2025/11/20

الفطرة


 

هل الصدقُ فطرة؟
ربما قبل أن نجيب، علينا أن نسأل: ما الفطرة أصلًا؟
ذلك الشيء الأوّل الذي وُضع في أرواحنا قبل أن نتعلّم الخوف والاحتياط والتجمّل.
ذلك الضوء الذي ينبض في بداية الخلق… ثم يبدأ بالتخفّي كلما تعلّمنا كيف “نعيش”.

ربما نحتاج أن ننظر إلى الأطفال كي نتذكّر.
ليس لأنهم أبرياء، بل لأنهم لم يتعلّموا بعدُ أن يكونوا غير ما هم عليه.
لا يراوغون، لا يخفون، لا يتظاهرون بأنهم لا يشعرون.
يرغبون بما يريدون دون تردد؛ يبكون حين يوجعهم شيء، ويضحكون حين يفرحون.
لا يعرفون كيف يخفون الحقائق الصغيرة التي يراها الكبار محرجة،
ولا يعرفون كيف يرتّبون مشاعرهم كي تناسب الآخرين.
إنهم يعيشون السلم كاملًا: من أول الدرجات إلى أعلاها… بلا خوف من قسوته أو بهجته.

فهل النضج هو أن نخسر هذا الاتساع؟
أن نطوي طفولتنا تحت طبقات من التحمل والصمت؟
وهل الواقعية هي أن نتخلى عن الفطرة شيئًا فشيئًا
حتى نصبح نسخة "عملية" من أنفسنا… أقل صدقًا، أقل حيوية، أقل وضوحًا؟

يقولون إن الفطرة هي ألا نتلوّث.
لكن ما معنى التلوّث؟
هل هو الكره؟
أم هو ذلك التشوّه الذي يصيب القلب حين ينسى أنه يشبه الآخرين،
حين يتخيل الإنسان أنه أعلى، أميز، أفضل؟

ولماذا يكره إنسانٌ إنسانًا آخر؟
ربما لأننا لم نقتنع يومًا بأننا متشابهون في العمق.
نحمل المخاوف ذاتها، والرغبات ذاتها، والضعف ذاته.
يحكمنا قانون واحد: أرضي وسمائي وإنساني.

ومع ذلك، نميل إلى الاعتقاد أننا مختلفون… أننا استثناء.
وهذا الشعور—شعور الامتياز—هل هو فطري؟
لا يبدو كذلك.
إنه شيء نتعلمه حين نقارن،
حين نبحث عن مكانة،
حين نُغذّي الأنا التي تريد أن تُرى، لا أن تكون.

وربما يكون هذا هو التلوّث الأول:
أن ننسى أننا بشر… كباقي البشر.
عاديون، نعم، لكننا حملنا معنى عظيماً في عاديّتنا.
وحين نرفض هذه الحقيقة،
حين نصرّ أن نكون “غيرهم” و“أعلى منهم،
يبدأ شيء في داخلنا بالانحراف عن أصله.
تبتعد أرواحنا عن البساطة التي خُلقت عليها،
ونفعل بعدها حماقات كثيرة لنثبت أننا مختلفون.

الفطرة، ربما، ليست الصدق وحده، ولا الطيبة وحدها، ولا براءة الطفل وحدها.
الفطرة هي أن نكون كما نحن قبل أن نخاف،
قبل أن نتظاهر،
قبل أن نبحث عن شهادة تثبت أننا مهمون. مميزون

أن نرى أنفسنا مجرد انسان...

No comments:

Post a Comment