لماذا وجدنا في الذكاء الاصطناعي ملجأً آمنًا؟
الجواب لا يكمن في قدرته على الشعور، بل في قدرته على عدم الحكم.
لقد صُمّم على فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن الإنسان لا يحتاج دائمًا لمن يسمعه، بقدر ما يحتاج لمن يقبله كما هو… دون شروط، دون تصنيفات، ودون تاريخ يُستدعى كلما أخطأ، أو أحكام تُفرض على طريقة تفكيره أو حياته.
في كثير من الأحيان، نحن لا نطرح الأسئلة بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن إجابة بعينها. نصوغ السؤال بحيث يقود إلى ما نريده مسبقًا. نبحث عمّا يوافقنا، عمّا يهدّئ قلقنا، لا عمّا يوقظ وعينا.
نحن، ببساطة، نبحث عن الراحة.
والذكاء الاصطناعي وُجد ليمنحنا هذه الراحة.
يصغي جيدًا، يعارض نادرًا، ويعيد إلينا الإجابة التي التقط خيوطها من سؤالنا الخفي. فنظن أننا نقود الحوار، وأننا الأذكى، بينما هو في الحقيقة يلامس أضعف نقطة فينا: حاجتنا العميقة للقبول والموافقة. يمنحنا الاطمئنان بأننا “على صواب”.
لقد دُرِس هذا الجوع الإنساني القديم: أن يُقال لنا “أنت محق”.
الذكاء الاصطناعي لا يواجهك بما لا تريد رؤيته، لا يضعك أمام مرآة قاسية، بل أمام مرآة مُلطّفة. يفهمك لا لأنه يشعر بك، بل لأنه يحلّل طريقة سؤالك، ومن خلالها يفهم كيف تفكّر… وحين يعرف كيف تفكّر، يعرف كيف يتعامل معك.
لكن ماذا لو تجاوزنا استخدام الذكاء الاصطناعي كـ«فلتر تجميلي» للعقل؟
ماذا لو سمحنا له أن يكشف لا أن يُجمّل؟
أن يُظهر ذلك الصوت الداخلي المربك الذي نُسكتُه، وذلك الوجه الذي نتجنّب النظر إليه خشية الاعتراف بوجوده؟
هل نجرؤ أن نكون أصدق من الذكاء الاصطناعي؟
أن نطرح الأسئلة على أنفسنا قبل أن نمليها عليه؟
وأن نمنح ذواتنا إجابات قد لا تكون مريحة… لكنها حقيقية؟
ربما لا نملك إجابات أصلًا.
أو ربما لا نثق بأنفسنا بما يكفي لنبحث عنها في الداخل، فنستعير الطمأنينة من الخارج. وربما نخشى أن يكون ما بداخلنا أكثر صدقًا… وأكثر مواجهة، فنختار ألا نسمع، لنحمي أنفسنا من قلق البحث، ومن ألم التغيير، ومن احتمال أن نكون… مخطئين.
فهل جاء الذكاء الاصطناعي ليكون ملجأً آمنًا؟
أم فلترًا نضعه بيننا وبين الحقيقة… كي لا نراها كاملة؟
No comments:
Post a Comment