العدلُ لأنفسِنا قد يكون، في عيون الآخرين، قمّةَ الظلم.
أن تختار نفسك، وأن تكون صادقًا معها، قد يعني أحيانًا أن تخدش صورةً رسمها لك غيرك.
وفي تلك المناطق الرماديّة الشائكة، يبرز السؤال الأصعب:
من نختار؟
أنفسنا أم الآخرين؟
وهل يصبح "ظلمُ الآخر" -في بعض الأحوال- شكلاً خفياً من أشكال العدالة؟
تأمّل حياتك قليلًا..
استرجع مواقف تخلّيتَ فيها عن مسارك لأن شخصًا آخر لم يُرِده.
آثرتَ رغبته على رغبتك، لا بدافع الإيثار، بل بدافع الخوف..
الخوف من أن تقع في فخ "الظالم" بنظرهم، أو الخوف الأعمق: أن تفقد صورتك المثالية.
لكن، كيف خرجتَ من تلك المواقف؟
أكنتَ أكثر سلامًا، أم أكثر صراعًا؟
هل كنت صادقاً، أم بارعاً في التمثيل؟
كثيرًا ما نُصنّف قرارات البحث عن الذات -في حب، أو مسار جديد، أو تغيير جذري- بأنها "أنانية مفرطة".
أعترف أنني كنتُ كذلك..
كنتُ ألوّن تلك القصص بالأسود القاتم، وأسقط عليها أحكامي : «لو كنتُ مكانهم لما فعلت».
لكن الحقيقة..
أنني ربما لو وُضِعتُ في الظروف نفسها، وامتلكتُ شجاعتهم، لفعلتُ الشيء نفسه.
لقد أدركتُ أن هناك مناطق وسطى بين الظلم والعدالة.
وأن الصدق مع النفس -حتى لو ترتّب عليه وجعٌ مؤقت للآخر- قد يكون قمّة العدل، وقمّة الشجاعة.
أما أن توهم نفسك بأنك تؤثرهم عليك، بينما تمثّل دورًا لا يشبهك، وتراكم الغضب في داخلك.. فذلك هو "الظلم الحقيقي".
ظلمتَ نفسك بالكبت، وظلمتهم بالكذب.
فمن يمتلك الجرأة ليقول: «هذا أنا، وهذا ما أريده»،
هو في الحقيقة يحترم إنسانية الآخر أكثر ممّن يخدعه لسنوات بداعي "الحرص على مشاعره".
الأقنعة ثقيلة، ولا بدّ أن تسقط.. وحين تسقط متأخرة، يكون السقوط مدويًا.
ولكن..
الخيط رفيعٌ جداً بين "العدل مع النفس" وبين "اتباع الهوى".
وميزان هذا العدل لا يميل مع الرغبات، بل يستقيمُ بـ "النيّة". اسئل كيف تفرّق بينهما؟
ربما حين نسأل:
هل قراري هذا يُغذّي "الأنا" بداخلي؟ هل يعلي غروري وكبريائي ومصلحتي؟
أم أن هذا القرار سيُزلزل "الأنا"؟ سيُحرجها، يُعرّيها، ويضعها في مواجهة صعبة ومكلفة؟
فالأول قرارٌ نابعٌ من هوى.. وتلك أنانية.
أما الثاني، الذي يختار الحقيقة رغم ثقلها، فهو العدل مع النفس.
ربما هذه هي صدق العدالة كما استنتجتها...
No comments:
Post a Comment