2025/12/01

غيب...وعي

لقد حَجَبَ اللهُ عنّا الغيبِ، لنراهُ بقلوبِنا ونعرفهُ بأرواحِنا.
أخفى عنّا المستقبلَ لنَضْطَرَّ إلى اللجوءِ إليه
ولنفتقرَ وندعوَ ونرجوَ ونذهبَ إليهِ
فلولا هذا الحجاب، ولولا الغيبُ، لَمَا فُعِّلَ وعيُنا، ولا أبصرتْ قلوبُنا، ولا اشتغلتْ بصائرُنا

لو رأينا كلّ شيءٍ أمامنا، لَمَا كانَ هنالكَ داعٍ لحواسِنا
ولَمَا أنصتنا له بقلوبِنا
ولا استشعرنا وجودَه بأرواحنا
ولا رأينا أعاجيبَ قدرتِه، ولا استقبلنا رسائلِه

كنّا سنضمنُ النتيجةَ، ومع الضمانِ يموتُ الاحتياج، وبموتِ الاحتياجِ يطغى الغرور
 لقد حَجَبَ اللهُ عنّا ليُعلّمَنا أنَّ العينَ مهما اتسعت رؤيتُها فهي قاصرة
 وأنَّ الطريقَ مهما استبانَ فسرُّه كامنٌ لا ينكشف
إنَّ السطحَ وإن ظهر، فما استترَ كان هو الأعمق والأصح والأصدق

فالسماءُ وإن بَدَت زرقاءَ، فخلفَ زُرقتِها سبعُ طباقٍ لا نُحيطُ بلونِها
والبحرُ وإن لمسنا موجه، ففي أحشائِه أعماقٌ لا تُمَسّ
والنفسُ مهما أفصحت، ففيها طوايا لم تُخلَق للكشف

إنَّ اللهَ وإن بدت أعاجيبُ قدرتِه وآياتُه، وإن عرفتهُ القلوبُ وآمنتْ به الأذهان
 إلا أنه تعالى عن ذلك وجَلّ
 لا يُرى ولا يُكشفُ لِبَشَر ولا يُلمسُ ولا يُمَسّ
 ومهما رأيناه بقلوبنا، إلا أننا نشتاق أكثر وأكثر للوصل والوصول إليه

لذلك في الغيبِ نفهم
نفهم ضعفنا المُطلق
وأننا مهما اكتشفنا، لا نكشفُ الا القليل.
وأنَّ العقلَ مهما وصلَ، فبدونِ القلبِ لن يصل.
الغيبُ يعلّمنا التواضع

إن كنتَ لا ترى موطئَ قدمِك في غدِك، فكيف تغترّ بأنك تعرف؟
وإن كنتَ تسيرُ في المجهولِ وحدك، فبِمَ تطمئنّ إن لم يَكُنْ نورُه هو نبراسك، ونورك ودليلك؟

ربّما لا يظهر معنى التسليم إلا في عتمة المجهول
ولا تتجلّى الثقة إلا حين تمشي في الطريق وأنت لا ترى شيئًا
فسبحانَ من جعلَ حياةَ القلبِ ويقظةَ الروحِ.. في غياباتِ الغيب

No comments:

Post a Comment