أحيانًا… لا نعرف ما الذي نحتاجه حقًا.
نجهل رغبات أرواحنا... ما تختبئ به، وما تتوق إليه لتستعيد توازنها.
وأحيانًا يكون كلّ ما نحتاجه هو الفراغ.
هو اللا شيء.
هو ذلك الوضوح الداخلي الذي لا يجيء إلا حين يخفت الضجيج، وذلك الاستقرار الذي يولدُ حين نتوقّف عن الكلام، وعن الفعل، وعن الانشغال بالعالم.
أن نسكن.
أن نسكت.
أن نصمت حتى نهدأ تمامًا…
فنعود نمضي بقلبٍ أخفّ.
أحيانًا نحتاج أن نتوقّف...أن ندَع عقارب الساعة تمضي دون أن نركض خلفها،
أن نشعر بالحرف ينضج في داخلنا دون أن نُكره القلم على الكتابة،
أن تتباطأ الحياة قليلًا من حولنا…
فلا نُعاندها، ولا نُجرّ أنفسنا بعكس التيار.
في مثل هذه اللحظات نحتاج أن ننصت للعالم
أن نلين للقدر،
أن نسلّم لله بلا مقاومة
لا نصارع الأيام، ولا نتنازع مع الناس.
هذا الهدوء،
هذا السكون،
هذا الانسحاب،
هذا الالتقاء مع النفس،
هذه الوحدة،
وهذا الخلاء،
وذلك الإفراغ الداخلي…
هو الهدنة.
فترة توقّف عن اللهاث والركض ومحاولة الإمساك بكلّ شيء.
وقد تكون - من حيث لا ندري - أكثر ما نحتاجه لنعود إلى أنفسنا وإلى الحياة من جديد.
وقد تأتي عكس رغباتنا،
لكن حين نذعن… ونستمع…
نكتشف فيما بعد أننا نحتاجها أكثر من أي شئ...
وهنا بالضبط…
يبدأ يقيننا بالله ينبت ويتجذّر.
فهو دائمًا يختار ما لا نعرف أن نختاره لأنفسنا،
ويمنحنا ما نحتاجه قبل أن ندرك نحن حاجتنا إليه.
ففي الله… كلّ الأمان.
وعنده… كلّ الغنى.
وبالقرب منه… ما لا يُضاهى.
لهذا نثق،
نطمئن،
نسلّم،
ولا نسأل ماذا لو؟ وكيف؟
نسلّم يقينًا بأنه يرى ما لا نرى،
ويعلم ما نجهل،
ويقودنا دائمًا،
ويُمهّد لنا الأساس، حين لا يكون هنالك طريق من الأساس
ويأخذ بيدينا إليه دون علم منا.
ينير لي الدرب إذا أظلم،
ويُنزل على القلب سكينة إذا تضعضع،
ويُهَدّئ العقل إذا ثار أو تساءل أو غضب.
في قلقنا البشري نجد الطمأنينة عنده،
والأمان كلَّ الأمان في اللجوء إليه.
وبعد أعوامٍ من التجربة… نفهم:
لا طريق من دونه،
ولا سير بلاه،
ولا أرض تثبت،
ولا شيئ ينبت،
ولا شعاع يخرج،
ولا سماء تتّسع،
ولا إنسان يستقيم… إن لم يكن هو في قلب كلّ ذلك وأساسه ونيته.
وأنا أكتب
بعد أن عشتُ الريبة والقلق،
ومررتُ بالظلام،
وظننت أنني أستطيع أن أستند إلى نفسي،
وإلى عقلي وقراراتي وظنّي.
فلمّا جرّبت… فهمت.
أننا مهما عرفنا لا نعرف
ومهما رأينا لا تتسع بصيرتنا للكشف الكلي
ومهما اطمئنينا فلا أمان كامل بدونه...
وأن نوره إذا ظهر… كفى.
وأن القلب إذا امتلأ به… اكتفى
وأننا إن استندنا عليه، وإن انهدمت الحياة من حولنا لن نسقط،
وإن التجأنا إليه ووثقنا… لن نُخذَل ولا نضل.
وفهمت أننا أحيانا… لا نعرف ما الذي نحتاجه حقًا.
حتى نحتاج الله سرا
فيقودنا جهرا الى ما نحتاج...
No comments:
Post a Comment