كلما ركّزنا على شيء لم نحصل عليه، وكلما جعلناه غايتنا الكبرى وصارت حياتنا تدور في فلكه، ازداد بُعدًا، كأنه يفرّ كلما اقتربنا.
كيف؟ ولماذا؟ وما السر؟
لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أظن أن هناك قانونًا أرضيًا ينكر ما يسمّونه "قانون الجذب"، قانونًا يُعلّمنا أن الترك أحيانًا هو سبيلٌ إلى الأخذ، وأن الإسراف في الانفعال يصرف عنا ما نتمناه.
يبدو أن الركض خلف الأشياء يخيفها فتهرب منّا.
أو ربما يجعلنا نحن نصغر أمامها حتى نرى أنفسنا دونها، فلا تأتينا لأن جزءًا خفيًا فينا يرفضها لأنه لا يشعر باستحقاقها.
وأنا أكتب الآن، أكتب بعدما عشت التجربتين؛ اختبرت الركض خلف الأماني وملاحقتها، فرأيتها تتسرّب من بين يدي، بل لم تصل أصلاً. كانت تطير فوقي كطيور بعيدة يستحيل الإمساك بها.
في كل مرحلة، كانت هناك أمنية أعلّق عليها رجاءً جديدًا. كانت الكاميرا في عقلي تركز على "النقص"، تكبّره وتقف عنده، فأحوّله إلى هوس أركض خلفه، أريده "بشدة" و"بسرعة"، فلا ألتفت لما حولي.
والخلاصة؟ كل ما ركّزت عليه بهذا الشكل، لم أحصل عليه.
فسألت نفسي: أهي الأقدار تعاندني؟ أم هو الحظ يخالفني؟
أم أنني كنت أسير ضد اتجاه قانون الحياة؟
ثم تعلّمت الاستغناء... تلك القوة الهادئة العارمة التي أفخر بها الآن.
تعلّمت أن أنظر إلى الحياة من مسافة وأقول: ما يأتي فليأتِ، وما يبقى فليبقَ، وما يرحل فلا حاجة لنا به.
لقد خبرتُ ثقل التعلق بأمنية واحدة تسيطر على القلب حتى تغيب الحياة من حولك؛ كل شيء يبدو ناقصًا وفارغًا لأنها لم تتحقق، فتسقط رويدًا في حفرة القنوط.
وفي المقابل، اكتشفت أن لا شعور يضاهي خفة الاستغناء؛ تلك الثقة المطلقة بالله وبالقدر، فيما سيأتي وما سيُمنع. القلب المستغني ليس قاسيًا أو باردًا، بل هو قلبٌ خفيف، امتلأ بأشياء أثمن من الدنيا وما عليها. قلبٌ فهم أن الهوس لا يقودنا أبدًا إلى ما نريد.
وكأن قانون الحياة جاء ليخبرنا ببساطة: "كل ما هوست به، وتعلقت به، وركضت خلفه، سيهرب منك حتى تستغني، تتحرر، وتعيش بقلب فطري خفيف".
ولأن دروس الحياة لا تمنح بسهولة، فهذا الدرس سيأتيك من أكثر ما تتمنى؛ ما سيثقلك جدًا انتظاره، وما لن تحصل عليه. سيلي ذلك شعور القنوط، ولسان حالك يقول: "أنا لا أريد شيئًا، لأن أهم أمنياتي لم تتحقق".
وحين تظن بأنك بردت، وقنطت، ويئست... هنا، في تلك اللحظة بالذات، ستفهم.
ستدرك أنك أخيرًا تعلمت أن تستغني؛ ألا تتعلق، أن تفقد الأشياء أهميتها العارمة في قلبك. أن تمر على الأشياء... تتمناها، ولكنك لا تهوس بها. تترقبها، ولكنك لا تنتظرها بلهفة توقف حياتك.
تكمل الحياة وتدور معها،
لا تتوقف ولا توقفها.
تمضي، فتجدها تمضي معك.
تسعى، فتجدها تسعى معك.
ترضى بما أوتيت، فتجدها تراضيك.
وفي لحظة، تجد ما تمنيته سراً -ولكنك لم تتعلق به أو تركض خلفه أو تتوقف في انتظاره- قد جاءك هو، ووقف
أمامك مبتسمًا، وأخبرك دون أن ينطق:
"ألم تتمناني سراً يومًا، ولكنك لم تلاحقني علنًا؟
No comments:
Post a Comment