2025/11/10

أيظهر الطريق أم نحن من يظهر؟

"حين تبدأ بالمشي، ينكشف لك الطريق."

قد تبدو هذه العبارة مألوفة، حتى شعاراتية أحيانًا، لكنها تحمل في طياتها مفارقة عميقة. التساؤل المشروع هو: كيف يظهر طريق من تلقاء نفسه؟ كيف تأخذنا أقدامنا نحو غاية ونحن لا نعرفها؟ وكيف، إذن، يمكن أن نمشي بلا رؤية واضحة؟

يأتي الجواب، ليس من الشرح المنطقي، بل من صميم التجربة. فالتجربة وحدها هي التي علّمتني أن "المشي" بحد ذاته هو الذي يكشف معالم الطريق. إن الحركة الصادقة، حتى وسط الغموض، كفيلة بأن تهديك إلى ما تبحث عنه.

كل ما يُطلب منا هو شجاعة البداية، وصدق النية، والمضي قدمًا.

إن شرط السعي ليس النتيجة، وشرط المشي ليس الوصول.

قد تبدأ طريقًا وأنت تظن أنك تعرف إلى أين تريد أن تصل، ثم تكتشف أثناء المشي أنه غير مناسب لك. الإصرار على المضي رغم وضوح الخطأ لن يوصلك إلى شيء. لكن البدء بنية صادقة، بخطوات واضحة رغم الغموض، هو ما يضمن أنك ستُقاد، سواء بتوفيقٍ داخلي أو "قدري"، نحو الغاية الحقيقية التي جئت الحياة لتنفيذها.

الطريق موجود دائمًا، لكنه ليس واضحًا دائمًا. قد نختلط في اختيار المسارات، وقد نضل، وقد نعتقد أننا نسير في الطريق الصحيح بينما هنالك مسار آخر يجب أن نمشي عليه.

لكن في اللحظة التي ندرك فيها أنفسنا بما يكفي، وحين نصدق النية، يصدق الطريق وينكشف.

ربما الحقيقة الأعمق هي أن الطريق وحده لا يظهر، بل نحن من نتغيّر ونحن نسير فيه. إنه تشكيل متبادل؛ فكلما كان الطريق صحيحًا (أي منسجمًا معنا)، كلما اتسقنا نحن معه، وصرنا أكثر وضوحًا مع أنفسنا، وأكثر انسجامًا مع ما جئنا الحياة لنفعله.

ربما، كما يظهر الطريق، نظهر نحن. في هذه الرحلة، نتصالح مع ما نحن عليه، ونتشكل بوعي لننسجم مع المسار. وحينها، تتغير رؤيتنا، وتنكشف بصيرتنا... ويظهر لنا الطريق الحقيقي، لأنه ببساطة، صار انعكاسًا لما أصبحنا عليه.

No comments:

Post a Comment