2025/11/12

بين المشاعر والمبادئ

ما الذي يجعل بعض الناس أقلّ انفعالًا وأكثر قدرة على كظم الغيظ وضبط مشاعرهم؟
هل هو نقص في منسوب العاطفة داخلهم؟
هل هي قوة داخلية لا يملكها سواهم؟
أم أن محاولة الفهم والمقارنة أصلًا خطأ، لأن الأسباب كثيرة؛ تتشابك فيها ملامح الشخصية، والتربية، والخبرة، وحتى نوع الوعي؟

لكن...
هل أن تنفعل يعني أن مشاعرك أقوى منك، من نفسك، ومن مبادئك؟
أم أن المشاعر والمبادئ كيانان منفصلان لا يلتقيان إلا حين نختبر أنفسنا؟
هل الهدوء ناتج عن عدم الاكتراث بالآخر والانشغال بالنفس؟
أم هو العكس؛ تعاطف عميق يجعلنا نضع الآخر في مكانة تسبق الأنا، فنحاول ألّا نؤذيه بانفعالنا؟

ربما هو تجاوز للأنا ذاتها،
ذلك الجزء فينا الذي يصرّ على إثبات نفسه، على الردّ، على الانتصار.
وحين تخفت أصوات الأنا، لا يعود فينا شيء يُستثار أو يُدفع نحو الانفعال…
كأن صوت الله فينا يعلو حتى يُسكت ضجيج العالم من حولنا،
فنصبح ساكنين، لا لأننا لا نشعر، بل لأننا نشعر على نحوٍ أعمق… شعور لا يرغمنا على الانفعال.

هل هي إذا قوة داخلية نكتسبها من تجارب الحياة؟
أم خِلقةٌ نولد بها؟

مع النضج، نكتشف أن لا فعل يمرّ دون أثر،
وأن لكل انفعال ثمنًا… ندفعه من سلامنا، من وعينا، من توازننا.
وحين نعرف ذلك، نصبح أكثر وعيًا في ردودنا،
تلك المعرفة هي ما تردعنا… لا ضعف ولا خوف، بل حكمة ربما تأتي من التجارب.

الحقيقة أن شكل حياتنا، ومقدار سلامنا، وصلابتنا الأخلاقية،
كلّها تتأثر بمدى قدرتنا على ضبط انفعالاتنا.
السيطرة على النفس ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي أساس الوجود المتزن،
هي ما يحدّد مَن نحن، وإلى أين نتجه حين تتصارع فينا المشاعر والمبادئ.

ما أكتبه ليس وعظًا، ولا محاولة لتجميل المثاليات،
بل تأمل في واحدة من أعظم معضلات الحياة:
كيف نتحكم في أنفسنا ونحن بشر، نشعر ونتألم ونثور؟

لسنا دائمًا ناجحين في ذلك،
لكن إنسانيتنا تكمن في هذه المحاولة المستمرة.
نخطئ ونثور، ثم نهدأ ونتعلّم.
وحين ننجح في كبح انفعالٍ واحد، نقترب أكثر من الصلاح،
ونعتاد على كبت مختلف الانفعالات
وحين نفشل، نتذكّر أننا ما زلنا في رحلة الإنسان إلى نفسه.

بين الانفعال وضبط النفس،
نعيش، ونتعلّم، ونتطهّر.
وفي المسافة بينهما، نكتشف أنفسنا حقًا...
وربما ندرك بأننا أقوى مما كنا نتخيل

No comments:

Post a Comment