اليقظة… الانكشاف… الاكتشاف… النضج… الوعي.
مراحل لا يمرّ بها الجميع.
وكثيرًا ما سألتُ نفسي: لماذا يمرّ بعضهم بها، بينما يعبر آخرون الحياة دون أن يلمسوها؟
هل هو سرّ؟
هل هو اختيار ربّانيّ يُلقى في طريق أحدهم دون آخر؟
أم أنّه قرارٌ إنسانيّ… مسارٌ شخصيّ لا يفرضه القدر بل يفتحه القلب حين يستعدّ؟
وهل الوعي طريقٌ واحدٌ فعلاً؟ طريق واضح ينساق إليه أحدنا بلا قصد، بينما يهرب منه آخر كي لا يراه؟
أيُعقل أن يرغب إنسان - من تلقاء نفسه - أن يدخل طريقًا كهذا؟
وهل السعادة في الاقتراب منه… أم في البعد عنه؟
وهل هو طريق أصلاً؟ أم مجرّد مسيرٍ في أرضٍ لا تشبه الأرض: رمالٌ تتحرّك تحت قدمك، حجارةٌ تجرحك، حُفَرٌ لا تُرى، وفراغات؟
وهل لهذا الطريق بداية ونهاية؟
أم هو دائريّ… تبدأه حين تفتح عينيك لأول مرة، وتنهيه حين تدرك أنك لم تكن نائمًا فقط، بل كنتَ ميتًا وأنت لا تدري؟
ما هو الوعي؟
ما هي اليقظة؟
م
ا تلك اللحظة الخرافية التي تُفتح فيها عيناك ولا تعرف بعدها كيف تغلقهما؟
أن يصبح بصرك خارقًا، ورؤيتك نافذةً إلى الحد الذي ترى فيه ما وراء الأشياء… وليس الأشياء نفسها؟
وما هي لحظة الكشف تلك التي يتغير على اثرها كل شئ؟ التي تليها دهشة، ثم وجع، ثم بصيرة، ثم حياة؟
أخبرني… هل جرّبت؟
كيف خرجت منها؟
كيف رأيت الناس بعدها؟
هل تغيّروا في عينيك أم أنت الذي تبدلت؟
وهل لمحوا فيك اختلافًا، أم ظلّ العالم كما هو بينما تغيّرت أنت وحدك؟
وهل يمكن لإنسان أن يظنّ أنه خاض التجربة وهو لم يخضها قط؟
أن يخلط بين العلم والوعي،
بين الرؤية والبصيرة،
بين الفهم واليقظة؟
أن يظنّ نفسه يقظًا، بينما ما زال يعيش على السطح؟
قالت لي صديقة يومًا: "أريد أن أعيش كما يحيا الآخرون… على السطح."
وأجبتها بصوت من عاش هكذا لسنين طويلة:
لا سعادة هناك…
لا شعور…
لا راحة…
لا حياة.
على السطح، كل شيء فراغ.
تعيش بعينَي مغمضتين وأنت تظن أنك تبصر.
تنظر ولا ترى…
ترى ولا تفهم…
تظنُّ أن بصرك حديديّ، بينما داخلك مظلم، نائم.
تظنّ أنك مستيقظ، بينما الحقيقة أنك لم تستيقظ يومًا:
السطح موت.
والوعي حياة.
الوعي يُرعبنا… لأنه يكشفنا.
يكشف ضعفنا وضعفهم…
يكشف هشاشة العالم وضآلة ما ظننّاه يومًا مهمًّا.
لكنّه — رغم ذلك — يُحيينا.
وربما الحقيقة.. أننا لا نفتح أعيننا فجأة كما ظننت. بل أننا في لحظةٍ ما - تختلف من شخص لآخر - نُغمض أعيننا عن الحياة من فرط الوجع، أو الاحتراق، أو حتى الحب أو الصدمة.
نُغمض أعيننا..
فلا نعود نرى الحياة الخارجية.
نبتعد عنها للمرة الأولى..
لا نلتهي بها..
فنستكشف شيئًا جديدًا.. داخلاً لم نره من قبل.
ينكشف الغطاء فنرى.
وكلما دققنا النظر، زادت واتسعت بؤرة الرؤية، فرأينا أكثر.
ووعينا بالموجود بداخلنا.
أليس "الوعي" مشتقًا من "الوعاء"؟.. وعاؤنا الداخلي؟
ثم.. وحين ننتهي من رؤية الداخل جيدًا..
تتفتح أعيننا من تلقاء نفسها.
فنستيقظ.
وحينها نرى الوجود كما لم نره من قبل قط.
ونفهم.. أن البداية من الداخل. والنهاية في الداخل. وأن الخارج هو... هو الموت.
ولأول مرة، لا يعود مهمًا إن كانت العيون في وجوهنا مفتوحة أم مغمضة..
فليست هي التي نرى من خلالها
No comments:
Post a Comment