2025/11/29

كن حرا

 انفرط بغتة، كأنَّ الخيطَ الذي احتضنها طويلًا قد بلغ حدَّه الأخير، فاختار أن يتحرّر وينقطع.
هرولت الحبات مبتعدةً، كلٌّ في مكان، كأنها تأبى الأسرَ من جديد، أو ترفض العودة إلى الاصطفاف القديم.
ظننتُ ـ للحظةٍ ـ أن جمعها مستحيل.
انخفضتُ إلى الأرض، ألملم شتاتَ ما تقع عليه عيناي… أصطاد الحبات من زوايا الغرفة، وأودع ما أنقذتُه في المخبأة القطيفة الخضراء، ريثما يحين موعد الإصلاح. ثم وقفتُ أمام الدرج الصغير.
فتحته ببطء لأضع المخبأة داخله… وهناك، لمعت "سوارة" أخرى منسية منذ شهور.
حباتُها خضراء، مختلفة عن زرقة واصطفاف "سوار السعادة" قبل أن ينقطع ويتناثر.
وبسبب اختلاف اللون والشكل… لم يجتمعا يومًا في معصمي.
لكن النقش الصغير عليها استوقفني؛ كلماتٌ هادئة، قاطعة، واضحة: "كن حرًّا". حينها وقفتُ أمام السؤال طويلًا: أيّهما أهم؟
أن أكون سعيدة… أم حرّة؟
ولماذا حين خُيِّرت يومًا… انحزتُ للسعادة وتركتُ الحرية خلف الدرج المغلق؟
وهل يمكن لليد أن تُمسك بالكلمتين معًا: أن تسعد، وأن تتحرر؟
أم أن أحدهما أصلٌ يولد منه الآخر؟

تلاشى "سوار السعادة"، ولم يبقَ منه إلا أثرٌ متناثر…
لذلك، لم يكن أمامي إلا أن أرتدي الحرية.
وربما — في الحقيقة — لم أخترها أنا.
ربما هي التي انتظرت اللحظة المناسبة لتعود.
ارتديتُ السوار في صمت.
وعندها فقط… كففتُ عن التفكير في إصلاح "سوار السعادة".

2025/11/23

يبقى الضوء

والظلّ يترنّح، يظهر ويختفي
أتحرّك فأراه يتبعني،

أثبت فيتحرّك هو…
فتتبدّل الحدود بيني وبينه:
من يخلق الحركة؟
من يوجّه الانتباه؟
هل أنا أم الظل؟ أم سرٌّ أعمق يسري في المكان؟

أفتح النافذة
 فتضيق رقعة الظل،
أغلقها فيزداد وضوحه،
فأعرف أنّ شيئًا خارجّي يتحكّم في وجوده…
وأنّ العين ترى من منظور رؤيتها فقط .

أتأمل وأتساءل:
هل الظل يستحقّ التفكر؟
أم أنّ م صنعه —
هو الأجدر بالتأمّل؟
وإن وجّهتُ نظري نحو الصانع…
فماذا سأرى؟
أوليس يكفيني النور
عن كتلةٍ لا تلبث أن تتبدّد؟
أرفع بصري نحو السماء،
وأترك قلبي يلتقي بالنور…

فيختفي الظل من تحت قدمي، 

2025/11/22

نوفمبر

وجاء نوفمبر…

كأنّه يعرف منذ اللحظة الأولى أنّه لن يطيل المقام.
جاء كلَمسَةٍ تتردّد
...كضوءٍ يظهر ليطمئنك ثم يختفي ليختبر قلبك...صبرك
كأنّ الفصول كلّها تعرف أن عمر نوفمبر قصير.

هو الشهر الذي يعبرك… دون أن يستأذن،
ودون أن يمكث.

جاء كنظرةٍ تُسرَق بين حائطٍ وبابٍ موارب
كعصفورٍ اطمأنّ لحظةً ثم خاف من شدّة قربك فطار،
أو كطعم شوكولاتةٍ يذوب سريعًا في فمك.

وكنتَ كذلك…
ظهرتَ بالسكون نفسه،
بالوهج نفسه،
وبذلك الشعور الذي يملؤنا حتى حين يغيب.

جئتَ ككلّ ما لا يُخلَق ليُمتلَكَ،
وما لا يُحبَس في يدٍ ولا زمنٍ ولا يقين.
جئتَ كالأشياء التي تقترب جدًّا… ثم تغيب أكثر.

شعرنا بك بعمق، دون أن نملك منك شيئًا.
فهل خُلِقتَ أصلًا للامتلاك؟
أم خُلِقت كالأشياء الجميلة التي يكون أثرُها أصدق من حضورها، وأطول من بقائها؟

يمرّ بنا نوفمبر كما يمرّ كلُّ جميلٍ لا ينوي البقاء
يقترب بعمق،
ويغادر بعمقٍ أشدّ،
حتى نظنّ أن أثره أطول من حضوره.

هو لحظةٌ بين فصلين،
نافذةٌ تُفتح على تغيّرٍ لا نملك صده،

وفي كلّ مرّة يأتي
يذكّرنا أن الأشياء التي تلمس روحنا سريعًا
قد تسكنها طويلًا،
وأن ما يمرّ كنسمة…
يترك فينا ما تعجز عنه العواصف.

وجاء نوفمبر…
ليعلّمنا أن الرحيل ليس غيابًا،
بل طريقةٌ أخرى للبقاء.

ذلك الذي يزور قلبي قليلًا، ويسكنه عمرًا…
وأنا أحببتك كما أحببتُ نوفمبر.



2025/11/21

الصبران

قرأتُ قول الإمام علي: "الصبر صبران… صبرٌ على ما تُحب، وصبرٌ على ما تَكرَه."

فما الفارق؟

الصبر على ما نكره...هذا هو الصبر الذي عرفناه مبكرًا. نبتلعه -رغما عنا- كطعام مرّ، يدخل جوفنا رغماً عنّا، ثم يستقرّ في الأمعاء كحجرٍ لا يذوب. ن
حن نصبر على ما نكره لأننا لا نملك اختياراً آخر سوى الانهيار أو الصمود.
ننتظر الأمل أن يتغير ما نصبر عليه في الغد، لكن الغد يأتي ولا يتغير. فيبدأ الأمل يضمحلّ شيئاً فشيئاً حتى ينطفئ، فنُجبر أنفسنا على التعايش معه.
عندها يتحوّل الصبر من مجاهدة إلى تأقلم، ومن رفضٍ داخلي سابق إلى قبولٍ اضطراري لا ينبع من الرضا، بل من نفاذ الطاقة.

فهل الصبر هو القبول؟

ربما الصبر هو أن تُمسك النفس وتُمنعها من السخط، حتى لو كانت تهتزّ داخلياً وتتساءل. لا يُشترط على الصابر ألا يتذمر أو يغضب في ...صمته...
 فالصبر في هذه الحالة هو الثبات على الطريق رغم ثورة النفس وعدم فهما لما يحدث، لا بالضرورة هدوءها التام أو ..القبول.

لكن، ماذا عن الوجه الاخر للصبر....الصبر على ما نحب؟
هذا هو الامتحان الذي يكشف معدن الإنسان..هنا لا تبتلع مرارةً…بل تكتم لذة....لا تواجه ظرفًا يهددك من خارج الباب…بل رغبةً تُنادِيك من أقرب نقطة في قلبك،وتَعِدك بالدفء بينما تجرّك نحو هاويةٍ تراها أنت ولا تراها هي.
هذا هو الميدان الذي تتصارع فيه: العقل الذي يعرف، والهوى الذي يشتهي، والنفس التي تقف بينهما ولا تحايد بل تحاول أن تجرك نحو الهوى وتأخذك الى هنالك.
وهنا -بالذات- يتجلّى الفرق بين إنسانٍ يملك نفسه…وإنسانٍ تملكه نفسه.
كيف تصبر على ما تحب؟
كيف تقف أمام نارٍ في صدرك وتقول لها: "لن أذهب .."مع أن كل خلية فيك تريد أن تذهب؟

الصبر على ما تحب هو أن تمنع نفسك عمّا يستهويها، لا لأنك لا ترغب، بل لأنك ترى أبعد من اللحظة.
هو أن تبني الحاجز الأول…ذلك الحاجز الذي يرتجف في البداية، ثم يقوى،ثم يتحوّل مع الوقت إلى قدرة على التسيّد.
ليس لأن الرغبة ماتت،
بل لأنك لم تعد أنت تابعًا لها.

الصبر على ما نكره يهذّبنا،
لكن الصبر على ما نحب… يحرّرنا.
 الأول يعلّمنا الاحتمال،
أما الثاني فيعيد ترتيب الداخل بالكامل: يبني عضلة خفية في الروح، قدرة جديدة، عجيبة على الثبات وعلى الاحتمال (ليس احتمال او التعايش مع الألم الخارجي فقط بل مع التأقلم وقبول الوجع الداخلي)،
وعيًا يجعل نفسك تفقد شيئا من سلطتها عليك،
وكيف تصل الى القدرة على الصبر على ما تحب؟ أعتقد من تدريب النفس...على عدم الانصياع لكل ما تريده  في اللحظة الآنية
.وأن يملئك الله ويتجاوز حبك له لحبك لأي شئ اخر.

وعندما تخرج من معركةٍ كهذه، لا تعود الشخص الذي دخلها. تصبح أخفّ، وأرسخ، وأقوى وأثبت وأقرب إلى الله،
كأن نفسك خضعت لميزان آخر غير الهوى، وكأن روحك اكتسبت نورًا لم يكن فيها من قبل.

وهكذا أفهم الصبر كما أراد الإمام أن يفتح لنا بابه: الصبر على ما نكره يمنحنا النجاة على الأرض وقبول الحياة،
أما الصبر على ما نحب…
فهو الذي يمنحنا السيادة على أنفنسنا.
والحرية والقوة والقدرة على النجاة والوصول الى السماء ومن فيها...

2025/11/20

الفطرة


 

هل الصدقُ فطرة؟
ربما قبل أن نجيب، علينا أن نسأل: ما الفطرة أصلًا؟
ذلك الشيء الأوّل الذي وُضع في أرواحنا قبل أن نتعلّم الخوف والاحتياط والتجمّل.
ذلك الضوء الذي ينبض في بداية الخلق… ثم يبدأ بالتخفّي كلما تعلّمنا كيف “نعيش”.

ربما نحتاج أن ننظر إلى الأطفال كي نتذكّر.
ليس لأنهم أبرياء، بل لأنهم لم يتعلّموا بعدُ أن يكونوا غير ما هم عليه.
لا يراوغون، لا يخفون، لا يتظاهرون بأنهم لا يشعرون.
يرغبون بما يريدون دون تردد؛ يبكون حين يوجعهم شيء، ويضحكون حين يفرحون.
لا يعرفون كيف يخفون الحقائق الصغيرة التي يراها الكبار محرجة،
ولا يعرفون كيف يرتّبون مشاعرهم كي تناسب الآخرين.
إنهم يعيشون السلم كاملًا: من أول الدرجات إلى أعلاها… بلا خوف من قسوته أو بهجته.

فهل النضج هو أن نخسر هذا الاتساع؟
أن نطوي طفولتنا تحت طبقات من التحمل والصمت؟
وهل الواقعية هي أن نتخلى عن الفطرة شيئًا فشيئًا
حتى نصبح نسخة "عملية" من أنفسنا… أقل صدقًا، أقل حيوية، أقل وضوحًا؟

يقولون إن الفطرة هي ألا نتلوّث.
لكن ما معنى التلوّث؟
هل هو الكره؟
أم هو ذلك التشوّه الذي يصيب القلب حين ينسى أنه يشبه الآخرين،
حين يتخيل الإنسان أنه أعلى، أميز، أفضل؟

ولماذا يكره إنسانٌ إنسانًا آخر؟
ربما لأننا لم نقتنع يومًا بأننا متشابهون في العمق.
نحمل المخاوف ذاتها، والرغبات ذاتها، والضعف ذاته.
يحكمنا قانون واحد: أرضي وسمائي وإنساني.

ومع ذلك، نميل إلى الاعتقاد أننا مختلفون… أننا استثناء.
وهذا الشعور—شعور الامتياز—هل هو فطري؟
لا يبدو كذلك.
إنه شيء نتعلمه حين نقارن،
حين نبحث عن مكانة،
حين نُغذّي الأنا التي تريد أن تُرى، لا أن تكون.

وربما يكون هذا هو التلوّث الأول:
أن ننسى أننا بشر… كباقي البشر.
عاديون، نعم، لكننا حملنا معنى عظيماً في عاديّتنا.
وحين نرفض هذه الحقيقة،
حين نصرّ أن نكون “غيرهم” و“أعلى منهم،
يبدأ شيء في داخلنا بالانحراف عن أصله.
تبتعد أرواحنا عن البساطة التي خُلقت عليها،
ونفعل بعدها حماقات كثيرة لنثبت أننا مختلفون.

الفطرة، ربما، ليست الصدق وحده، ولا الطيبة وحدها، ولا براءة الطفل وحدها.
الفطرة هي أن نكون كما نحن قبل أن نخاف،
قبل أن نتظاهر،
قبل أن نبحث عن شهادة تثبت أننا مهمون. مميزون

أن نرى أنفسنا مجرد انسان...

2025/11/18

استقرار

 أن تستقر…

ما معنى ذلك حقًا؟

هل هو شعور مادي؟ أم قرار عقلاني؟
هل هو شيء نكتسبه بعد محاولات طويلة، فنصل إليه في لحظة ما؟
هل هو فكرة ملموسة، أم هدف يرسّخ ثباتك النفسي؟
وهل يمكن أن نمارس الفن — أن نكتب، أن نبدع — دون أن نستقر داخليًا؟

ما هو شعور الاستقرار؟
هل هو هدوء يحيط بحياتك من الخارج؟ أم سكينة تنبع من داخلك؟
هل هو غياب الصراعات الخارجية أم الداخلية؟
هل يعني أن تتوقف الدنيا عن الاهتزاز من تحتك؟ أم أن تتوقف أعماقك عن الاضطراب؟
هل يشبه الأمان؟ هل هو مرادفه؟ أم أن بينهما مسافة لا تلتقي؟

متى شعرتَ أنك مستقر؟
حين امتلكتَ الأمان — المالي، الوظيفي، العائلي؟
أم شعرت بالاستقرار حتى دون امتلاك أيٍّ منه؟
هل الاستقرار يعني أن تشعر بالسلام؟

والآن… سأكتب تجربتي كما عشتها، سأجردها أمام نفسي.

الاستقرار ليس مرتبطًا بأي شيء خارجي يمكن أن “تملكه”.
قد تمتلك الكثير، لكنك داخليًا تعيش فوضى وصراعات وأجزاء تتجاذب مع أجزاء أخرى.
أن تستقر يعني أن تلتصق بنفسك، بحقيقتك، بغاياتك وأهدافك.
أن تكون راضيًا، مقتنعًا، وتشعر بالسلام تجاه نفسك وما يحدث حولك.

قد تتصارع الحياة خارجك،
تعلو الأمواج، تتلاطم،
تهتز الثوابت من تحتك،
وتأتي العواصف من حولك…
ومع ذلك تنظر إليها دون أن تهتز، لأنك مستقر من الداخل.

ورغم اختلاف معنى الأمان عن الاستقرار، إلا أنهما يتشابهان في شيء ما:
الاستقرار يجلب شعور الأمان،
لكن الأمان لا يجلب بالضرورة الاستقرار.

نحن لا نصنع الفن، لا نكتب،
إلا حين نستقر داخليًا… حين يهدأ الضجيج، حتى وإن علا صوت التساؤل.
فالاستقرار فعل مكتسب نمنحه لأنفسنا، لا يمنحه أحد لنا.
لا يأتي من أي شيء خارجي.
إنه فعل داخلي… شعور يشبه الرضا، الراحة، واتساع التسليم.
أن تأمن لنفسك، وتطمئن للحياة.

ربما… الاستقرار ليس أن تسكن مكانًا،
بل أن يسكنك الله.

2025/11/15

نتقبل الحياة فنجب الله

أن تتقبّل الآخر يعني أن تمنحه المساحة الكاملة ليكون هو...
أن تمنحه حريته: حرية الفكر، والمعتقد، والإيمان. حرية الهوية والقرار.
أن تمنحه الأمان ليظهر كما يريد، دون أن يرهقه التفكير في نظرتك إليه.

عندما نتقبّل، نحن نحرّر الآخر من القلق
 من ذلك السؤال الخفي القابع في ذهنه: هل سيرفضني؟ كيف سأبدو في عينيه؟
ومع هذا القلق يبدأ الإنسان بالمراوغة أو التغيّر أو التخفّي… فيتحوّل إلى نسخة صُنِعت لترضيك،
لا النسخة التي هو عليها حقًا.

وحين يفعل ذلك، فهو لا يعود قادرًا على أن يشعر بالحب أو يمنحه... لأنه، في حقيقة شعوره وفي عمق جوهره، خائف لا محبّ. يحاول أن يسترضيك… لا أن يحيا بإنسانيته الكاملة.
بل وقد يتكوّن في داخله جزءٌ خفي — لا يعرفه هو نفسه — يمقتك لأنك تقيده، أو لأنك تضع شروطك عليه…
وهل يمقت الإنسان شعورًا أكثر من شعور “الحب وفق شروط”؟

وحين نتقبّل الآخر بصدق، فإننا نمنحه حريته كاملة. والحرية في جوهرها هي ملامح الإنسانية.
أن تكون حرًا يعني أن تحيا كإنسان.
والحب هو التقبل. هو الحرية. هو الإنسانية.

أن تُحب شخصًا بصدق يعني أن تتقبّله "كما هو". أن تتقبّل اختلاف فكره ووجهة نظره، لا أن ترفض حقيقته أو كيانه. وحين تمنحه هذا التقبّل، فأنت تمنحه حريته؛ وعندما يشعر بأنه حرٌّ معك، يصبح هو نفسه أكثر قدرة على الحب.

أمّا حين تضع قيودك على شخص ما - قيودك الفكرية أو شروطك الإلزامية لحبه - فأنت في الحقيقة تُخيفه. أنت تُعيقه عن "أن يكون". حينها، هو لا يعود يحبك بقدر ما يخاف ويخشى أن يخسرك.

يصبح كالمهرج في السيرك، الذي يمشي فوق الحبل، لا يركز إلا على ألا يختل توازنه. يصبح تفكيره منصباً على خطواته أكثر من حقيقة ما يشعر به. إنه يخاف السقوط والإساءة في العرض، أكثر من استمتاعه بالرحلة ذاتها.لا حبّ بدون "تمام التقبل". ولا حبّ بدون حرية ولا حب يداخله الخوف.

وأعتقد أنّ هذا هو النهج الذي خُلقنا عليه... أن نكون أحرارًا في حبّنا لله، لا مقيّدين.
أن نعبده لأننا "نريد" أن نعبده؛ حبًا، وفهمًا، وتقبلًا.
فتصبح العبادة فعلًا داخليًا خالصًا، نابعًا من عمق المعتقد، ومن رغبة صادقة في القلب، لا قناعًا سطحيًا نرتديه لغاية أو
مكسب.
في النهاية 
وحين نتأمل علاقتنا بالله، ندرك أن أجمل صور الحب هي تلك التي تنبع من قلب حرّ… قلبٍ يتقبّل وجوده كما هو، ويتصالح مع الحياة التي خُلق فيها...مع أحداثها ومجرياتها...

 فحبّ الله في أساسه تقبّل داخلي للنفس، والانسان... للقدر، والوجود والحياة.

2025/11/13

استغناء

 كلما ركّزنا على شيء لم نحصل عليه، وكلما جعلناه غايتنا الكبرى وصارت حياتنا تدور في فلكه، ازداد بُعدًا، كأنه يفرّ كلما اقتربنا.

كيف؟ ولماذا؟ وما السر؟
لا أعرف على وجه اليقين، لكنني أظن أن هناك قانونًا أرضيًا ينكر ما يسمّونه "قانون الجذب"، قانونًا يُعلّمنا أن الترك أحيانًا هو سبيلٌ إلى الأخذ، وأن الإسراف في الانفعال يصرف عنا ما نتمناه.

يبدو أن الركض خلف الأشياء يخيفها فتهرب منّا.
أو ربما يجعلنا نحن نصغر أمامها حتى نرى أنفسنا دونها، فلا تأتينا لأن جزءًا خفيًا فينا يرفضها لأنه لا يشعر باستحقاقها.

وأنا أكتب الآن، أكتب بعدما عشت التجربتين؛ اختبرت الركض خلف الأماني وملاحقتها، فرأيتها تتسرّب من بين يدي، بل لم تصل أصلاً. كانت تطير فوقي كطيور بعيدة يستحيل الإمساك بها.

في كل مرحلة، كانت هناك أمنية أعلّق عليها رجاءً جديدًا. كانت الكاميرا في عقلي تركز على "النقص"، تكبّره وتقف عنده، فأحوّله إلى هوس أركض خلفه، أريده "بشدة" و"بسرعة"، فلا ألتفت لما حولي.

والخلاصة؟ كل ما ركّزت عليه بهذا الشكل، لم أحصل عليه.
فسألت نفسي: أهي الأقدار تعاندني؟ أم هو الحظ يخالفني؟
أم أنني كنت أسير ضد اتجاه قانون الحياة؟

ثم تعلّمت الاستغناء... تلك القوة الهادئة العارمة التي أفخر بها الآن.
تعلّمت أن أنظر إلى الحياة من مسافة وأقول: ما يأتي فليأتِ، وما يبقى فليبقَ، وما يرحل فلا حاجة لنا به.

لقد خبرتُ ثقل التعلق بأمنية واحدة تسيطر على القلب حتى تغيب الحياة من حولك؛ كل شيء يبدو ناقصًا وفارغًا لأنها لم تتحقق، فتسقط رويدًا في حفرة القنوط.

وفي المقابل، اكتشفت أن لا شعور يضاهي خفة الاستغناء؛ تلك الثقة المطلقة بالله وبالقدر، فيما سيأتي وما سيُمنع. القلب المستغني ليس قاسيًا أو باردًا، بل هو قلبٌ خفيف، امتلأ بأشياء أثمن من الدنيا وما عليها. قلبٌ فهم أن الهوس لا يقودنا أبدًا إلى ما نريد.

وكأن قانون الحياة جاء ليخبرنا ببساطة: "كل ما هوست به، وتعلقت به، وركضت خلفه، سيهرب منك حتى تستغني، تتحرر، وتعيش بقلب فطري خفيف".

ولأن دروس الحياة لا تمنح بسهولة، فهذا الدرس سيأتيك من أكثر ما تتمنى؛ ما سيثقلك جدًا انتظاره، وما لن تحصل عليه. سيلي ذلك شعور القنوط، ولسان حالك يقول: "أنا لا أريد شيئًا، لأن أهم أمنياتي لم تتحقق".
وحين تظن بأنك بردت، وقنطت، ويئست... هنا، في تلك اللحظة بالذات، ستفهم.

ستدرك أنك أخيرًا تعلمت أن تستغني؛ ألا تتعلق، أن تفقد الأشياء أهميتها العارمة في قلبك. أن تمر على الأشياء... تتمناها، ولكنك لا تهوس بها. تترقبها، ولكنك لا تنتظرها بلهفة توقف حياتك.

تكمل الحياة وتدور معها،
لا تتوقف ولا توقفها.
تمضي، فتجدها تمضي معك.
تسعى، فتجدها تسعى معك.
ترضى بما أوتيت، فتجدها تراضيك.

وفي لحظة، تجد ما تمنيته سراً -ولكنك لم تتعلق به أو تركض خلفه أو تتوقف في انتظاره- قد جاءك هو، ووقف
أمامك 
مبتسمًا، وأخبرك دون أن ينطق: "ألم تتمناني سراً يومًا، ولكنك لم تلاحقني علنًا؟

2025/11/12

بين المشاعر والمبادئ

ما الذي يجعل بعض الناس أقلّ انفعالًا وأكثر قدرة على كظم الغيظ وضبط مشاعرهم؟
هل هو نقص في منسوب العاطفة داخلهم؟
هل هي قوة داخلية لا يملكها سواهم؟
أم أن محاولة الفهم والمقارنة أصلًا خطأ، لأن الأسباب كثيرة؛ تتشابك فيها ملامح الشخصية، والتربية، والخبرة، وحتى نوع الوعي؟

لكن...
هل أن تنفعل يعني أن مشاعرك أقوى منك، من نفسك، ومن مبادئك؟
أم أن المشاعر والمبادئ كيانان منفصلان لا يلتقيان إلا حين نختبر أنفسنا؟
هل الهدوء ناتج عن عدم الاكتراث بالآخر والانشغال بالنفس؟
أم هو العكس؛ تعاطف عميق يجعلنا نضع الآخر في مكانة تسبق الأنا، فنحاول ألّا نؤذيه بانفعالنا؟

ربما هو تجاوز للأنا ذاتها،
ذلك الجزء فينا الذي يصرّ على إثبات نفسه، على الردّ، على الانتصار.
وحين تخفت أصوات الأنا، لا يعود فينا شيء يُستثار أو يُدفع نحو الانفعال…
كأن صوت الله فينا يعلو حتى يُسكت ضجيج العالم من حولنا،
فنصبح ساكنين، لا لأننا لا نشعر، بل لأننا نشعر على نحوٍ أعمق… شعور لا يرغمنا على الانفعال.

هل هي إذا قوة داخلية نكتسبها من تجارب الحياة؟
أم خِلقةٌ نولد بها؟

مع النضج، نكتشف أن لا فعل يمرّ دون أثر،
وأن لكل انفعال ثمنًا… ندفعه من سلامنا، من وعينا، من توازننا.
وحين نعرف ذلك، نصبح أكثر وعيًا في ردودنا،
تلك المعرفة هي ما تردعنا… لا ضعف ولا خوف، بل حكمة ربما تأتي من التجارب.

الحقيقة أن شكل حياتنا، ومقدار سلامنا، وصلابتنا الأخلاقية،
كلّها تتأثر بمدى قدرتنا على ضبط انفعالاتنا.
السيطرة على النفس ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي أساس الوجود المتزن،
هي ما يحدّد مَن نحن، وإلى أين نتجه حين تتصارع فينا المشاعر والمبادئ.

ما أكتبه ليس وعظًا، ولا محاولة لتجميل المثاليات،
بل تأمل في واحدة من أعظم معضلات الحياة:
كيف نتحكم في أنفسنا ونحن بشر، نشعر ونتألم ونثور؟

لسنا دائمًا ناجحين في ذلك،
لكن إنسانيتنا تكمن في هذه المحاولة المستمرة.
نخطئ ونثور، ثم نهدأ ونتعلّم.
وحين ننجح في كبح انفعالٍ واحد، نقترب أكثر من الصلاح،
ونعتاد على كبت مختلف الانفعالات
وحين نفشل، نتذكّر أننا ما زلنا في رحلة الإنسان إلى نفسه.

بين الانفعال وضبط النفس،
نعيش، ونتعلّم، ونتطهّر.
وفي المسافة بينهما، نكتشف أنفسنا حقًا...
وربما ندرك بأننا أقوى مما كنا نتخيل

2025/11/10

أيظهر الطريق أم نحن من يظهر؟

"حين تبدأ بالمشي، ينكشف لك الطريق."

قد تبدو هذه العبارة مألوفة، حتى شعاراتية أحيانًا، لكنها تحمل في طياتها مفارقة عميقة. التساؤل المشروع هو: كيف يظهر طريق من تلقاء نفسه؟ كيف تأخذنا أقدامنا نحو غاية ونحن لا نعرفها؟ وكيف، إذن، يمكن أن نمشي بلا رؤية واضحة؟

يأتي الجواب، ليس من الشرح المنطقي، بل من صميم التجربة. فالتجربة وحدها هي التي علّمتني أن "المشي" بحد ذاته هو الذي يكشف معالم الطريق. إن الحركة الصادقة، حتى وسط الغموض، كفيلة بأن تهديك إلى ما تبحث عنه.

كل ما يُطلب منا هو شجاعة البداية، وصدق النية، والمضي قدمًا.

إن شرط السعي ليس النتيجة، وشرط المشي ليس الوصول.

قد تبدأ طريقًا وأنت تظن أنك تعرف إلى أين تريد أن تصل، ثم تكتشف أثناء المشي أنه غير مناسب لك. الإصرار على المضي رغم وضوح الخطأ لن يوصلك إلى شيء. لكن البدء بنية صادقة، بخطوات واضحة رغم الغموض، هو ما يضمن أنك ستُقاد، سواء بتوفيقٍ داخلي أو "قدري"، نحو الغاية الحقيقية التي جئت الحياة لتنفيذها.

الطريق موجود دائمًا، لكنه ليس واضحًا دائمًا. قد نختلط في اختيار المسارات، وقد نضل، وقد نعتقد أننا نسير في الطريق الصحيح بينما هنالك مسار آخر يجب أن نمشي عليه.

لكن في اللحظة التي ندرك فيها أنفسنا بما يكفي، وحين نصدق النية، يصدق الطريق وينكشف.

ربما الحقيقة الأعمق هي أن الطريق وحده لا يظهر، بل نحن من نتغيّر ونحن نسير فيه. إنه تشكيل متبادل؛ فكلما كان الطريق صحيحًا (أي منسجمًا معنا)، كلما اتسقنا نحن معه، وصرنا أكثر وضوحًا مع أنفسنا، وأكثر انسجامًا مع ما جئنا الحياة لنفعله.

ربما، كما يظهر الطريق، نظهر نحن. في هذه الرحلة، نتصالح مع ما نحن عليه، ونتشكل بوعي لننسجم مع المسار. وحينها، تتغير رؤيتنا، وتنكشف بصيرتنا... ويظهر لنا الطريق الحقيقي، لأنه ببساطة، صار انعكاسًا لما أصبحنا عليه.

تجاربنا

نحن لا نتأثر بكل ما نرى، بل بما يشبهنا.
بما يلامس شيئًا من تجاربنا القديمة، بما يعيد فينا صدى ما عشناه أو فقدناه أو تظاهرنا بنسيانه.
نقف طويلًا أمام ما يُحاكي قصتنا،
 أمام فيلمٍ يذكّرنا بشخص أو شعور، أو كتابٍ نقرأه فنجد أنفسنا بين سطوره،
أو وجهٍ يوقظ فينا ملامح من كُنّا عليه يومًا.

كلّ ما يشبهنا نفهمه بسرعة، نقبله، نستوعبه، نستسيغه، ونهضمه، ونغفره.
كأن الفهم لا يأتي من الفكرة، بل من الجرح… من اللمسة التي سبق أن عبرت أرواحنا.

لكننا – في المقابل – نرفض ما نجهل.
نثور على ما لم نعشه، ونُطلق الأحكام على ما لم نختبره.
كأننا لا نطيق الغموض، فنملأه بتصوّراتنا، نحاكم الآخرين لأننا ببساطة لم نعش تجربتهم.

حتى الألم…
حين نذوقه، حين يسكن الجسد ويؤثر في الروح، نتعلم أن نُخفّف خطواتنا كي لا نؤذي أحدًا.
نمدّ أيدينا برفق لأننا نعرف كم توجع الضربة حين تقع في القلب.
جربنا أثرها، ومانزال نتذكر شعورها.

من لم يختبر الوجع، ربما لا يملك الدافع ليصدّه عن الآخرين.
أما من عاشه، فله ميزانٌ إنسانيّ كامل، يفعل ما بوسعه كي لا يذوقه أحد، لأنه ببساطة يعرف.

تجاربنا تصنع رؤيتنا للعالم، تُعلّمنا التواضع في الحكم، وتزرع فينا بذرة التعاطف.
كل تجربة تضيف عدسة جديدة على أعيننا، تجعل الصورة أوضح، والفهم أعمق، والتقبّل أرحب.
فنُدرك أن الإنسان أعقد مما نتصور، وأن الخطأ ليس سقوطًا دائمًا، بل دليل على إنسانيتنا.

تبدأ المشكلة حين نعتقد أن البُعد عن التجربة يمنحنا صفاء الرؤية،
فنغضب، ونحاكم، وندين من بعيد، غير مدركين أن الحقائق – مهما بدت واضحة – تظل ناقصة لمن لم يعشها من الداخل.

نظن أننا نرى، لكننا في الحقيقة نرى عبر ضبابٍ من الجهل والتصوّر.
كمن يدخل مطعمًا، يطلب طبقًا، وحين يُقدَّم له، يحكم عليه قبل أن يتذوقه،
فقط لأنه يظن أنه يعرف مكوناته.

في النهاية…
ما أكتبه ليس حكمة، ولا قانونًا يسري على الجميع،
إنما فكرة جاءتني -فقط- عبر التجارب.

2025/11/09

ذوبان

قطعةٌ من الثلج،
خرجت للتو من الفريزر، تستقرّ بين كفّيك.

باردة... لدرجة الألم.
قاسية.
رغم صغرها، تؤثر على كل مناطق الشعور في يديك.
تراقبها بعينيك.
في هواء الغرفة، في دفء العيش، تبدأ بالتحوّل.
تستمد من دفئك، ومن طقس المكان، حرارةً لم تكن تعرفها.

تقلّ برودتها، شيئاً فشيئاً.
الألم الذي شعرت به... يصبح أخف، حتى يكاد يختفي.
وهي أيضاً، ملامحها... خصائصها... تلك التي عرفتَها، تتلاشى.
بين يديك. في كفّيك..
بتأثيرك... الذي ربما تجهله.
بحرارتك الداخلية، تلك التي لا تنتبه إليها.

تسيح. تذوب. تخرّ. تسقط.
تتبدّل.

تتحول إلى شيءٍ آخر.
 تندمج في يديك. تتغلغل. تسري في مسام جلدك.
تقترب جداً منك.
تنظر إليها... ولا تصدّق. متى حدث التحول؟

تشعر بها... ماءً يحاكي حرارة جسدك.
لا ألم. لا برودة.
ماءٌ ينساب بسهولةٍ بين أصابعك.

تبتسم أنت
 ولا تصدق.
 
متى بدأ التحول؟

لا ينتهي الليل

القمر في السماء يطلّ،
والعين تلمحه،
ثم تلاحقه،
تتبع خطواته بين السحاب والنجوم.

السماء تُضاء،
والهواء عليل،
والروح تشعر بما لا يُقال،
والجسد يستكين بعد أن تغطيه قشعريرة الشعور.

ورائحة الهواء محملة بعبق الفل التي تشبثت به حين مر فوقها..
والأنف تتنفسه، لأ بل تستنشقه.

والنجوم لا وجود لها ولا ظهور.
والأرض ساكنة،
والأشجار متحركة.
والوجوه مختبئة في الغرف المغلقة،
والنوافذ مقفلة،
والأنوار؟ مظلمة...

والعقل يبدأ في سبر الغموض: كيف؟ متى؟ ولماذا أنا هنا؟

والنوم؟
النوم يغيب،
والسهر يطول، بل يدوم.
 والليل يسود،
والأفق يضيء،
يضاء أكثر فأكثر..
والعين لا تفهم من أين تأتي الأضواء.

والبال شريد،
والنفس تطلب، لكن ضميرها يمنع.
والذهن يغرق بين الممكن والمستحيل،
بين تغير المشهد، ودوام المستحيل.

والاشتياق يزداد… حتى يصبح الشعور المسيطر.

القمر يظل مطل،ينعكس حضوره في الأعين المفتوحة،
والنظرات الناعسة تحملق فيه حتى يندثر،
ويذوب في طبقات السماء، ويختفي.. .

وتستبدل الشمس مكانه،
 ترتفع،
 تستدير،
وتغير التوقيت،
تخبر العين المتوقظة بالغياب،
بانتهاء طقوس الليل والسهر.

لكن: لا شيء يتغير، حتى لو تبدلت الألوان، حتى لو خفتت الأضواء، حتى لو انقضت الساعات.حتى لو بدأ النهار.

فالحقيقة..
أن الليل...بعده
 لم ينتهي.

2025/11/05

الحظ

جميعهم يتحدثون بالنبرة وباللغة ذاتها، وبالمصطلحات نفسها.
يكررون المعنى ، ويؤكدون المغزى نفسه، ويدورون حول الفكرة عينها.
يحيلون آرائهم إلى حقائق، ويقذفون بها أمامنا بثقة مطلقة.

كان حديثهم عن كاتبٍ شهير نال جائزة أدبية كبيرة.
لكنهم لم يروا في فوزه سوى "ضربة حظ"، وكأن الموهبة لا وزن لها، والخبرة لا اعتبار، والإتقان لا مكان.
في رأيهم، لم ينل الجائزة لأنه يستحقها، بل لأن الحظ شاء ذلك.

استمعتُ إليهم في صمت. لم أقرأ لذلك الكاتب، ولا أعرف الكثير عن الجائزة،
لكن شيئًا في أحاديثهم استفزّني.
ربما كانت نغمتهم التهكمية، أو طريقتهم في تحويل آرائهم إلى مسلّمات،
وربما كان السبب أعمق من ذلك: فكرة الحظ نفسها.

هذه الفكرة التي كثيرًا ما راودتني، ثم هربت منها كل مرة لأنني لم أجد لها إجابة.
هل يوجد حقًا ما يسمى "الحظ"؟
هل يولد بعض الناس بأقدار أوفر من غيرهم، فينجحون لا لأنهم يستحقون، بل لأن الحظ حالفهم؟

وما هو الحظ أصلًا؟
أهو تلك القوة الغامضة التي تهبط على البعض من غير سبب؟
أم أنه محض صدفة تتنكر في هيئة قدر؟

أرفض هذه الفكرة، لأنها تعني – ببساطة – أن الحياة غير عادلة.
أنها تمنح شخصًا ما نعمة بلا سبب، وتحرم آخر بلا سبب.
وهذا يتناقض مع عدل الله، الذي خلق الحياة على ميزان الحكمة والتقدير.
لو كان الحظ كما يصوّرونه موجودًا حقًا، لكان وجهًا من أوجه الظلم.
فكيف يسود العدل إن أقررنا بوجود قوة عمياء تمنح وتمنع بلا منطق؟

نظرتُ إلى السماء وسألت نفسي:
ما الذي يدفع الناس إلى التمسك بفكرة الحظ؟
هل هي وسيلتهم لتبرير الفشل؟
هل يقولون "حظنا سيئ" ليخفوا عجزهم، وينسبون نجاح الآخرين إلى "حظ جيد" ليخففوا عن أنفسهم وخز المقارنة؟

أهو الحظ شماعة نعلّق عليها ما لا نفهمه؟
أم أنه، كما يظن البعض، حقيقة غامضة تتجاوز وعينا؟

وربما... ربما نملك جميعًا نوعًا من الحظ، لكن بأشكال مختلفة.
فالحظ ليس قطعة واحدة يتقاسمها الناس، بل هو طيف من النعم يتوزع بطرق شتى.
حين نقارن "حظوظنا" بما عند الآخرين، ونغفل ما نملكه نحن، نصنع لأنفسنا الوهم ذاته الذي نحاربه: وهم أن الحياة ظالمة.

أمسكت هاتفي، فتحت الملاحظات، وبدأت أكتب:
ما هو الحظ حقًا؟

ثم أدركت شيئًا :
ربما كان حظي هو أن أعبّر عن نفسي بالكتابة،
حتى وإن كنتُ أفتقد طلاقة التعبير بالكلام.

فهل أنا أقل حظًا... أم أن هذا هو حظي الحقيقي؟

2025/11/04

لحظة اشتياق

 لا غيوم.
 لا ظلام.
شمسٌ مشرقة،
 وسماءٌ تبدو أصفى من أي نهارٍ .

ورغم ذلك، تشعر بقطراتٍ مبللة تلامس جسدك.
 تعرف الشعور،
 فترفع عينيك إلى السماء... فترى الماء يهطل.

فتفهم.
إنه المطر.

تقف،
بينما تنزل المياه فوقك مباشرةً.
تدخل في عينيك،
 تلامس وجنتك، خدَّك، وتمر فوق شفتيك.
فتخرج لسانك لتتذوق،
فلا تجد له طعمًا.

لا تهتم بالطعم.
تقف حيث أنتَ، تستقبل الشعور كما هو، كما جاء...
في غير توقيته، أو أوانه، أو توقعك .

تستقبل المياه،
وهي تسقط ببساطةٍ (متعمدةٍ ربما؟) فوقك.
 تتبلل،
ولكنك لا ترغب في أن تزيل قطرات الماء عنك.
تتركها اثبات
اثر
دليل
فوق مسام جلدك.

أين أنت؟ ماذا تفعل؟ كم ستبقى هنا؟
 لا يهم...

تكفيكَ اللحظة. وما اللحظة؟ ما الهدف منها؟ ما الطائل وراءها؟
 لا يهم...

تقف... تحت المطر.
...تغمض عينيك .
وتستقبل الشعور كما جاء
كما هو

لو...لماذا

 يُقال لنا دائماً إن "لو" هي الكلمة التي تفتح الأبواب للشيطان. هي مفتاح الندم، وبوابة السخط على ما كان. إنها الكلمة التي تنفث في عقولنا سيناريوهات بديلة لماضٍ انقضى، فتجعلنا أسرى لـ "ما كان يمكن أن يكون"، وتُشعل فينا ناراً لا تهدأ، تمنعنا عن الرضا، وربما تدفعنا للثورة على أقدارنا.

لكن، ماذا عن "لماذا"؟

تلك الكلمة المكونة من خمسة أحرف، والتي أظنها لا تقل خطورة، بل ربما تفوقها. "لماذا" لا تكتفي بفتح باب واحد، بل تشرع أبواباً لا حصر لها في متاهة الوجود.

لماذا حدث هذا لي؟
لماذا أشعر بهذا الفراغ؟
لماذا أقابل هؤلاء الأشخاص دون غيرهم؟
لماذا تتغير الحياة بهذه القسوة أو بهذا الجمال؟
لماذا يفعلون ما يفعلون؟
لماذا أنا... هكذا؟

فهل "لماذا" هي الأخرى مفتاح لوساوس الشيطان كما "لو"، أم أنها، على العكس، هي الأداة التي تفتح عقولنا للتفكير في الحياة، في أنفسنا، وفيما حولنا؟

الفارق بين "لو" و"لماذا" هو الفارق بين الماضي والحاضر، بين الندم والبحث.

"لو" هي محاولة بائسة لتغيير الماضي. إنها كلمة سلبية، ترتكز على ما فات وانتهى. هي التفاتٌ دائم إلى الخلف، يعمينا عن رؤية الطريق أمامنا. إنها "عمل الشيطان" لأنها تزرع اليأس وتغذي السخط على ما لا يمكن تغييره.

أما "لماذا"، فهي كلمة فاعلة، فضولية، باحثة. إنها لا تحاول تغيير الماضي، بل تحاول كشف الحاضر، وفهم آلياته، وربما استشراف شكل المستقبل. "لماذا" هي محرك الفلسفة، وبداية الوعي الذاتي.

أعترف أن سبب كتابتي عن "لماذا" هو هروبي الدائم منها. لدي اقتناع راسخ بخطرها، وخوف أصيل من التعمق فيها.

أظنها تسحبنا إلى مناطق مظلمة وعميقة، مناطق ربما ليس من المجدي أو المثمر الإبحار فيها. نغوص بحثاً عن إجابات، فنجد أنفسنا في فراغ أكبر، وقد لا نصل إلى شيء. إنها الرحلة التي قد تستهلكنا دون أن تمنحنا يقيناً.

لكن في الوقت ذاته، أجد نفسي واقفة أمامها كثيراً. وفي لحظات صدق نادرة، توصلني "لماذا" إلى أشياء لم أكن لأكتشفها أبداً، تكشف لي طبقات من ذاتي ومن الحياة لم أكن أعلم بوجودها.

 لكن، هل تعرف ما التشابه الحقيقي بين "لو" و"لماذا"؟ -في رأيي-؟

إنهما وجهان لعملة واحدة: أنك لا تُسلّم.

كلتا الكلمتَيْنِ تنبعان من مكان واحد، من عقل يرفض القبول البسيط. "لو" ترفض التسليم بالماضي، و"لماذا" ترفض التسليم بالحاضر كما هو.

في كلتا الحالتين، أنت تحاول أن تفهم ما وراء الظاهر، ربما لأنك لا تثق بالكامل في "ما يحدث" أو "فيمن يُسيّر ما يحدث". أنت تحاول أن ترى خلف ما لا يُرى غالباً. أنت تشغل عقلك أكثر من اللازم، وتحاول أن تعرف أكثر مما أنت مطالب بمعرفته.

وهنا يكمن الجواب الحقيقي. ربما ليس الخطر في "لماذا" نفسها، بل في الإجابات التي قد نجنيها.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ"

ربما هذا هو لبّ المسألة. ربما الكشف لن يروق لنا دائماً. لن ينصف الجزء الهش بداخلنا، ذلك الجزء الذي يصبو إلى المعرفة الكاملة، ولكنه في الوقت ذاته يخشاها.

"لماذا" تفتح باباً، نعم، ولكن ليس بالضرورة باباً للشيطان، بل باباً للمعرفة. والمشكلة أن المعرفة، أحياناً، تكون أثقل وأكثر إيلاماً مما يمكننا تحمله. نطلب النور، وحين يأتي، نُصاب بالعمى.

2025/11/02

توقف... هدنة

ماذا لو توقفنا قليلًا؟
ماذا لو كان بامكاننا أن نطلب من الحياةِ هدنة، أن نضغط على زر الإيقاف المؤقت، ولو للحظة واحدة؟

أن نبتعد عن خشبة المسرح، نترك أدوارنا، ونختار مقعدًا بعيدًا في صالة المتفرجين.
أن ننظر إلى حياتنا بعينٍ محايدة، وكأنها عرضٌ لا يعنينا.
نحدّق في تفاصيلها الصاخبة، في ملامحها المتغيّرة، دون أن نفعل أو ننفعل. دون أن نتأثر أو نؤثّر.

ماذا لو طلبنا منها أن ترفع إشارتها الحمراء في وجهنا، فتجبرنا على الوقوف؟
أن تمنحنا ترف "اللا قرار" و"اللا حركة"؟

هل تمنحنا الحياة هذه الرفاهية؟
هل تسمح لنا أن نتفرّج عليها من بعيد دون أن تجرّنا إلى مركز دوّامتها؟
أن نقف عند حدودها ونراقب مجريات أحداثها دون انغماس؟

أم أن طبيعتها تأبى علينا ذلك؟
هي لا تكفّ عن جرّنا.
هي تيارٌ جارف لا يقبل بالحياد.
تطالبنا أن نركض، أن نلهث لنلحق بإيقاعها المتسارع.
أن نواكب دورانها الأبدي ونتصالح قسرًا مع تغيّراتها.
وتهدّدنا بأن ثبات اليوم هو غرق الغد، وأن التوقف هو بداية الاهتزاز.

لكن... إلى أين نركض؟
من نُطارد؟
ولماذا كل هذا الجهد في سباقٍ لا نعرف خط نهايته؟

لقد عشتُ طويلًا بقاموسٍ محذوفٍ منه كلمتا استسلام وانهزام.
لم تكن قناعةً، بل اتفاقًا سريًا عقدتُه مع الحياة: "لن نتوقف".

سقطت؟ أكثر مما يمكن إحصاؤه.
لكنني حوّلت السقوط والنهوض إلى كلمتين مترادفتين.
لحظة الارتطام كانت تليها مباشرةً لحظة الوقوف.
لا مجازًا، بل حقيقة.
لم أكن أمنح نفسي شرف الألم أو رفاهية التأمل في الجرح.
كنت أنهض، حتى وإن كانت قدماي ترتجفان وعقلي يهتزّ من هول الصدمة.

تلك كانت استراتيجيتي للبقاء: الحركة الدائمة.

لكن اليوم... تهاوى الاتفاق.
لم يكن قرارًا مدروسًا أو اقتناعًا عقليًا، بل.
"انقلابًا" قاده الجزء المنهك فيَّ، المرهق من الركض العبثي خلف "اللاشيء".

ذلك الجزء الصامت الذي طالما راقب دون أن يتكلم.
طالما استسلمتُ للأصوات الأخرى، العالية، الصارخة في داخلي:
"لا تتوقفي. إن توقفتِ، ستنسين كيف تمشين."
"إن نسيتِ، ستبقين في آخر الصف، وحيدةً على الأرض."
"لا تعتادي  التوقف، فهو يُورِث خمولًا أبديًا."

ولم أتوقف.
حتى إنني لم أسمح لنفسي أن أراه كخيارٍ متاحٍ على الطاولة.
كنت أردد كالببغاء: الحياة لا تمنحنا رفاهية التوقف.
ولا أعلم إن كنت أصدّق ذلك أم أكذب على نفسي لأواصل الركض.

في الآونة الأخيرة، حين شعرت أن المضيّ لم يعد ممكنًا، بل صار مستحيلًا،
حين أنهكتني المطاردة،
أدركت أن السير لم يعد خيارًا.
لم أعد قادرة.

والمفاجأة؟ أنني توقفت.
رغماً عني.
بلا طاقة، بلا رغبة، بلا جدوى.
توقفٌ كامل.

توقفت... وأنا أنظر الآن حولي.
أحاول أن أحرّك قدمي، أن ألمح بصيص ضوءٍ في أفقٍ بعيد، أن أمضي خطوة واحدة... ولا أستطيع.

ولا أدري... هل المشكلة في الطريق نفسه، أم في أنني تجاوزت حدود قدرتي على المسير؟
هل هذا سقوطٌ نهائي، أم أنها "هدنة، استراحة" طال انتظارها؟

أيًّا يكن، فالحقيقة أن ما أكتبه الآن هو أكثر ما سطّرته سوادًا.
لكن... حتى الكتابة باتت ثقيلة،
كأنني أرغم يدي على حمل القلم.
وعلى ربط الحروف

وربما... لهذا تحديدًا أكتب هذا النص.
أكتب، ليس لأني أعرف ماذا أكتب،
بل كي لا أكون قد توقفتُ تمامًا.
إنها آخر أشكال الحركة المتبقية لي.
وهي ما لا أريده أن يتوقف أبدا...

2025/11/01

التغيير الذي لا نحبه

 عتقد أن لا أحد يختار التغيير؛ بل إننا لا نتقبله بسهولة، وقد نرفضه من الأساس.
إنه من تلك الحقائق التي لا نرغب في الاقتراب منها أو أن يلمسَنا، فنرصُدُ أمامه أبواب عقولنا وحواجز قلوبنا وأسوار تقبّلنا.
نَهَاب أي طريق سيؤدي إليه، ونرفض أي قرار يقوِّض نحوه، ونوقف أي حديث يأخذنا إليه، ونمنع أي تخطيط قد ينتهي به. نحن نمارس منعاً ذاتياً عن التغيير، وفي الغالب، هو من تلك الأشياء التي يجب أن تأتي رغماً عنا، تُفرض علينا فَرْضاً، كقَدَر لا مفر منه أو كتيار جارف لا يمكن مقاومته. إذا لم ينطبق كلامي هذا عليك، فأنت من القلائل الشجعان، أولئك الذين لا تُقلقهم تقلبات الحياة وتغيراتها.

 أما أنا، فأرى في التغيير ليس فقط وجه المجهول، بل هو ذهاب نحو ما لا نعرفه، أو لا ندركه، أو لا نفهمه، ولذلك أرتاح لفكرة الروتين والاستقرار والثبات، إلى النتائج المعروفة، والطرق الموصوفة سلفاً، والوجهات المحددة. وهكذا عشت، وهكذا أحاول أن أعيش.

لكن رغم طريقة الحياة التي أحبها وأحاول أن أتمسك بها، لا يوجد ضمان على بقائها.
 التغيير يأتي، دائماً، وفي كل مرة جاء فيها فهمتُ الدرس جيداً: نحن نلتقي بما نخاف، وإن الثبات مستحيل، وكل ما نرفضه يتكرر حتى نتقبله. إن التغيير ليس مجرد حقيقة قائمة في الحياة، بل هو أعمق من حقيقة وجودي ذاته. أنا أتغيّر، وسأظل أتغيّر حتى أغيب تماماً، وسيبقى التغيير كضوء كاشف يقع على من يختار، فيُرغِمه على أن يتغيّر.
ربما نحن نحب التغيير أكثر مما نظن، وأكثر حتى مما نعرف! لكننا نخافه ونخشاه أكثر من أي شيء آخر.

 لقد بدأتُ أعرف تفاصيل قدومه، وأشعر باهتزازات الأرض؛ هو لا يأتي عبثاً، ولا ليُغضبنا، بل يأتي ليُرغِمنا على التخلّص من شيء والمضي نحو شيء آخر، وربما يأتي قصراً لمن هم أضعف من أن يتغيّروا من تلقاء أنفسهم، فيأتي هذا الإرغام ليحمل معه مفاجآت وعطايا لا نكتشفها إلا بعد حين.

ولكن ماذا إذا رفضناه؟
 كيف ستتصرف الحياة؟
هل ستمنحنا إمكانية الاختيار، أو التوقف، أو الامتناع عن التغيير؟
أم أنها ستقسو وتقسو وتقسو حتى نعي أن لا مفر؟
ولأن كل ما أكتبه ليس سوى تجارب شخصية قد تحمل كثيراً من الخطأ وقد تحمل شيئاً من الصواب، فسأخبرك بأنني أصبحت أخاف ألّا أتماشى مع التغيير حين يأتي أكثر من خوفي من المضي فيه
 فبتُّ لا أنتظر أن يأتي بوجهه الكامل، بل أحدّث تحركات البحر من بعيد فأفهمها، وأحاول أن أتحرك على أثرها قبل أن يتحول البحر إلى عاصفة أو تسونامي تقتلع قصراً ما تراه أمامها. لازلت أخاف التغيير وأطوق لذلك الاستقرار الافتراضي، وربما نحن لا نتعلم تقبل التغيير من التغيير، بل من إرغام الزمن للاستغناء.