2025/11/01

التغيير الذي لا نحبه

 عتقد أن لا أحد يختار التغيير؛ بل إننا لا نتقبله بسهولة، وقد نرفضه من الأساس.
إنه من تلك الحقائق التي لا نرغب في الاقتراب منها أو أن يلمسَنا، فنرصُدُ أمامه أبواب عقولنا وحواجز قلوبنا وأسوار تقبّلنا.
نَهَاب أي طريق سيؤدي إليه، ونرفض أي قرار يقوِّض نحوه، ونوقف أي حديث يأخذنا إليه، ونمنع أي تخطيط قد ينتهي به. نحن نمارس منعاً ذاتياً عن التغيير، وفي الغالب، هو من تلك الأشياء التي يجب أن تأتي رغماً عنا، تُفرض علينا فَرْضاً، كقَدَر لا مفر منه أو كتيار جارف لا يمكن مقاومته. إذا لم ينطبق كلامي هذا عليك، فأنت من القلائل الشجعان، أولئك الذين لا تُقلقهم تقلبات الحياة وتغيراتها.

 أما أنا، فأرى في التغيير ليس فقط وجه المجهول، بل هو ذهاب نحو ما لا نعرفه، أو لا ندركه، أو لا نفهمه، ولذلك أرتاح لفكرة الروتين والاستقرار والثبات، إلى النتائج المعروفة، والطرق الموصوفة سلفاً، والوجهات المحددة. وهكذا عشت، وهكذا أحاول أن أعيش.

لكن رغم طريقة الحياة التي أحبها وأحاول أن أتمسك بها، لا يوجد ضمان على بقائها.
 التغيير يأتي، دائماً، وفي كل مرة جاء فيها فهمتُ الدرس جيداً: نحن نلتقي بما نخاف، وإن الثبات مستحيل، وكل ما نرفضه يتكرر حتى نتقبله. إن التغيير ليس مجرد حقيقة قائمة في الحياة، بل هو أعمق من حقيقة وجودي ذاته. أنا أتغيّر، وسأظل أتغيّر حتى أغيب تماماً، وسيبقى التغيير كضوء كاشف يقع على من يختار، فيُرغِمه على أن يتغيّر.
ربما نحن نحب التغيير أكثر مما نظن، وأكثر حتى مما نعرف! لكننا نخافه ونخشاه أكثر من أي شيء آخر.

 لقد بدأتُ أعرف تفاصيل قدومه، وأشعر باهتزازات الأرض؛ هو لا يأتي عبثاً، ولا ليُغضبنا، بل يأتي ليُرغِمنا على التخلّص من شيء والمضي نحو شيء آخر، وربما يأتي قصراً لمن هم أضعف من أن يتغيّروا من تلقاء أنفسهم، فيأتي هذا الإرغام ليحمل معه مفاجآت وعطايا لا نكتشفها إلا بعد حين.

ولكن ماذا إذا رفضناه؟
 كيف ستتصرف الحياة؟
هل ستمنحنا إمكانية الاختيار، أو التوقف، أو الامتناع عن التغيير؟
أم أنها ستقسو وتقسو وتقسو حتى نعي أن لا مفر؟
ولأن كل ما أكتبه ليس سوى تجارب شخصية قد تحمل كثيراً من الخطأ وقد تحمل شيئاً من الصواب، فسأخبرك بأنني أصبحت أخاف ألّا أتماشى مع التغيير حين يأتي أكثر من خوفي من المضي فيه
 فبتُّ لا أنتظر أن يأتي بوجهه الكامل، بل أحدّث تحركات البحر من بعيد فأفهمها، وأحاول أن أتحرك على أثرها قبل أن يتحول البحر إلى عاصفة أو تسونامي تقتلع قصراً ما تراه أمامها. لازلت أخاف التغيير وأطوق لذلك الاستقرار الافتراضي، وربما نحن لا نتعلم تقبل التغيير من التغيير، بل من إرغام الزمن للاستغناء.

No comments:

Post a Comment