ما هي المثالية؟ ولماذا نذهب إليها؟
هل هي حقيقة نبلغها، أم مجرد ثوب نحاول ارتداءه لنخفي ما لا نحبّه في أنفسنا؟
لماذا تبدو المثالية مرتبطة بالتمثيل؟ هل لأنها تشبه محاولة ادّعاء شيء لا نملكه، أو لعب دور لم يُكتب لنا؟
أم لأننا، من فرط خوفنا من الخطأ، نبحث عن صورة لا تشوبها شائبة، فنلوّن الحياة بلونين: أبيض خالص، وأسود مطلق…
ونلغي كل التدرجات التي تسكن بينهما؟
ربما ليست المثالية -دائما- قيمةً أخلاقية خالصة، بل آلية حذر صاغها الإنسان حين اكتشف هشاشته.
حين رأى أن الخطأ قد يجرّ خطأً آخر، وأن الانزلاق قد يصبح سقوطًا، قرر أن يرفع سقف
حين رأى أن الخطأ قد يجرّ خطأً آخر، وأن الانزلاق قد يصبح سقوطًا، قرر أن يرفع سقف
المطالبة إلى أقصاه… لعلّ القسوة على نفسه تحميه من نفسه.
لكن لماذا كل هذا الحذر؟ هل لأننا نخشى أن نُرى على حقيقتنا، أو أن نُخطئ أمام أعين الآخرين؟
أم لأننا نريد ولو سرًا، وربما بلا وعي أن نجلس في مرتبة أعلى،
في درجة أخلاقية تمنحنا شعورًا بالتفوق؟
المثالية تمنحنا وهماً بالتفوق الأخلاقي، وتضعنا في برج عاجي ننظر منه للآخرين بشفقة أو حكم، وكأننا جبلنا من طينة غير طينتهم. إنها حيلة النفس للهروب من واقع لا يرضينا، إلى خيال
مفصل على مقاس غرورنا.
لكنها ليست مجرد تمثيل… إنها محاولة ذكية للهروب من
أنفسنا، من هشاشتنا، من مواجهة الخطأ والانكسار.
ويبقى السؤال الأهم: فلماذا لم يطلب الله من الإنسان أن يكون مثاليا؟
هل لأنه يعرف ضعفنا؟
نعم…
ولكن ربما هناك وجه آخر للحقيقة.
لم يطلبها الله كي لا نغرق في القنوط.
لو كان المطلوب منا هي المثالية ، لكان الخطأ الأول سببًا كافيًا لفقدان الأمل المطلق، ولأصبحنا أسرى الإحساس الدائم بالفشل. لكن الله أبعدها عنا رحمةً بنا من اليأس، فما دمنا لسنا مطالبين بالمعصومية، فإن كل خطأ يصبح فرصة للعودة، لا سببًا للقنوط الذي يقطع الرجاء.
ربما أبعدنا الله عن المثالية كي لا ننشغل بالصورة: كيف نظهر،
وكيف يرانا الناس، وأي لقب نحمله، وأي درجة أخلاقية ندّعيها.
ربما أبعدها عنا كي نتجاوز القشرة، ونتوجه إلى جوهرنا. كي لا نختزل أنفسنا تحت الأوصاف والمسميات، بل ننتبه إلى ما هو
أبقى وأصدق: الروح.
الروح التي لم تُكلَّف أن لا تخطئ… بل كُلِّفت أن تعود.
الضمير الذي لا يُطلب منه أن يكون مثاليًا… بل أن يبقى حيًّا، نقيًا، يقظًا.
النفس التي لا تُلام لأنها ضعيفة… بل تلوم نفسها لتصلح منها.
الغاية إذن ليست في أن تكون مثاليا. أو ألا تخطأ
الغاية هي إدارة النقص، والاعتراف بالبشريّة
. المطلوب هو تلك الحركة الدائبة: أن تخطئ فتتألم، وتتألم فتدرك، وتدرك فتصلح…ولا تقنط…
والأهم مع كل خطأ ترى حقيقتك فلا تغتر…
No comments:
Post a Comment