2025/11/02

توقف... هدنة

ماذا لو توقفنا قليلًا؟
ماذا لو كان بامكاننا أن نطلب من الحياةِ هدنة، أن نضغط على زر الإيقاف المؤقت، ولو للحظة واحدة؟

أن نبتعد عن خشبة المسرح، نترك أدوارنا، ونختار مقعدًا بعيدًا في صالة المتفرجين.
أن ننظر إلى حياتنا بعينٍ محايدة، وكأنها عرضٌ لا يعنينا.
نحدّق في تفاصيلها الصاخبة، في ملامحها المتغيّرة، دون أن نفعل أو ننفعل. دون أن نتأثر أو نؤثّر.

ماذا لو طلبنا منها أن ترفع إشارتها الحمراء في وجهنا، فتجبرنا على الوقوف؟
أن تمنحنا ترف "اللا قرار" و"اللا حركة"؟

هل تمنحنا الحياة هذه الرفاهية؟
هل تسمح لنا أن نتفرّج عليها من بعيد دون أن تجرّنا إلى مركز دوّامتها؟
أن نقف عند حدودها ونراقب مجريات أحداثها دون انغماس؟

أم أن طبيعتها تأبى علينا ذلك؟
هي لا تكفّ عن جرّنا.
هي تيارٌ جارف لا يقبل بالحياد.
تطالبنا أن نركض، أن نلهث لنلحق بإيقاعها المتسارع.
أن نواكب دورانها الأبدي ونتصالح قسرًا مع تغيّراتها.
وتهدّدنا بأن ثبات اليوم هو غرق الغد، وأن التوقف هو بداية الاهتزاز.

لكن... إلى أين نركض؟
من نُطارد؟
ولماذا كل هذا الجهد في سباقٍ لا نعرف خط نهايته؟

لقد عشتُ طويلًا بقاموسٍ محذوفٍ منه كلمتا استسلام وانهزام.
لم تكن قناعةً، بل اتفاقًا سريًا عقدتُه مع الحياة: "لن نتوقف".

سقطت؟ أكثر مما يمكن إحصاؤه.
لكنني حوّلت السقوط والنهوض إلى كلمتين مترادفتين.
لحظة الارتطام كانت تليها مباشرةً لحظة الوقوف.
لا مجازًا، بل حقيقة.
لم أكن أمنح نفسي شرف الألم أو رفاهية التأمل في الجرح.
كنت أنهض، حتى وإن كانت قدماي ترتجفان وعقلي يهتزّ من هول الصدمة.

تلك كانت استراتيجيتي للبقاء: الحركة الدائمة.

لكن اليوم... تهاوى الاتفاق.
لم يكن قرارًا مدروسًا أو اقتناعًا عقليًا، بل.
"انقلابًا" قاده الجزء المنهك فيَّ، المرهق من الركض العبثي خلف "اللاشيء".

ذلك الجزء الصامت الذي طالما راقب دون أن يتكلم.
طالما استسلمتُ للأصوات الأخرى، العالية، الصارخة في داخلي:
"لا تتوقفي. إن توقفتِ، ستنسين كيف تمشين."
"إن نسيتِ، ستبقين في آخر الصف، وحيدةً على الأرض."
"لا تعتادي  التوقف، فهو يُورِث خمولًا أبديًا."

ولم أتوقف.
حتى إنني لم أسمح لنفسي أن أراه كخيارٍ متاحٍ على الطاولة.
كنت أردد كالببغاء: الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف.
ولا أعلم إن كنت أصدّق ذلك أم أكذب على نفسي لأواصل الركض.

في الآونة الأخيرة، حين شعرت أن المضيّ لم يعد ممكنًا، بل صار مستحيلًا،
حين أنهكتني المطاردة،
أدركت أن السير لم يعد خيارًا.
لم أعد قادرة.

والمفاجأة؟ أنني توقفت.
رغماً عني.
بلا طاقة، بلا رغبة، بلا جدوى.
توقفٌ كامل.

توقفت... وأنا أنظر الآن حولي.
أحاول أن أحرّك قدمي، أن ألمح بصيص ضوءٍ في أفقٍ بعيد، أن أمضي خطوة واحدة... ولا أستطيع.

ولا أدري... هل المشكلة في الطريق نفسه، أم في أنني تجاوزت حدود قدرتي على المسير؟
هل هذا سقوطٌ نهائي، أم أنها "هدنة، استراحة" طال انتظارها؟

أيًّا يكن، فالحقيقة أن ما أكتبه الآن هو أكثر ما سطّرته سوادًا.
لكن... حتى الكتابة باتت ثقيلة،
كأنني أرغم يدي على حمل القلم.
وعلى ربط الحروف

وربما... لهذا تحديدًا أكتب هذا النص.
أكتب، ليس لأني أعرف ماذا أكتب،
بل كي لا أكون قد توقفتُ تمامًا.
إنها آخر أشكال الحركة المتبقية لي.
وهي ما لا أريده أن يتوقف أبدا...

No comments:

Post a Comment