2025/11/04

لو...لماذا

 يُقال لنا دائماً إن "لو" هي الكلمة التي تفتح الأبواب للشيطان. هي مفتاح الندم، وبوابة السخط على ما كان. إنها الكلمة التي تنفث في عقولنا سيناريوهات بديلة لماضٍ انقضى، فتجعلنا أسرى لـ "ما كان يمكن أن يكون"، وتُشعل فينا ناراً لا تهدأ، تمنعنا عن الرضا، وربما تدفعنا للثورة على أقدارنا.

لكن، ماذا عن "لماذا"؟

تلك الكلمة المكونة من خمسة أحرف، والتي أظنها لا تقل خطورة، بل ربما تفوقها. "لماذا" لا تكتفي بفتح باب واحد، بل تشرع أبواباً لا حصر لها في متاهة الوجود.

لماذا حدث هذا لي؟
لماذا أشعر بهذا الفراغ؟
لماذا أقابل هؤلاء الأشخاص دون غيرهم؟
لماذا تتغير الحياة بهذه القسوة أو بهذا الجمال؟
لماذا يفعلون ما يفعلون؟
لماذا أنا... هكذا؟

فهل "لماذا" هي الأخرى مفتاح لوساوس الشيطان كما "لو"، أم أنها، على العكس، هي الأداة التي تفتح عقولنا للتفكير في الحياة، في أنفسنا، وفيما حولنا؟

الفارق بين "لو" و"لماذا" هو الفارق بين الماضي والحاضر، بين الندم والبحث.

"لو" هي محاولة بائسة لتغيير الماضي. إنها كلمة سلبية، ترتكز على ما فات وانتهى. هي التفاتٌ دائم إلى الخلف، يعمينا عن رؤية الطريق أمامنا. إنها "عمل الشيطان" لأنها تزرع اليأس وتغذي السخط على ما لا يمكن تغييره.

أما "لماذا"، فهي كلمة فاعلة، فضولية، باحثة. إنها لا تحاول تغيير الماضي، بل تحاول كشف الحاضر، وفهم آلياته، وربما استشراف شكل المستقبل. "لماذا" هي محرك الفلسفة، وبداية الوعي الذاتي.

أعترف أن سبب كتابتي عن "لماذا" هو هروبي الدائم منها. لدي اقتناع راسخ بخطرها، وخوف أصيل من التعمق فيها.

أظنها تسحبنا إلى مناطق مظلمة وعميقة، مناطق ربما ليس من المجدي أو المثمر الإبحار فيها. نغوص بحثاً عن إجابات، فنجد أنفسنا في فراغ أكبر، وقد لا نصل إلى شيء. إنها الرحلة التي قد تستهلكنا دون أن تمنحنا يقيناً.

لكن في الوقت ذاته، أجد نفسي واقفة أمامها كثيراً. وفي لحظات صدق نادرة، توصلني "لماذا" إلى أشياء لم أكن لأكتشفها أبداً، تكشف لي طبقات من ذاتي ومن الحياة لم أكن أعلم بوجودها.

 لكن، هل تعرف ما التشابه الحقيقي بين "لو" و"لماذا"؟ -في رأيي-؟

إنهما وجهان لعملة واحدة: أنك لا تُسلّم.

كلتا الكلمتَيْنِ تنبعان من مكان واحد، من عقل يرفض القبول البسيط. "لو" ترفض التسليم بالماضي، و"لماذا" ترفض التسليم بالحاضر كما هو.

في كلتا الحالتين، أنت تحاول أن تفهم ما وراء الظاهر، ربما لأنك لا تثق بالكامل في "ما يحدث" أو "فيمن يُسيّر ما يحدث". أنت تحاول أن ترى خلف ما لا يُرى غالباً. أنت تشغل عقلك أكثر من اللازم، وتحاول أن تعرف أكثر مما أنت مطالب بمعرفته.

وهنا يكمن الجواب الحقيقي. ربما ليس الخطر في "لماذا" نفسها، بل في الإجابات التي قد نجنيها.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"

ربما هذا هو لبّ المسألة. ربما الكشف لن يروق لنا دائماً. لن ينصف الجزء الهش بداخلنا، ذلك الجزء الذي يصبو إلى المعرفة الكاملة، ولكنه في الوقت ذاته يخشاها.

"لماذا" تفتح باباً، نعم، ولكن ليس بالضرورة باباً للشيطان، بل باباً للمعرفة. والمشكلة أن المعرفة، أحياناً، تكون أثقل وأكثر إيلاماً مما يمكننا تحمله. نطلب النور، وحين يأتي، نُصاب بالعمى.

No comments:

Post a Comment