطه بما ليس منه، نُخضعه للعقل، ونُخرجه من منبعه الأصلي: القلب.
وندمجه بكل ما هو مادي وعقلاني وأرضي...

لا أدري لماذا نُضيع الأشياء ثم نعود لنبحث عنها؟
هل هذه هي تركيبتنا البشرية؟ نَزهد في ما نملك، ونُمعن في تعقيد البسيط؟
منذ بدء الخليقة، والحب ليس فقط معضلة الإنسان، بل هو ما يحاول - دون وعي - أن يتجنبه، أن يُقصيه، أن يُخمده.
كل ما نفعله، دون إدراك، يقف في وجه الحب...

هو استنزاف لطاقة خُلِقنا بها، طاقة ربما تكون من أعظم ما ميّزنا كبشر، وأعمق ما يربطنا بالله.
حتى أنفسنا... نفقد الحب لها.

أنا مقتنعة أن الحب، كالإيمان، يحفظنا من الكثير من شرور الأرض...
لأنه ليس فقط عكس الكره، بل هو في الأصل ضد الإيذاء...
لذلك، القلب الممتلئ بالحب لن يؤذي، لا روحًا ولا جسدًا ولا عقلا.
هو محرر الروح من "الأنا"، ففيه الخلاص...
هو ما يردعنا، يوقفنا، يهذبنا، ويعلّمنا كيف نعيش بإنسانية كاملة، وكيف نجد الله.

2025/06/25

لحظة صمت

أجلس أمام الورقة البيضاء، أحدّق فيها وتحدّق فيّ… كمرآة.
لا أعرف من أين أبدأ. بياضها يُحاكي بياض أفكاري، وفراغها يُشبه فراغ الكلمات داخلي.
لا أدري كم من الوقت مضى، وأنا جالسة في نفس المكان، أفعل الشيء ذاته: أنظر إلى الورقة أمامي…
لا أفعل شيئًا على الإطلاق.
فقط أجلس، مستمتعة بالهدوء التام من حولي.
بالسكون الذي أحبّه، بل أبحث عنه وسط زحام الأيام.
لا رغبة لي في الحديث مع أحد، ولا في الاستماع لأحاديث لا تعنيني.
 منفصلة تمامًا عن الواقع، غارقة في أفكاري، وخيالي، وعالمي الداخلي.

والحقيقة؟
في هذه اللحظة، لم تكن تسيطر عليّ تساؤلات عميقة، ولا أفكار ملحّة تطالب بالخروج.
بل على العكس تمامًا… كانت لحظة هدوء فكري، صمت عقلي،
شرود هادئ في اللاشيء… وتأمّل صامت في كلّ شيء.
لحظة استمتاع نادرة بالوحدة.

وفي مثل هذه الأوقات، أحب أن أستمع إلى الموسيقى.
ليس لأكسر الصمت، بل لأمنحه طبقة أخرى من الراحة.
لأرتّب اللحظة، وأُجمّلها، وأغمرها بمزيد من المتعة.
تلك المتعة البسيطة التي تروق لي كثيرًا.

بدأت بأغاني أم كلثوم التي تتغنّى بالفصحى…
قصائد شعرية تلامس أماكن خفية بداخلي، وتحرّك شيئًا عميقًا في أعماقي.
فمنذ زمن، للكلمات مفعول السحر عليّ.
أعشق الحروف، والبلاغة، والشعر، والكلمات التي تصيب مواضع الإحساس بدقة.
أحب التشبيه، والصدق، والتعبير الصافي.
وكلّما مرّ الزمن، ازداد شغفي بمفردات اللغة، وإعجابي بكلّ من أجاد استخدامها .

أخذت أستمع…
وفجأة،
وجدتني أتساءل:
هل هناك لحظات في الحياة تضاهي هذه اللحظات؟
لحظات نعيشها في هدوء، برِفق، بعيدًا عن ضوضاء الحياة، وفوضى التفاصيل…
بعيدًا عن قصص الآخرين…

أجمل لحظات العمر، تلك التي نقضيها في سلام.
في استرخاء، وهدوء، وتأمل.
لحظات تمرّ ببطء… لكنها تمسّ القلب.

وتساءلت:
لماذا أصبحنا نهرب من البساطة والهدوء؟
لماذا نُجهد أنفسنا في ملء أيامنا بالأحداث، والأشخاص، والأحاديث؟
لماذا نربط البساطة بالملل؟
ولماذا نصعّب على أنفسنا فكرة الخلوة بالنفس؟ لماذا نخشى التأمل؟
لماذا نشغل عقولنا بلا توقّف، ونستنزف أرواحنا بالتكنولوجيا، والركض خلف كل شيء؟

عدت أنظر إلى الورقة البيضاء الفارغة…
وقررت ألا أبذل اليوم مجهود التفكير أو الكتابة.
إن لم تحضر الفكرة، فلن أجبرها على الحضور.
سأستسلم للحظة كما هي… وأستمتع بها كما جاءت.

أغلقت اللابتوب الذي كنت أكتب عليه…
وأخذت أغوص في كلمات الأغنية
وأتأمل الليل… هدوءه… سكونه…
مشهد السماء، صورة القمر المحببة،
وبحثت بعيني عن النجوم كطفلة تحاول أن تراهم للمرة لأولى.
شعرت بالسكينة، واستمتعت بصوت الأشجار، وهي تتحرّك برفق واستسلام.

شعرت أنّ الطبيعة ربما تسمع الله أكثر منّا…
تستسلم له، وتعيش اللحظة كما هي… دون مقاومة… دون ضجيج.

وبقيت معها…
لا أعلم كم مضى من الوقت، ولا يهم.
كلّ ما أعلمه…

أن دائما تأتي تلك للحظات كواحدة من أجمل لحظات العمر. 

سر الحب...سر الحياة

أأخبرك سرًّا؟

ما يُخيفني من الحب،

ليس تغيّر مشاعر الآخر،

ولا فكرة الفقد، أو الهجر، أو الخذلان…

ما يُخيفني حقًا: هو قلبي.

تقلبه، صمته، تمرده…

أن يخفت فيه الحب، أن ينطفئ،

أن يُغلق أبوابه ولا يعود يفتحها،

أن تنقص فيه المشاعر حتى يُصبح فارغًا.

أنا لا أثق في دوام الأشياء،

ولا ببقاء الشغف،

ولا باستمرارية الشعور.

أؤمن أن كل شيء يموت… حتى الحب.

--------------------------------

كنتُ أتجول في سوقٍ للكتب المستعملة،

أتصفّح العناوين،

حين وقعت عيناي على كتابٍ اسمه: "سرّ الحياة".

في صفحته الأولى، وجدتُ إهداءً من امرأة لرجل،

وصفته فيه بـ"الوفيّ".

كان الإهداء صادقًا، بسيطًا، دافئًا.

أحببت تلك الفكرة الشاعرية:

عاشقان يتشاركان الأدب،

يُهديان الكلمات،

يُخبئان الحب بين السطور، داخل الكتب.

ذلك هو الحب الذي أفهمه:

ببساطته، وشاعريته، واحساسه وقلة مطلبه.

لكن الحقيقة آلمتني…

الكتاب لم يبقَ معه.

تخلّى عنه.

انتقل من يدٍ إلى يد،

حتى انتهى إليّ.

وهنا تساءلت:

أهكذا يموت الحب؟

بهذه البساطة؟ بهذا الصمت؟ بهذا التهاون؟

هل مات في قلبه

فجلست هي على قارعة الطريق ترثيه،

تتكبّد أوجاع الفقد؟

أم مات في قلبيهما معًا،

رغم رهانهما الداخلي على استمراره؟

أياً كان السبب،

تبقى النتيجة واحدة:

انتهى الحب.

مات.

بل وفرّط هو في "متعلقات" هذا الحب.

----------------------------------------

وعلى إثر تلك الفكرة،

أهرب من النهايات.

فلم أتصالح بعد مع فكرة أن الحُب يموت.

هربت من الحب الواقعي إلى خيالي،

واختبأت فيه.

صنعت عالمًا صغيرًا يشبهني،

ويُشبعني.

عالمٌ لا يموت فيه الحب،

ولا ينقص، ولا يتغيّر.

بل يكبر كل يوم،

ويتشبّث بالحياة أكثر.

حبٌّ بعيد عن الواقع،

---------------------------------------------------

أغلقت غلاف الكتاب،

وأنا ممتنّة لنظريتي، لملجئي،

وأشعر أنني أكثر فطنةً من الحياة،

وأنني اكتشفت طريقة مثلى للتعامل معها.

ذهبت لأشتري الكتاب،

وأثناء انتظاري للدفع،

وقعت عيناي على شخصين

تبدو عليهما ملامح الحب في نظراتهما،

وفي تصرفاتٍ بسيطةٍ…

ظاهرها عادي، وعمقها رقيق.

ابتسمت،

وكي لا أقتحم "لحظتهما"،

خفضت عيني نحو الغلاف في يدي،

وقرأت العنوان مجددًا: "سرّ الحياة".

وعلى أثر هذا المشهد، وجدتني أفكر::

ربما…

الحب لا يُؤجَّل، ولا يُؤمَّن،

ولا يُدار كنظرية.

لا نخبّئه في أروقة الخيال،

ولا نُخضعه لشرط الاستمرار.

الحب… يُعاش.

كما يأتي، وحين يأتي.

بكامل حضورنا، دون تردّد أو ريبة أو ضمانات.

نمنحه قلوبنا دون شروط،

نُسلِم له… فنَسلَم.

ربما لم يكن السرّ في أن يبقى الحب أو يموت،

بل في أن نحيا نحن،

في أن نعيش لحظةً واحدةً بصدق،

نغوص فيها بكل وعينا،

نُحب فيها بكلّ ما فينا.

لعلّ تلك اللحظة وحدها…

تكون هي الحياة.

ربما…

سرّ الحياة هو لحظة حبٍ نصادفها، فنصادقها، فنعيشها كما هي.

اشتريت الكتاب،

وخرجت من المكتبة.

وبيدي كتاب شهد يوما ما على لحظة حب صادقة
فاحتفظ بالذكرة 
وربما هذا يكفي


2025/06/23

مخيرون...مسيرون

في عمق كلّ إنسان، سؤالٌ قديم...
سؤالٌ لم يملّ العقل من تفكيكه،
ولا سئمت النفس من إعادة طرحه بأشكالٍ لا تُحصى:
هل نحن مُسيَّرون أم مُخيَّرون؟
هل نختار فعلاً، أم أن اختياراتنا مشاهد من سيناريو كُتب مسبقًا؟
هل نسير بإرادتنا، أم أن الطريق هو من يسير بنا؟

لكن هذا النص لا يحاول فضّ الاشتباك،
ولا ينحاز إلى طرفٍ في هذا الجدل الطويل،
بل يفتح بابًا لاحتمال ثالث:
أن تكون الحياة أوسع من هذه الثنائية،
وأن يكمن السلام لا في الوصول إلى إجابة،
بل في طريقة عيش السؤال.

نحن نختار —
نفكّر، نقرّر، نثور، نرفض، نقبل،
نحبّ وننفر، نتقدّم ونتراجع...
ولكن،
ماذا لو كان كل اختيار نقوم به
نتيجة حتمية لسلسلة خفية من العوامل؟
عوامل لم نخترها أصلًا:
البيئة، التربية، الجينات، الصدمات،
وحتى "الأهواء" التي لا نعرف من أين أتت.

فهل نكون أحرارًا حقًّا؟
أم أن الفعل نفسه — حتى لو جهلنا أسبابه —
هو شكلٌ من أشكال الحرية التي مُنحت لنا؟
ربما، يكفي أن نملك القدرة على الاختيار... حتى ولو كانت محدودة.


وهكذا نحن،
نعيش بين طرفين:

طرفٌ يُلقي كل شيء على القدر،
ليهرب من المسؤولية.

وطرفٌ يحمل نفسه فوق طاقتها،
ليتوهم أنه يتحكم بكل شيء.

نسأل باستمرار: من المسؤول؟
نحن؟ الظروف؟ الله؟ الآخرون؟
لكن ربما...
ليست الإشكالية في "الجواب"، بل في السؤال نفسه.


الجواب — إن وُجد —
يشبه من يقود سيارة:
يمسك المقود، يختار الطريق، يتحكم بالسرعة،
ويظن أنه يتحكم بكل شيء...

لكن الطريق فيه منعطفات لا تُرى،
ومنحدرات غير متوقعة،
والقدر قد يداهمه من زاوية عمياء،
فتتبدل وجهته في لحظة،
وتتلاشى سيطرته التي ظنّها مطلقة.

فكّر للحظة:
لو جاءك الجواب الآن، حاسمًا، لا شكّ فيه —
أنك مُسيّر بالكامل، أو حرّ تمامًا —
ما الذي سيتغيّر؟

هل ستكفّ عن المحاولة؟
عن الحلم؟ عن الخطأ؟ عن المضي؟

على الأرجح لا.
كنت ستواصل القيادة،
بوعي، وتحكم، وتأمل...
مع تسليمٍ صادق لما يتجاوزك من أحداث.

نختار، نتحرك، نقرر،
ثم نُسلّم لما لا حيلة لنا فيه.
ربما هذا هو التوازن الوحيد الممكن.

وربما —
الأجدى من كل ذلك،
أن نقود… دون أن نُثقل الرحلة بالسؤال.

2025/06/22

الفقد، التخلّي، التملّك

 الفقد، التخلّي، التملّك

نتعلّم التخلّي من الفقد...
لا أحد يُولد زاهدًا،
ولا أحد يختار التخلّي حبًا فيه.
لكننا نفقد... مرة بعد مرة:
أشخاصًا، أشياءً، أماكن، لحظات...
فنغادر، ونفارق، ونتألم،
حتى تتهذّب الروح وتفهم:
"لا شيء يدوم."

حين نأتي إلى الحياة،
نحسب أن الدوام حق،
وأن من نحب سيبقون،
وأن ما نملك سيظل معنا،
لكن كل شيء... يمضي.
فنفهم.
وندرّب قلوبنا على ألا تتعلّق،
لا من باب الحكمة،
بل من باب النجاة.
نحاول أن نُبقي على نقاء القلب،
أن نصمّم استراتيجية للبقاء،
تحمينا من ألمٍ... ذقناه سابقًا.
وقد يتحوّل هذا "التخلّي" إلى عادة،
ثم مبدأ،
ثم عقيدة نعيش بها، ونظنها تحمينا.

لكن...
قد يكون في هذا المبدأ خلل،
لأننا لا نفقد إلا ما نظن أننا نملكه،
ولكي نفقد شيئًا بالكامل،
يجب أن نكون قد امتلكناه بالكامل.
لكن... من يملك شيئًا بالكامل؟
نحن لم نُخلق لنملك،
حتى أنفسنا لا نملكها.
الله يشاركنا فيها،

قد نبدأ القرار، لكن لا نضمن أن نكمله.
قد نملك المحاولة،
لكن الاستمرار ليس بأيدينا دائمًا.

"نعم، نحن "مخيّرون،
"لكننا لسنا "مالكين.

حين ندرك ذلك،
يأتي التخلّي بهدوء...
كهواء باردٍ يتسلّل من نافذة مفتوحة.
لا يحتاج إلى جهد،
ولا إلى مقاومة،
ولا إلى فَقْد جديد.
هو فقط... يأتي.
ينساب إلى أرواحنا،
ويعلّمنا الطيران.
لا لأننا زهدنا،
بل لأننا فهمنا.

2025/06/21

النقص والاكتمال

 

أحاول...
وما زلتُ في بعض المواطن أتشبّث بالأرض،
ولا أترفّع عن تفاهاتها.

أحاول...
وما زلت أنجذب إليها،
أتعلّق ببعض ما فيها،
أتمسّك بما أُدرك أنه فانٍ.

هل تخلّيتُ بالكامل؟
هل فَكَّت الروحُ روابط تعلّقها بالمادة والدنيا؟
ليس بالكامل.

هل وصلتُ إلى أقسى معاني السلام الذي أكتبه؟
ليس بالكامل.

هل عرفتُ الحب؟
ليس بالكامل.

هل عرفتُ نفسي؟
ليس بالكامل.

ولكنني... لا أزال أحاول.
أمضي، أمشي، أواصل…

وربما...
لا يوجد في هذه الدنيا شيء كامل.
ربما كانت غاية الحياة أن تظلّ الأشياء ناقصة،
أن يكون الاكتمال نفسه وهمًا.

ربما السرّ في أن نسير،
لا أن نصل.
أن نمضي،
حتى وإن لم يكتمل الطريق.

"إنكم تفرحون بالوصول،
ولكنكم لا تعلمون أن الوصول هو في المسير ذاته."

— (جبران)

نفكّر، نخطّط، نبحث عن الطريق… ثم نسير.

لكن،
هل يعني السير أننا سنصل؟
وهل كل طريق له نهاية؟
وهل الخلاص في اكتمال الأشياء؟
وهل الغاية هي في الوصول… أم في المسير؟

منذ خُلقنا، ونحن نمشي…
نظن أن الطريق يقودنا إلى نهاية منتظرة،
إلى حلم نحققه، أو لحظة نرتاح فيها.
لكن حتى حين نحلم،
نحن لا نحلم للحلم نفسه… بل لتحقيقه.

دائمًا هناك شيء نريد الوصول إليه.
مكان نودّ أن تطأه أقدامنا،
فكرة نريد أن نُنجزها،
حلم نأمل أن يتحوّل إلى واقع.

لكن، ماذا يحدث حين نصل؟
ألا تبهت مشاعرنا؟
ألا نفقد الشغف فيما كنّا ننتظره بشوق؟

ماذا عن الحلم…
هل نسعد حين يتحقق، أم أن ما يجذبنا إليه هو بعده؟
هل بريق الحلم في صعوبة الوصول إليه؟
هل ما لا يُلمس، يحتفظ بجماله؟
وحين نملكه… نفقد اهتمامنا به؟
حين ينزل الخيال إلى الأرض،
يبهت، يُصبح "شيئًا عاديًا"،
فنعتاده… فـنـزهَد فيه.

ربما، نحن لا نحب الحقيقة بقدر ما نُفتن بالخيال.
ربما حبنا للبعيد، نابعٌ من طبيعتنا البشرية،
من ذلك القانون العجيب:
كل ما يصعب امتلاكه، نريده أكثر…
وكل ما نملكه، نفقد شغفنا به.

فهل غاية الخيال أن يبقى خيالًا؟
لا أن يتحوّل إلى واقع؟
وغاية الطريق في المسير لا الوصول؟
هل الحياة نفسها أكثر حكمة من أحلامنا،
فجعلت الاكتمال مستحيلًا؟

ربما…
ربما تكون الغاية ،
في الطريق لا المستقر،
في الحلم لا التحقيق،
في البحث… لا في العثور.

وربما
غاية الحياة أن نظلّ نسير، وألا نكتمل أبدًا.
في النقص لا الاكتمال

2025/06/20

الفطرة...انسان حقيقي

أغمض عينيك...
وتخفَّف من ضجيج العالم.
تسلّل نحو السكون الأول...
حيث كنت قبل أن تتعلّق بشيء،
قبل أن تُسمّى، وتُعرَّف، وتُشكَّل.

ارجع إلى مقرّك الأول...
إلى حقيقك ،
إلى فطرةٍ نقيّة لم تُلوّثها الأنا،
إلى صورتك كما أرادها الله،
حين نفخ فيك الروح،
وقال: كُن.

اخلع عنك رداء الزيف،
وتخفّف من درع "الصلابة" الذي صنعته لتنجو...
دع هشاشتك تظهر، فهي جزء منك،
وضعفك يتنفس، فهو ما يجعلك إنسانًا.

أنت لم تُخلق لتكون حجرًا،
ولا لتتجمّد خلف أقنعة القوة.
أنت روحٌ تتقلّب...
تتألم... وتحب... وتبحث.

اغمر كيانك في الطبيعة،
دع الهواء يملأ صدرك حتى يقشعر جسدك،
انظر، تنفّس، اشعر...
دع الأشياء تمرّ من خلالك دون مقاومة.

عِش الحياة كما هي،
خامًا، بسيطة، كما خرجت من يد الخالق.
ذُب فيها حتى تنسى الفرق بينك وبينها،
حتى تقول: أنا منها، وهي مني.

تحرّر من "الأنا"،
من تلك الصورة المشدودة إلى رأي الناس،
وتلك المعايير التي لا تُشبهك.

غادر ازدحامهم،
واهجر صخبهم،
واستكن حيث يُسمَع همس الله في داخلك،
حيث تتجلّى الروح، وتطمئن النفس،
وحيث ترى النور،
لا بعينيك، بل ببصيرتك.

طر عاليًا...
ودع الرداء الحديدي يسقط في الفراغ.
افتح صدرك،
واشعر بجسدك يحيا،
وبروحك تعود إلى أصلها.

اشعر...
أنك إنسان.
حقيقي.

2025/06/19

الحقيقة

 


الحيرة...

واحدة من أكثر المشاعر الإنسانية قسوة.
أن تفعل عكس ما تشعر، لأنك لست متأكداً.
أن تصدّق ما تراه، وتكذّب ما يُخبرك به حدسك.
أن تبحث عن أدلّة، تحلّل، تستنتج، تقنع نفسك أن الخيال مجرد خيال،
وأن الحدس وهم،
وأن ما يراه الجميع هو ما ينبغي أن تراه.

أن تفقد — عن وعي — ثقتك بإحساسك، بحدسك، بنفسك.
أن تُحاصر في منطقة رمادية:
لا أرض، ولا سماء... لا نور، ولا ظلام...
فقط الانتظار.
تتلوّن أيامك بلونٍ باهت،

شيئًا فشيئًا، تجد نفسك تعيش في مساحة غير مؤهلة للحياة،
وكأنك تبتعد عن نفسك، أكثر من ابتعادك عن الآخرين.

الحيرة... لا تأتي وحيدة.
تجرّ خلفها الشك، والتيه، والبعد عن الحياة، وفقدان اليقين.
تحجب عنك الحقيقة،
فتعيش الظلم،
وتشك في أنه ظلم،

نحن لا نحب الحيرة،
لكننا، في لحظات كثيرة، نخاف الحقيقة.
نهرب منها، لا نبحث عنها، نرفضها، نكذبها.
نكره الألم الذي يأتي معها،
فنغوص أكثر في الحيرة...

الحيرة قد تكون الجهل المتعمّد...
ذلك الأذى الصامت الذي نظنه آمنًا.
في أحيان كثيرة، تكون إجابة السؤال الذي يحيرنا معروفة في أعماقنا،
لكنها تخالف رغباتنا،
فنختار أن نبقى متحيّرين، رغم أننا نعرف.

الحيرة... غطاء ذهني للحقيقة التي لا نريد رؤيتها.
فنختبئ منها.

وأنا...
عشت الحيرة.
وعشت الحقيقة.
عرفت قسوتهما،
لكنني لم أتوصل إلى نتيجة:
أيهما أشد قسوة؟
أم أن كليهما يحمل وجعه بطريقته؟
فالأولى تقصينا عن الحياة،
والثانية تُعيدنا إليها لتُقصي الحياة في داخلنا.


أتذكّر المشهد الأخير...
ليس حين انتهت القصة،
بل حين انتهت الحيرة.

أتذكّر يومًا شتويًّا مشمسًا،
جاء بعد ليالٍ طويلة من الظلام الدامس...
ليالٍ قضيتها بين صوت داخلي يُؤكّد،
وأصوات خارجية تُكذّب.
بين يقين صامت، وإنكار صارخ.
بين تيه... وضياع... وفقدان بوصلة الطريق.
بين حياة خارج الحياة، وذهن شارد،
ومشاعر تحترق، وقلب يُبصر، وحدس يصرخ،
وروح لا أشعر بها.

كنت أعيش داخل مشهدٍ مبهم، مليء بالألغاز.
فاخترت أن أكتفي بالسطح...
ألا أحلّل، ولا أنظر خلف الرموز.

لكن رغم الاكتفاء بالقشرة الخارجية،
تسللت أعماق المشهد دون عني إلى داخلي.
ترسّبت...
ثم تكاثفت،
حتى أحدثت ندوبًا لم تختفِ.

عشت الحيرة...
ذلك الظلام الذي طال،
حتى ظننت أن الكون خُلق بلا شمس،
بلا نهار،
وأنني أخطأت حين ظننت بوجود النور.

ثم... جاء النهار.
ظهرت الشمس...
لكنها لم تأتِ كما تمنّيت.
جاءت كما يأتي الموت الرحيم:
هادئة، باردة، وقاسية.
لحظة تبقى في الذاكرة كنقطة تحوّل،
لا ننسى بعدها شيئًا.
وكيف ننسى؟
والوجع يضرب من القلب حتى الجسد،
فيمرضه مرضًا لا دواء له.

لم أعِش التجربة كما أكتبها فقط...
بل لن أكتبها كما عشتها...
.
ظلمة الحيرة، وحرقة الحقيقة.
تلك الحرقة التي تشبه شمس أغسطس:
لا تبقى في السماء،
بل تهبط إلى الأرض،
تصل إليك،
تلمسك،
ثم تحرقك بالكامل.

ومن شدّة نورها...
تفقد الرؤية.
فتدخل في ظلام من نوع آخر.
تُكذّب الحقيقة،
تهرب منها،
لا تواجه، لا تُفكّر، لا تُصارح نفسك.

لكن، في قلب كل ذلك...
تبدأ كرامتك بالعودة،
تسترد ثقتك بذاتك،
تدرك أنك لم تكن مجنونًا،
ولا ضعيفًا،
ولا واهمًا.
كان حدسك صادقًا.
كنت على صواب،
حتى وإن لم يُصِب ظنك في الآخرين.

ولأنك إنسان...
كنت تتمنى أن يُخطئ حدسك،
وأن يصدقوا هم.


لكن بعد كل ذلك...
خلّفت الحيرة سؤالًا جديدًا:
أيهما أقسى؟
أن تتحيّر؟
أم أن تقتلك الحقيقة؟

واليوم أقول:

الحقيقة تسكن داخل الحيرة، لكنها تنتظر الشجاعة.
تخرج حين نملك القوة لمواجهتها،
أو حين نُجبَر على استقبالها.
تظهر قدريًّا...
تسقط فجأة...
أو تنفجر.

والحيرة...
أشد إيذاءً من الحقيقة،
وأكثر قسوة،
لأنها تُخرجنا من الحياة،
وتُبعدنا عن أنفسنا.

فحين نقترب من ذواتنا،
نرى كل شيء بوضوح،
ولا نتحيّر.

الحيرة ضعف...
والحقيقة قوة.
الحيرة خوف...
والحقيقة شجاعة.

والحياة...
لا نشعر بها ولا نعيشها الا حين تكون
"حقيقية"

2025/06/16

الرضا


الرضا

هو الحياة الخام،

الطبيعة كما وُجدناها…

الحقيقة...

البياض التام،
العشب الأخضر،

السُّحب، الطيور المحلّقة،

هدير البحر، ملمس المطر،
الشعور بالهواء

صوت الأذان

خشوع القلب وقت الدعاء،

صمت الكون قبل الفجر،

ومشهد شروق الشمس…

ثبات شجرةٍ في كل الفصول.

إنه الحبّ غير المشروط،

التقبُّل التام لكل ما يدور،

القلب المتجه إلى السماء،

التسليم،

تبسّم القلب،

وشعورٌ داخلي لا يوصف… بل يُعاش.

فطرة خُلقنا عليها،

وحقيقةٌ اختلفنا حولها.

الرِّضا… كلمة تعمقنا في كتابتها،

استنزفناها حدّ التكرار والابتذال،

رغم أنها لا تُقال… بل تُحس،

تُسكن النفس...


الرِّضا سِمةٌ تملأ القلب،

فتنعكس نورًا على الوجه.

الرِّضا مرادف الحب.

هو أن تُحبّ ما لا تراه،

وتتقبّل ما لا تفهم.

هو مقياس حبّك لله،

فنحن نحبّ إلهًا لا نراه،

فكيف لا نتقبّل ما نراه منه؟

الرِّضا ليس كلمة نرددها،

ولا تظاهرًا بالصبر والثبات.

بل هو ألا تنقلب أعماقك مع الأحداث،

ولا تتبدّل مع تقلّبات الحياة.

الرِّضا يبدأ بالحب،

وينتهي بالحب.

يبدأ بحبّ الله،

ويصل بك إلى حبّ الدنيا وتقبّلها دون

تعلّق بها.

--------

لكننا كثيرًا ما نُخطئ في التسمية…

فما نعيشه أحيانًا ليس رضا، بل صبر.

الصبر أن تكره ما يحدث،

لكنّك لا تسعى لتغييره.

تتقبّله بعقلٍ بحت…

قد لا تكون سعيدًا، ولا مرتاحًا،

بل ممتلئًا بصراعات ومشاعر سلبية —

حتى إن حاولت الهرب منها —

ففي داخلك رفضٌ خفيّ لما جرى.

أما الرِّضا…

فهو ألا ترفض، لا في داخلك ولا ظاهرك.

أن تتقبّل عن حب، لا عن "محاولة".

كمن يقف على شاطئ،

فتهبّ موجة عاتية...

فيستسلم دون مقاومة، لأنه يثق بمن أرسل الموجة.

------

الرِّضا يشبه زيارتك لأحدهم،

فيُقدّم لك طعامًا،

فتبتسم وتمتن…

لا يهمك نوع الطعام ولا مذاقه،

بل تشكر، لأنه بذل جهدًا.

نحن ضيوفٌ الله على هذه الأرض،

وأقدارنا هي ضيافته لنا.

-----

ونعود للسؤال الأهم...

هل عرفتَ الشعور بالرِّضا؟

إن يسكن روحك،

فتتحوّل إلى بيت هادئ، ساكن…

لا صوت فيه، لا صخب،

لا ضجيج أو تمرد أو غضب...

لا نفور أو هروب أو قلق،

فقط موسيقى رائقة تعزف، ودفء مقيم تعيش فيه،

سكينة لا تحيد،

نورٌ خافت،

وحيطان تفيض حبًّا وتقبُّلًا…

فتشعر أنك مرتاح....وأن هذا العالم... هذا المنزل
 يكفيك عن كل ما في الخارج...

فمهما يحدث، لا يحدث.....

ومهما اشتعلت الحرائق في الخارج،

يبقى الداخل كما هو:

لا يتغير:

ثابتًا، مطمئنًا، لا يتبدّل.

هل جربت شعور الرِّضا؟

هو الرِّضا،

كلمة تحمل بداخلها ما يكفي من معنى
وشعور لا يشبه أي شعور ...