جميعهم يتحدثون بالنبرة وباللغة ذاتها، وبالمصطلحات نفسها.
يكررون المعنى ، ويؤكدون المغزى نفسه، ويدورون حول الفكرة عينها.
يحيلون آرائهم إلى حقائق، ويقذفون بها أمامنا بثقة مطلقة.
كان حديثهم عن كاتبٍ شهير نال جائزة أدبية كبيرة.
لكنهم لم يروا في فوزه سوى "ضربة حظ"، وكأن الموهبة لا وزن لها، والخبرة لا اعتبار، والإتقان لا مكان.
في رأيهم، لم ينل الجائزة لأنه يستحقها، بل لأن الحظ شاء ذلك.
استمعتُ إليهم في صمت. لم أقرأ لذلك الكاتب، ولا أعرف الكثير عن الجائزة،
لكن شيئًا في أحاديثهم استفزّني.
ربما كانت نغمتهم التهكمية، أو طريقتهم في تحويل آرائهم إلى مسلّمات،
وربما كان السبب أعمق من ذلك: فكرة الحظ نفسها.
هذه الفكرة التي كثيرًا ما راودتني، ثم هربت منها كل مرة لأنني لم أجد لها إجابة.
هل يوجد حقًا ما يسمى "الحظ"؟
هل يولد بعض الناس بأقدار أوفر من غيرهم، فينجحون لا لأنهم يستحقون، بل لأن الحظ حالفهم؟
وما هو الحظ أصلًا؟
أهو تلك القوة الغامضة التي تهبط على البعض من غير سبب؟
أم أنه محض صدفة تتنكر في هيئة قدر؟
أرفض هذه الفكرة، لأنها تعني – ببساطة – أن الحياة غير عادلة.
أنها تمنح شخصًا ما نعمة بلا سبب، وتحرم آخر بلا سبب.
وهذا يتناقض مع عدل الله، الذي خلق الحياة على ميزان الحكمة والتقدير.
لو كان الحظ كما يصوّرونه موجودًا حقًا، لكان وجهًا من أوجه الظلم.
فكيف يسود العدل إن أقررنا بوجود قوة عمياء تمنح وتمنع بلا منطق؟
نظرتُ إلى السماء وسألت نفسي:
ما الذي يدفع الناس إلى التمسك بفكرة الحظ؟
هل هي وسيلتهم لتبرير الفشل؟
هل يقولون "حظنا سيئ" ليخفوا عجزهم، وينسبون نجاح الآخرين إلى "حظ جيد" ليخففوا عن أنفسهم وخز المقارنة؟
أهو الحظ شماعة نعلّق عليها ما لا نفهمه؟
أم أنه، كما يظن البعض، حقيقة غامضة تتجاوز وعينا؟
وربما... ربما نملك جميعًا نوعًا من الحظ، لكن بأشكال مختلفة.
فالحظ ليس قطعة واحدة يتقاسمها الناس، بل هو طيف من النعم يتوزع بطرق شتى.
حين نقارن "حظوظنا" بما عند الآخرين، ونغفل ما نملكه نحن، نصنع لأنفسنا الوهم ذاته الذي نحاربه: وهم أن الحياة ظالمة.
أمسكت هاتفي، فتحت الملاحظات، وبدأت أكتب:
ما هو الحظ حقًا؟
ثم أدركت شيئًا :
ربما كان حظي هو أن أعبّر عن نفسي بالكتابة،
حتى وإن كنتُ أفتقد طلاقة التعبير بالكلام.
فهل أنا أقل حظًا... أم أن هذا هو حظي الحقيقي؟
No comments:
Post a Comment