2025/11/21

الصبران

قرأتُ قول الإمام علي: "الصبر صبران… صبرٌ على ما تُحب، وصبرٌ على ما تَكرَه."

فما الفارق؟

الصبر على ما نكره...هذا هو الصبر الذي عرفناه مبكرًا. نبتلعه -رغما عنا- كطعام مرّ، يدخل جوفنا رغماً عنّا، ثم يستقرّ في الأمعاء كحجرٍ لا يذوب. ن
حن نصبر على ما نكره لأننا لا نملك اختياراً آخر سوى الانهيار أو الصمود.
ننتظر الأمل أن يتغير ما نصبر عليه في الغد، لكن الغد يأتي ولا يتغير. فيبدأ الأمل يضمحلّ شيئاً فشيئاً حتى ينطفئ، فنُجبر أنفسنا على التعايش معه.
عندها يتحوّل الصبر من مجاهدة إلى تأقلم، ومن رفضٍ داخلي سابق إلى قبولٍ اضطراري لا ينبع من الرضا، بل من نفاذ الطاقة.

فهل الصبر هو القبول؟

ربما الصبر هو أن تُمسك النفس وتُمنعها من السخط، حتى لو كانت تهتزّ داخلياً وتتساءل. لا يُشترط على الصابر ألا يتذمر أو يغضب في ...صمته...
 فالصبر في هذه الحالة هو الثبات على الطريق رغم ثورة النفس وعدم فهما لما يحدث، لا بالضرورة هدوءها التام أو ..القبول.

لكن، ماذا عن الوجه الاخر للصبر....الصبر على ما نحب؟
هذا هو الامتحان الذي يكشف معدن الإنسان..هنا لا تبتلع مرارةً…بل تكتم لذة....لا تواجه ظرفًا يهددك من خارج الباب…بل رغبةً تُنادِيك من أقرب نقطة في قلبك،وتَعِدك بالدفء بينما تجرّك نحو هاويةٍ تراها أنت ولا تراها هي.
هذا هو الميدان الذي تتصارع فيه: العقل الذي يعرف، والهوى الذي يشتهي، والنفس التي تقف بينهما ولا تحايد بل تحاول أن تجرك نحو الهوى وتأخذك الى هنالك.
وهنا -بالذات- يتجلّى الفرق بين إنسانٍ يملك نفسه…وإنسانٍ تملكه نفسه.
كيف تصبر على ما تحب؟
كيف تقف أمام نارٍ في صدرك وتقول لها: "لن أذهب .."مع أن كل خلية فيك تريد أن تذهب؟

الصبر على ما تحب هو أن تمنع نفسك عمّا يستهويها، لا لأنك لا ترغب، بل لأنك ترى أبعد من اللحظة.
هو أن تبني الحاجز الأول…ذلك الحاجز الذي يرتجف في البداية، ثم يقوى،ثم يتحوّل مع الوقت إلى قدرة على التسيّد.
ليس لأن الرغبة ماتت،
بل لأنك لم تعد أنت تابعًا لها.

الصبر على ما نكره يهذّبنا،
لكن الصبر على ما نحب… يحرّرنا.
 الأول يعلّمنا الاحتمال،
أما الثاني فيعيد ترتيب الداخل بالكامل: يبني عضلة خفية في الروح، قدرة جديدة، عجيبة على الثبات وعلى الاحتمال (ليس احتمال او التعايش مع الألم الخارجي فقط بل مع التأقلم وقبول الوجع الداخلي)،
وعيًا يجعل نفسك تفقد شيئا من سلطتها عليك،
وكيف تصل الى القدرة على الصبر على ما تحب؟ أعتقد من تدريب النفس...على عدم الانصياع لكل ما تريده  في اللحظة الآنية
.وأن يملئك الله ويتجاوز حبك له لحبك لأي شئ اخر.

وعندما تخرج من معركةٍ كهذه، لا تعود الشخص الذي دخلها. تصبح أخفّ، وأرسخ، وأقوى وأثبت وأقرب إلى الله،
كأن نفسك خضعت لميزان آخر غير الهوى، وكأن روحك اكتسبت نورًا لم يكن فيها من قبل.

وهكذا أفهم الصبر كما أراد الإمام أن يفتح لنا بابه: الصبر على ما نكره يمنحنا النجاة على الأرض وقبول الحياة،
أما الصبر على ما نحب…
فهو الذي يمنحنا السيادة على أنفنسنا.
والحرية والقوة والقدرة على النجاة والوصول الى السماء ومن فيها...

No comments:

Post a Comment