2025/12/25

تعجل

"وكان الإنسان عجولًا"..
"خلق الإنسان من عجل"

هذه الآيات كشفٌ إلهي عن جوهر فطرتنا الأولى. العجلة ليست مجرد صفة عابرة أو سمة عارضة، بل هي جزء أصيل من نسيجنا البشري. نولد بها..
انظر إلى الطفل: لا يتقن الانتظار، يرغب في الشيء كاملاً وفي التو واللحظة، عاجزاً عن تأجيل رغباته.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للإنسان: ليس الاختبار في أن ننتزع العجلة منا، بل في كيفية استخدامها. هل نجعلها وقوداً للترقي والنمو، أم نتركها تقودنا في لهاثٍ محموم وراء الإشباع السريع؟

ضعف النفس لا يكمن في أصل الرغبة، بل في عجزها عن التأجيل. في تلك النزعة المحمومة لقطف الثمار قبل نضجها، ومحاولة إدراك النهايات ونحن ما زلنا نتلمس بدايات الطريق. ومن فرط التعجل نظن أننا نرى، بينما نحن لا نبصر إلا موطئ أقدامنا؛ فيغدو "الآن" قفصاً ذهنيًا، وتتحول اللحظة من نافذة نطل منها إلى حجاب يحجبنا، لأن العقل الغارق في لذتها يعجز عن استشراف ما بعدها.

حقيقة إنسانيتنا لا تُقاس بما نملك، بل بما نستطيع الامتناع عنه حين تشتعل الرغبة. في قدرتنا على قول "لا" الواعية أمام "نعم" السهلة التي تُلحّ بها النفس. وفي فنّ النظر إلى ما وراء الجدار، لا الاكتفاء بملمسه القريب.

وحتى في السقوط الأول لآدم، نلمح طيف العجلة؛ فلم تكن المسألة مجرد مخالفة، بل رغبةً في "الخلود" و"الُملك" استعجلها قبل أوانها، وقبل أن يصبر على مسارها. غابت البصيرة حين اختُزل الأفق في لحظة، فاختير القريب الزائل على البعيد الباقي.

وكذلك موسى عليه السلام، ضاق ذرعاً بظواهر متناقضة في رحلته مع الخضر، فتعجل الحكم لأنه أراد الحقيقة "الآن"، بينما كانت الحكمة تختبئ بهدوء خلف ستار الغيب، تنتظر اكتمال الصورة.

نحن عالقون بين نقيضين: نفسٌ تطلب التعجل، وروحٌ تطالبنا بالتريث وتوسيع حدقة الرؤية لنبصر العواقب الكامنة خلف قناع اللحظة. والمعضلة أننا كلما استمعنا لصوت النفس، خفت صوت الروح، فنتحول تدريجيًا إلى كائنات هشة لا تقوى على الانتظار. تفعل كل ما تسول لها نفسها، ليس فقط لأنها تستسهل الموافقات، بل لأنها فقدت عضلة الصبر.. نفوس عجولة بامتياز.

حتى معادلة الدنيا والآخرة قائمة على هذا المبدأ: "مبدأ الانتظار". فكيف نتعجل حصاد الآخرة ونحن لا نحيط خبراً بمآلات أعمالنا؟ وكيف نستعجل النتائج في دنيا هي -في أصل تصميمها- دارٌ للعمل وليست داراً للحصاد؟

وهنا يبرز السؤال المربك: إذا كنا ننادي بالعودة إلى الفطرة، فكيف يكون الخلاص في مقاومة ما فُطرنا عليه (العجلة)؟

ربما لا يكمن الحل في "كبت" هذه الطاقة المتأصلة فينا، بل في "إعادة توجيه" بوصلتها. العجلة هنا لا تُلغى، بل تتسامى. فبدلاً من أن تكون لهاثاً محموماً لامتلاك "الآن" الزائل المضلل، تتحول إلى طاقة دافعة لطلب الرضا الغيبي الباقي.

في هذا التحول الدقيق، تتغير طبيعة العجلة تماماً: من اندفاع متسرع "بصري" يُسقط الإنسان في فخ العواقب، إلى استعجالٍ "بصير" يختصر لنا المسافات نحو الحقيقة. هي نفس السرعة، ولكن الأول يستعجل ليقتني، والثاني يستعجل ليرتقي.

وموسى عليه السلام نفسه الذي تعجل الحكم سابقاً، هو من قال بصدق المحب حين أدرك الغاية: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾

العجلة لم تتغير، إنما تغيرت وجهتها.

No comments:

Post a Comment