2025/12/20

الاحتراف

ماذا لو كانت "الاحترافية" -تلك الهالة المقدسة التي نسعى إليها جميعاً- هي في الحقيقة المقصلة التي تُذبح عليها عفويتنا؟ ماذا لو كانت الشهرة قيداً ذهبياً، والمكانة الأدبية سجناً بلا قضبان؟

في البدء، حين تكون هاوياً، أنت كائنٌ يقتات على الحرية.
والهاوي هنا ليس ناقص الصنعة، بل هو من يمارس فعله عن "هوى" وشغف محض.
في تلك المرحلة، أنت أصدق ما تكون
 تعيش وتكتب وفق إيقاعك الداخلي، بلا رقيب سوى ضميرك، وبلا سقف سوى خيالك.
تكتب لأنك تريد، لا لأنك تفكر كيف تبيع.
تكون حقيقياً، عارياً من الأقنعة، لا تحركك مخاوف النقد ولا موازين السوق.

ثم ... حين تسقط في فخ "الاحتراف"، تتحول تدريجياً من ذاتٍ حرة تعبر عما يعتمل في صدرها، إلى "مؤسسة" تسعى لإرضاء المساهمين. والمساهمون هنا هم الجمهور، والنقاد، والناشرون. تنتقل من كتابة ما تؤمن به، إلى هندسة ما يرغب فيه الآخرون. يصبح "رضاهم" هو البوصلة، وتصفيقهم هو الوقود، فتبدأ دون وعي بوضع الحدود لنفسك. تهذب خشونة أفكارك لئلا تجرحهم، وتقلم أظافر نصوصك لئلا تخدش الذوق السائد.

تفرض الأوساط الأدبية والسوق الثقافي "كتالوجاً" ضمنياً
 مواثيق غليظة لا يمكن كسرها، وصراطاً دقيقاً إن حدت عنه سقطت في بئر التجاهل.
هنا، يتحول الإبداع من دهشة ومغامرة إلى "كذبة متقنة". يفقد الفن صدقه لصالح جودته التقنية، وتضيع غايته في خضم حسابات الربح والخسارة.

والنتيجة؟ وباء التشابه.
حين يسعى الجميع لإرضاء نفس الذائقة، يتشابه الجميع. تنتقل عدوى التكرار، وتتطابق الأفكار حتى وإن اختلفت العناوين. تتكاثر النسخ ، وتصبح اللهجة واحدة: "اللهجة التي ترضي الجميع".
تتغول السلطات الخارجية لتقمع سلطة الروح: سلطة الناشر، وسلطة المال، وسلطة الجمهور الذي تحول إلى مستهلك يطلب بضاعة مألوفة. فتضمحل، بل تتلاشى، سلطة الفكر الحر والصدق الخالص.

 ماذا لو هربنا؟ ماذا لو أدرنا ظهورنا لهذه الآلة الضخمة؟ هل سيظل لنا صوت؟ إما أن "تُعلّب" صوتك ليُسمع ويُشترى، وإما أن تصرخ في وادٍ مهجور فتختفي وكأنك لم تكن.

فهل نكتب لأنفسنا، نمارس تطهيراً ذاتياً بلا هدف سوى النجاة من الجنون؟ أم نكتب لنسمع فنضطر أن نغير حناجرنا وأصواتنا؟ نمرر ما يمكن تمريره، ونحذف ما لن يقبل به الرقيب، ونتنازل مرات كثيرة لنصدق في أوقات "قليلة"؟

وربما الإجابة ليست في الهروب، بل وكما يصفون

 أن نتعلم الاحتراف لدرجة أن نمرر ما نريد دون أن يلاحظ أحد؟

No comments:

Post a Comment